المغرب .. مصير مجهول لصحافة المواطنة بعد صدور قانون المدونة

سؤال يشغل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي”السوشيال ميديا” في المغرب بعد طرح مدونة الصحافة والنشر الجديدة في منتصف أغسطس 2017 ، ويتوقع المراقبون أن المدونة تستهدف طرد «صحافة المواطنة» من جنة الحرية بعد أن تمادت في تناول قضايا محرمة, ومشاكسة الخطوط الحمراء التي لم تجرؤ الصحافة الوطنية على إثارة أسئلتها المحظورة, كالحديث عن ثروات الكبار, وأوكار الدعارة الراقية, والرشوة على اختلاف صفقاتها, والجنس مقابل السطو على العقارات, والشطط في استعمال السلطة, والإختلالات المالية, والانحرافات الإجتماعية وغيرها من القضايا الساخنة التي هزت الرأي العام الداخلي والخارجي.

السلطات المغربية سبق أن تعاملت بمرونة وسعة صدر وأغمضت عينيها عن رؤية جرأة صحافة المواطنة, ورغم الرياح الهوجاء التي صاحبت الربيع العربي, لم تسجل خروقات حقوقية جسيمة ومتكررة في المغرب, مقارنة مع دول أخرى كتونس أو مصر أو السعودية أو سوريا أو إيران حيث تكررت حالات حجب المواقع والاعتقالات والمحاكمات والاعتداءات على عشرات المدونين والنشطاء على مواقع التواصل الإجتماعي.
«صحافة المواطنة» لعبت دورا أساسيا باعتبارها «سلم ريختر» لقياس درجة الزلازل الإجتماعية ومجهرا دقيقا لرصد اعتمالات الواقع والإنصات لنبض الشارع مما ساعد الدولة على الإسراع إلى نهج السياسة «الاستباقية» بدل نهج سياسة حجب المواقع أو اعتقال المدونين والنشطاء وهذا لم يحدث سوى في حالات نادرة جدا ومعدودة على أصابع اليد الواحدة.

وعرفت السنوات الأولى من بداية الألفية الثالثة تصاعدا مذهلا في عدد المدونات  Blogs سواء على منصات «بلوجر» أو «ووردبريس» وغيرها من المنصات الغربية والعربية المجانية التي تقدم هذه الخدمة مقابل نقر الزوار على إعلانات تكون في الغالب مدرة للربح للشركة المصممة للمنصة الرقمية, وليس لصاحب المدونة.

وعرفت هذه المرحلة كذلك قفزة أخرى لدور«صحافة المواطنة» مع ظهور المنتديات, ويمكن اعتبارها من أخطر منصات التفاعلية وأوسع ساحة افتراضية للسجالات والتعليقات بين أعضائها في مختلف الأقسام السياسية والنقدية والفلسفية والدينية..إلخ وما يميزها عن المدونات الشخصية أن فـريق إدارة المنـتدى تكون له كامل الصلاحية لشـطب أي عضـو(ة) وحرمانه من النشر إذا ما أخـل بقانون المنتدى وانحرف عن خطـه التحريري.
هذه المنابر الإلكترونية أسهمت في بلورة وعي حقوقي وسياسي عربي جديد قائم أساسا على خصوصياتها الرقمية كحرية التعبير والنقد والتفاعلية الآنية والردود الجريئة دون قيد أوشرط أو تأشيرة من جهة ما كيفما كانت سلطتها الرمزية أو المعنوية أو القانونية..إلخ عدا سلطة إدارة المنتدى.
وإذا كانت المدونات والمنتديات وغرف الشات والبالتوك فيما بعد تقتضي أن يلم العضو الناشر بأبجديات وتقنيات الرقمية لنشر مشاركته في صيغة متناسقة ومنسجمة، فإن إنشاء مواقع التواصل الإجتماعي ( فيسبوك في 4 يناير سنة 2004 ويوتيوب في 14 فبراير سنة 2005 ) قد أحدثا معا انفجارا هائلا في قنوات التواصل عرفت معه «صحافة المواطنة» ثورة إعلامية وانتشرت المعدات المتطورة (حواسيب محمولة وهواتف ذكية ) بين مختلف الفئات الإجتماعية حتى الفقيرة منها وبالتالي حفز عديدا من المواطنين علـى اقتحـام تـجربة إعلام بديل يستجيب لقناعاته الفـكرية والسياسية .

ويجمع جل الأخصائيين في مجال التواصل الإجتماعي أنه ما كان للثورات العربية أن تندلع لولا انتشار«صحافة المواطنة» بفضل توسيع خريطة الربط الشبكي وانتشار الأجهزة الإلكترونية الذكية واختراقها لقيود الرقابة وقدرتها على تعبئة الرأي العام بخطاب إعلامي إجتماعي بديل ومغاير يستقي مادته من فضاءات المجتمع المدني ونبض الشارع بدل أحاديث الصالونات الحزبية والنقابية ولغة الخشب السياسية.
ولعل فيسبوك بما تتيحه منصته من تطبيقات هائلة مقارنة مع مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى كإدراج روابط وفيديوهات وملفات صوتية وصور معبرة, وأخيرا بث حي, كل هذا جعل من فيسبوك بما حمل من حقائق دامغة أو مغالطات على حد سواء أول منصة خبرية إلكترونية كونية تتلاطم في محيطها أمواج الرأي والرأي الآخر بين مد وجزر, وكر وفر، حتى صار في كثير من الأحيان مصدرا موثوقا به لعديد من المنابر الإعلامية العملاقة المحلية والدولية بل العدو الإعلامي الأول لعديد من الأنظمة القمعية والشمولية.
وبالرغم من كون المغرب قد شكل بصورة نسبية استثناء سياسيا في شمال افريقيا بقدرة النظام على احتواء رياح الربيع العربي فإن هذا لا يبخس دور«صحافة المواطنة» في مواكبة ورصد غليان الشارع وتطلعات التنظيمات الشعبية من خلال استثمار صفحات فيسبوك وتسجيلات يوتيوب إن على المستوى الفردي أو على مستوى المجموعات والتنسيقيات ومختلف إطارات المجتمع المدني.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …