تستمر انتفاضة الشعب اللبناني لليوم الثالث عشر على التوالي و الأزمة على حالها، والاحتجاجات مستمرة، والمتظاهرون يواصلون اعتصاماتهم.
في السياسة، لا جديد، وكأن الرعيان في واد والقطعان في واد آخر، فدعوة رئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون إلى الحوار مع المنتفضين لم تجد الصدى الملائم، كما أن أجواء رئيس الحكومة سعد الحريري، بحسب مصادره، تؤكد أن الحل سيكون سياسياً في نهاية المطاف، ما يقتضي إجراء نقلة سياسية لا تتحقق إلاّ من خلال إعادة النظر بالواقع السياسي الحكومي، ويبقى السؤال ما المقصود بالواقع السياسي الحكومي وما إذا كان ذلك يعني تغييراً أو تعديلاً حكومياً، مع التذكير أن في مقدّم مطالب المتظاهرين الإتيان بحكومة مصغرة من اختصاصيين أو حكومة تكنوقراط.
وفي المحصلة، الكل في مازق، المحتجون باقون في الشارع حتى تحقيق أدنى مطالبهم، خصوصاً تغيير الحكومة، والسلطة قلقة، لا بل خائفة، فهي إذا حققت أحد مطالب المتظاهرين تخشى من استمرار سبحة التنازلات، ومن بقاء المحتجين في الشارع. والسؤال ماذا بعد؟ الجواب الوحيد أن البلاد كلها في مأزق، والمخاطر، لا سيما الاقتصادية تتزايد.
وفي موقف لافت، خرج رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري عن صمته حيال التحرك الاحتجاجي، وقال إنه إذا كان “يؤيد مطالب المتظاهرين وهتافات حناجرهم، ولا سيما منها تلك التي لم تخرج عن قواعد الأدب والأخلاقيات، فهو لا يؤيد قطع الطرقات والتضييق على تنقل المواطنين وتعطيل حياتهم اليومية وأشغالهم وباب أرزاقهم”. ولدى سؤاله لماذا لا يفتح الجيش الطرق المقطوعة أمام المواطنين، أجاب “فليوجّه هذا السؤال إلى قيادة الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى. لا جواب عندي في هذا الخصوص”. أما على خط الحكومة، فلا يزال بري على موقفه، وهو “ان الحكومة الحالية باقية، والمطلوب منها العمل ليل نهار لترجمة بنود الورقة الإصلاحية التي قدمتها“.
وحول إمكان أن يخوض حواراً مع ممثلين عن الحراك الشعبي في خصوص ما يطرحونه، لفت برّي إلى أنّ “الرئيس ميشال عون أبدى استعداداً لمحاورتهم وفتح أبواب قصر بعبدا أمامهم“.
وكان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أعلن أن لبنان يحتاج “حلاً فورياً خلال أيام” لتجنّب حصول انهيار اقتصادي، ورداً على سؤال عما إذا كان لدى لبنان ما يكفي من الاحتياطات لضمان نجاته من انهيار اقتصادي، قال سلامة لشبكة “سي إن إن” الأميركية “إنها مسألة أيام لأن الثمن كبير على البلد” مضيفاً أن “الأهم أننا نخسر الثقة أكثر فأكثر يوماً بعد يوم”، مضيفاً “لكي ننقذ أنفسنا من هذا الوضع، نحن بحاجة إلى حلول فورية.”
وفي وقت لاحق، أصدر سلامة توضيحاً لتصريحه، إذ أعلن “لا أقول إننا بصدد انهيار خلال أيام، بل ما قلته هو أننا نحتاج إلى حل فوري خلال أيام لاستعادة الثقة وتفادي الانهيار في المستقبل“.
وواصل المتظاهرون، صباح الثلاثاء 29 أكتوبر (تشرين الأول) قطع الطرقات كالمعتاد منذ انطلاق الانتفاضة، على الرغم من تساقط الأمطار بغزارة، عبر تعزيز العوائق وركن سيارات وسط طرقات رئيسة في المناطق اللبنانية كافة، في إطار تحركهم المستمر منذ 17 أكتوبر، للمطالبة برحيل الطبقة السياسية بكاملها. وتظاهر عدد من المحتجّين أمام المصرف المركزي للمطالبة باستعادة الأموال المنهوبة ومحاكمة الفاسدين. وقالت ناشطة وفق ما نقلت الوكالة الوطنية للإعلام “سياسات الحاكم رياض سلامة وهندسته المالية وجّهت الوضع نحو الانهيار“.
ومساء الاثنين، زارت مجموعة من المتظاهرين من مناطق جل الديب والذوق وغزير، شمال بيروت، بكركي والتقت البطريرك الماروني بشارة الراعي بطلب منه، فذكّرهم ببيان بكركي الأحد الماضي، وجدد مطلبه بضرورة فتح الطرقات إلاّ أنّهم أكدوا أن الطرقات لن تفتح إلاّ بعد إسقاط الحكومة.
وكان الراعي وجه نداء استثنائياً شدد فيه على أنه لا يمكن الاستمرار في تجاهل صرخة الشعب اللبناني، بكباره وشبابه وأطفاله، وهو في ثورة عارمة من شمال لبنان إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، مطالباً، ونحن معه، بحكومة جديدة بكل مكوناتها، جديرة بالثقة، تكون مصغرة مؤلفة من شخصيات ذوات اختصاص وإنجازات، من خارج الأحزاب والتكتلات، لكي تتمكن من تنفيذ الورقة التي أقرها مجلس الوزراء في اجتماعه في القصر الجمهوري الاثنين 21 أكتوبر الجاري، وتلاها الرئيس سعد الحريري.
وتابع بطريرك الموارنة أن الدستور اللبناني يؤكد في مقدمته أن “لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية”، فلا يحق لأحد أو لأي فريق أن يفرض إرادته على الجميع، فلا أحد أكبر من لبنان وشعبه. كما يؤكد الدستور أن “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية“.
وقال إنه لا يمكن عدم الإصغاء لمطلبه بالصورة الشاملة التي توحده تحت راية الوطن، ولا يمكن إهمال ما يتحمل المتظاهرون الثائرون من صعوبات وتضحيات، والمواطنون من معاناة يومية بسبب استمرار إقفال الطرقات.
وتزايد عدد المحتجين في نقاط التجمع الرئيسة اعتباراً من الساعات الأولى من مساء الاثنين، لا سيما في وسط بيروت وطرابلس شمالاً وصيدا جنوباً وجل الديب شمال بيروت وجونية وجبيل في كسروان. وحاول عدد من المتظاهرين في ساحة رياض الصلح في العاصمة اجتياز الشريط الشائك أمام السراي الحكومي لكن القوى الأمنية صدتهم، وفق ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام.
ونُظمت تظاهرة مضادة داعمة للرئيس ميشال عون وحزبه “التيار الوطني الحرّ” في محلّة جونية، شمال بيروت.
وشهدت البلاد نهاية الأسبوع الفائت محاولات من الجيش والقوى الأمنية لفتح الطرقات من دون نتيجة، إذ أكد المتظاهرون أنهم يريدون الإبقاء على شلل البلاد إلى حين الاستجابة لمطالبهم المتمثلة باستقالة الحكومة أولاً وتغيير كل الطبقة السياسية.
وللتصدي لمحاولات الجيش والقوى الأمنية، ابتكر المحتجون أساليب جديدة لقطع الطرق، فقد ركنوا سياراتهم في وسط الطرقات تلبية لدعوات أُطلقت بهذا الصدد، واستقدم المحتجون إلى أحد الجسور الرئيسة في العاصمة بيروت (جسر الرينغ) أثاثاً منزلياً من سجاد وبراد وأريكة وغرفة نوم وافترشوا الأرض بها في خطوة تؤكد على تصميمهم على البقاء في الشارع.
وكان المتظاهرون استخدموا حتى الآن الإطارات المشتعلة والعوائق ومستوعبات النفايات والقطع الحديدية وأكوام التراب والحصى لقطع الطرقات، وحين كانت القوى الأمنية تنجح في إزالة كل العوائق، لم يتردد كثيرون في التمدد أرضاً لقطع الطريق بأجسادهم. واندلعت شرارة الاحتجاجات غير المسبوقة في لبنان بعد إقرار الحكومة ضريبة على الاتصالات عبر تطبيقات الإنترنت سرعان ما تحولت إلى حركة مناهضة للطبقة السياسية كلها.
وأعلن رئيس الحكومة سعد الحريري ورقة إصلاحات اقتصادية قبل حوالى أسبوع في محاولة لامتصاص غضب الشارع، ودعا الرئيس اللبناني إلى إعادة النظر بالواقع الحكومي، لكن المتظاهرين يعتبرون أن كل هذه الطروحات جاءت متأخرة ولا تلبي طموحاتهم.
وشكّل عشرات آلاف اللبنانيين الأحد سلسلة بشرية امتدّت من شمال البلاد إلى جنوبها على مسافة تبلغ 170 كيلومتراً، في خطوة ترمز إلى الوحدة الوطنية التي تكرست خلال التظاهرات العابرة للطوائف والمناطق.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات