بعد عامين من “الحل على الورق” .. كيف بدأ حزب الحرية والعدالة في مصر وإلى أين انتهى؟

حزب الحرية والعدالة, هو بلا شك أحد أكبر الأحزاب السياسية التي عرفتها مصر طوال تاريخها السياسي.

ليس فقط من حيث حجم العضوية الكبير ولكن أيضا بسبب الاستحقاقات الانتخابية التي كسبها الحزب منذ انطلاقته الأولى؛ في مجلسي الشعب والشورى حتى وصل مرشحه؛ د. محمد مرسي إلى الفوز بمقعد الرئاسة في مصر.

حزب من رحم الثورة

منذ مطلع شهر مارس 2011م, أي بعد الثورة بشهرين شرع الإخوان فى تأسيس حزبٍ، أطلقوا عليه “الحرية والعدالة”، واختاروا له وكيلا للمؤسسين (د. محمد سعد الكتاتنى)، ثم بدءوا يعدون الوثائق الأساسية للحزب، تمهيدًا لانتخاب الأمناء من هيئة المؤسسين.

وفى يوم الأربعاء (18 من مايو 2011م) تقدم الدكتور محمد سعد الكتاتنى، وكيل مؤسسي حزب الحرية والعدالة، بأوراق تأسيس الحزب إلى لجنة شئون الأحزاب، متضمنةً: بيانات المؤسسين وبرنامج الحزب ولائحته الأساسية.

وقد وصل عدد المؤسسين إلى 8821 من جميع محافظات مصر ، بينهم 978 امرأةً و93 قبطيًّا. وفي 6 يونيو 2011 وافقت لجنة شئون الأحزاب السياسية على تأسيس حزب “الحرية والعدالة” ليتمتع بالشخصية الاعتبارية والحق في مباشرة نشاطه السياسي.

وكان الحزب منذ البداية مستقلاً عن جماعة الاخوان المسلمين وأعلنت الجماعة ذلك في مؤتمر رسمي.

خرج الحزب من رحم ثورة يناير؛ يحمل مشروعها للتغيير والإصلاح السياسي والاجتماعي في مصر بعد عقود من الاستبداد والجمود.

الحزب الذي يحمل الخير لمصر

لعل شعار الحزب وهو “نحمل الخير لمصر” الذي دشنه في “اللوجو” الخاص به يحمل في طياته الكثير والكثير من مبادئ وأهداف الحزب التي يحملها أعضاؤه و المنتمون إليه.

لقد عمد الحزب من خلال أدائه في الفترة القصيرة في البرلمان أو مجلس الشورى, فضلا عن أداء المنتسبين إليه الذين فازوا في انتخابات النقابات العمالية والمهنية والاتحادات الطلابية إلى تقديم كل ما هو في صالح الوطن مغلباً المصلحة العامة على المصلحة الخاصة والشخصية, و لعل دعوات التشارك التي أطلقها الحزب للأحزاب السياسية لتقديم الحلول معاً لكل المشكلات وحمل همّ قيادة البلاد معاً أفضل ما يعبر عن التطبيق العملي لشعار الحزب.

وحرص الحزب على توليةِ كل نظيفِ اليدِ ماهرٍ خبير في مجاله دون محاباة أو مجاملات.

كما حاول الحزب من خلال نوابه محاربة الفساد بكل ما يمتلك من أدوات كتطبيق عملى لشعار “نحمل الخير لمصر”

حزب عملاق

الناظر الى تجربة حزب الحرية والعدالة يجدها تجربة ثرية جداً فالحزب الذى ولد بعد الثورة استطاع ان ينجز نتائج انتخابية أفضل من اى حزب اخر منافس؛ جديد أو قديم .

ففى يوم الاثنين (28 من نوفمبر 2011م)، كانت مصر على موعد مع أول انتخابات نزيهة وشفافة فى تاريخها السياسى، ففى هذا اليوم فتحت مراكز الاقتراع فى (9) محافظات أبوابها لأول انتخابات برلمانية بعد ثورة 25 يناير.

وقد أعلنت اللجنة العليا للانتخابات يوم الجمعة (21 من يناير 2012م) النتائج النهائىة للانتخابات التشريعية التى استمرت 55 يومًا، شهدت مشاركة متميزة للشعب المصرى تحدى فيها كل الصعاب التى أرادت عرقلة مسيرته وانحيازه للخيار الديمقراطى.

وطبقًا للنتائج النهائية حصل حزب (الحرية والعدالة) ومعه التحالف الديمقراطي على 235 مقعدًا من إجمالى 498 مقعدًا محققًا نسبة 47.2% من إجمالى مقاعد البرلمان وهى موزعة كالآتى: 127 فى القوائم، و108 على المقاعد الفردية.

وفى يوم الأحد (29 من يناير 2012م) بدأت انتخابات المرحلة الأولى لمجلس الشورى فى (15) دائرة انتخابية موزعة على (13) محافظة، خاضها الحزب بـ(87) مرشحًا للمنافسة على (90) مقعدًا لهذه المرحلة.

وقد أعلنت اللجنة القضائية العليا المشرفة على الانتخابات النتائج النهائية لانتخابات مجلس الشورى، والتى أسفرت عن حصول حزب الحرية والعدالة (التحالف الديمقراطي) على 106 مقاعد من إجمالى 180 مقعدًا المخصصة لمجلس الشورى بنسبة 59% من بينهم 50 مرشحًا على المقاعد الفردية، و56 فى القوائم، وقد حصل الحزب على عدد أصوات بنسبة 45% من القوائم الحزبية.

أما عن أول انتخابات رئاسية مصرية بعد الثورة والتي أجريت في مايو 2012 فقد أقيمت الجولة الأولى من الإنتخابات يومي 23 و24 مايو من عام 2012، وأقيمت الجولة الثانية يومي 16 و17 يونيو.

وأسفرت جولة الإعادة في الانتخابات عن فوز مرشح حزب الحرية والعدالة د. محمد مرسي بنسبة 51.73% على منافسه السياسي مرشح الدولة العميقة واللمجلس العسكري؛ أحمد شفيق الحاصل على نسبة 48.27%.

وبهذا يكون الحزب قد فاز بالاستحقاقات الانتخابية كلها ما فيها الاستفتاء على التعديل الدستورى الذى أيده الحزب.

برلمان المائة يوم

منذ انتخاب نواب البرلمان فى يناير وحتى مايو 2012م، قبل قرار المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب، قام المجلس المنتخب ذو الأكثرية التابعة لحزب الحرية والعدالة بنشاطات وإنجازات كبيرة فى مجالات: استحقاقات الثورة، النشاط السياسى، النشاط التشريعى، النشاط الرقابى، نشاط اللجان النوعية.

فقد عقد المجلس خلال تلك الفترة (83) جلسة عامة، فضلا عن الجلسة الطارئة التى عُقدت لمناقشة أحداث استاد بورسعيد، استغرقت (228) ساعة، و(3) اجتماعات مشتركة لأعضاء مجلسي الشعب والشورى من غير المعينين لانتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية، وعقدت اللجان النوعية والمشتركة (917) اجتماعًا، استغرقت (2062) ساعة، وبلغ مجموع تقارير اللجان (523) تقريرًا، وتم إعداد (132) مذكرة بموضوعات مختلفة.

مواجهة الانقلاب

عقب الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب الذي تم في يوليو 2013، أعلن الحزب وأعضاؤه انحيازهم الكامل للشرعية، رافضين التماهي مع الانقلابيين الذين كانوا يتطلعون إلى استمرار الحزب في ركاب الأمر الواقع، وقد طلب الانقلابيون من عدد من قيادات الحزب الاستمرار في المشهد السياسي، ومنهم رئيس الحزب الدكتور محمد سعد الكتاتني، والدكتور عمرو دراج، ود. باسم عودة، إلا أن الحزب بقياداته وقواعده أعلن رأيه الحاسم بأنه لا تعاون مع الانقلاب، ولا تنازل عن الشرعية، ولا تراجع عن التداول السلمي للسلطة عبر إرادة الشعب لا فوق الدبابات.

ودشن الحزب مع أحزاب إسلامية أخرى “التحالف الوطنى لدعم الشرعية ومناهضة الانقلاب” وهو التحالف الذي ظل يقود التظاهرات والفاعليات الرافضة للانقلاب منذ يوليو 2013 وحتى الآن .

الحل على الورق..والثبات على المباديء

في مثل يوم أمس؛ 9 أغسطس من عامين؛ قررت المحكمة الإدارية العليا بأمر العسكر أن تنحاز للانقلاب على الشرعية، وتقضي بحل أكبر حزب مصري “حقيقي” أنشئ بعد ثورة 25 يناير .

حيث سارعت المحكمة بتحديد جلسة عاجلة ودون إخطار لذوي الشأن؛ الممثل القانونى للحزب، ضاربين عرض الحائط بكل القواعد الإجرائية والنصوص القانونية والسوابق القضائية، وتعجلت فى نظر الدعوى وإنهائها على وجه السرعة خلال أقل من 20 يوما، وأحيلت الدعوى إلى المحكمة اﻹدارية العليا بتاريخ 13/7/2014، فانعقدت دائرة شئون اﻷحزاب فى اليوم نفسه, وقامت بتحديد أول جلسة للمرافعة 19/7/2014 ولم تخطر الممثلين القانونيين للحزب، وقامت بالتأجيل 3 أيام  للاطلاع ثم “مد أجل” لتقديم المستندات, ثم “مد أجل” للمرافعة ثم حجز الدعوى للحكم بجلسة 9/8/2014 فى سابقة ﻻ عهد للمحاكم بها!

عشرون يوما فقط لتصدر المحكمة حكمها بحل حزب اﻷغلبية الذى فاز فى كل الاستحقاقات والانتخابات، بداية من مجلس الشعب ثم مجلس الشورى ثم رئاسة الجمهورية.

لكن الحزب وقياداته ظلوا صامدين حتى اليوم؛ فنطالع أمس بياناً رسمياً من الحزب أكد فيه أن أعضاءه وكل من آمن بمبادئه، الذين لبوا نداء الثورة، ورفعوا شعارها “عيش حرية عدالة إجتماعية كرامة إنسانية”، وبذلوا كتفا إلى كتف مع أبناء الشعب المصري، “لا زالوا يبذلون الغالي والنفيس، رخيصا، في سبيل رفعة الوطن وحريته وضمان حياة كريمة لمصر وشعبها الكريم”.

وجدد الحزب في بيانه الذي اصدره بمناسبة ذكرى حله “العهد أمام الله وأمام الشعب المصري على استكمال مسيرته النضالية، وكفاحه السلمي، لإسقاط الانقلاب العسكري الغاشم”، داعيا “كل القوى الثورية والوطنية إلى الاصطفاف الوطني وإعلاء مصلحة مصر العليا فوق أي مصالح حزبية”.

مضيفا أنه “لن ينسى دماء شهداء الثورة المصرية، وفي القلب منهم شهداء قادة الحزب وأعضاء مكتبه التنفيذي وهيئته العليا”، مؤكدا أن هذه الدماء “ستظل منارة تضيء طريق الحرية ودروب الأحرار، كما ستظل لعنة تطارد الانقلابيين وأتباعهم”.

وجدد الحزب عهده لأسر وأهالي الشهداء، بمواصلة النضال من أجل القصاص الناجز من قتلة الشهداء، و”يحيّى أيضا الصمود الأسطوري لكل الأحرار من أبناء شعب مصر الثائرين في ميادين العزة والكرامة وخلف الأسوار، وللرئيس محمد مرسي وأعضاء المكتب التنفيذي للحزب وهيئته العليا وجمعيته التأسيسية”.

فرسان الميدان ..قيادات الحزب

لعل السمة الأبرز فيمن تولى مسئولية القيادة في الحزب بعد انشائه هم هؤلاء الرجال الأشداء الذين تولوا في يوم من الأيام مسئولية ميدان الثورة؛ ميدان التحرير بعد 25 يناير .

لاشك أن د. محمد مرسي، والدكتور الكتاتني، والدكتور محمد البلتاجي، والدكتور عصام العريان ، والدكتور أسامة ياسين والأستاذ حسين إبراهيم وغيرهم كانوا ضمن فرسان ميدان التحرير البارزين الذين استطاعوا إدارة الاعتصام بجدارة ومواجهة مؤامرات فلول مبارك لإجهاض الثورة وتفريق الثورة من الميدان .

هولاء هم من ألهبوا مشاعر الجماهير من على المنصات في التحرير حتى تدفقت الملايين للمشاركة في الثورة والمطالبة برحيل نظام مبارك.

لقد كان هؤلاء وغيرهم القادة في الحزب بعد إنشائه، فقد حرص الحزب أن يقدم للمجتمع المصري وللحياة السياسية المصرية قادة الميدان وفرسانه كقادة للحزب الذى خرج من رحم الثورة .

نجاح يولد الأعداء

لعل نجاح الحزب في جميع الاستحقاقات التي خاضها جعل منه عدواً لدوداً لأغلب المنافسين غير الشرفاء في الحياة السياسية المصرية حتى وجدنا من يهرع إلى العسكر داعيا إياهم للانقلاب على التجربة الديمقراطية التي برع فيها الحزب, لإبعاده وأعضائه من الحياة السياسية بمصر ولم يكن العسكر بحاجة إلى دعوة من هؤلاء فالرغبة والتدبير موجودان عندهم من الأصل, الأمر الذي كانت ثمرته المشئومة؛ الانقلاب العسكري في يوليو 2013

هذا الكره والحقد للحزب الناجح العملاق الذى لم يستطع حزب آخر إلى الآن ان يملأ فراغه لم يقتصر على الانقلاب العسكري بل امتد ليصل إلى قرار المحكمة المعيب بحل الحزب دون سند قانوني واضح طبقاً لأقوال وشهادات رجال وخبراء القانون.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …