يبدو أن محاولات القيادة السياسية في مصر لإقناع المؤسسة العسكرية، طرح عدد من الشركات التي تملكها للبيع، لتحريك المشهد الاقتصادي وحل الأزمة الاقتصادية، قد نجحت، إلا أن المشهد لا يزال ضبابيا حول التفاصيل.
فالثلاثاء الماضي، أعلن “عبدالفتاح السيسي”، خلال لقاء مع رئيس الحكومة “مصطفى مدبولي” وقيادات بالجيش، طرح شركات تابعة للقوات المسلحة في البورصة المحلية، وتوسيع قاعدة ملكيتها، وجذب استثمارات القطاع الخاص.
وحسب بيان رئاسة الجمهورية، الذي لم ينفصل عن سلسلة تصريحات المسؤولين بهذا الشأن منذ عدة سنوات، استعرض الاجتماع الموقف من طرح الشركات التابعة لجهاز الخدمة الوطنية للتداول في البورصة، خاصة الشركة الوطنية للبترول وشركة “صافي”.
وأثار دور الجيش المصري في الاقتصاد جدلاً كبيراً خلال السنوات الماضية، وإعلان “السيسي” أعاد تسليط الضوء على هذا الملف، وأثار تساؤلات حول المدى الذي يمكن أن يُسهم به هذا القرار في حل الأزمة الاقتصادية بالبلاد؟، وكيف سينعكس ذلك على دور الجيش في اقتصاد البلاد؟.
يأتي ذلك في ظل تشكيك خبراء في قدرة “السيسي”، على كبح شهية المؤسسة العسكرية (الجيش) الاقتصادية، بعد أن أطلق لها العنان منذ وصوله إلى سدة الحكم.
وكان “السيسي” قال في أحد المؤتمرات العامة عام 2016، إن اقتصاد الجيش يمثل نحو 2% من الاقتصاد الوطني، مردفا: “نود أن يصل إلى 50%”.
يقول مراقبون، إن مصر تحولت في عهد “السيسي” من دولة بوليسية إلى دولة يسيطر عليها الجيش، مشيرين إلى أن الرئيس الراحل “حسني مبارك” (أطاحت به ثورة شعبية في 2011) أحاط نفسه بعد وصوله إلى السلطة بمستشارين عسكريين، قبل أن يبدأ بالتقرب من قطاع رجال الأعمال، ويقوم بلبرلة الاقتصاد، وهو ما لم يقم به السيسي حاليا.
وتشير تقارير غربية، إلى أن الجيش المصري يسيطر على قرابة 60% من حجم الاقتصاد المصري، خاصة مع إسناد مشروعات وصفقات حكومية إليه بالأمر المباشر، وتنفيذ مشروعات صناعية وسياحية من اختصاص وزارات أخرى.
فمخالب الجيش وصلت إلى كل قطاعات الحياة المصرية من الصيد والطعام والمشروبات والفولاذ والطاقة والإسمنت، ولم ينج الإعلام فقد سيطرت كيانات تابعة له على صحف وشبكات تلفزيونية وشركات إنتاج.
ولا تزال العديد من القطاعات تخضع لسيطرة الجيش آخذة في التزايد.
ويتمتع الجيش المصري بامتيازات هائلة؛ فهو لا يدفع ضرائب على الدخل والمبيعات والواردات من المواد الأولية والمنتجات والمعدات والخدمات، كذلك يستفيد من دعم الطاقة، وإعفاءات لنحو 600 عقار من الضرائب المفروضة على الممتلكات، وعمالة زهيدة عبر تشغيل المجندين الذين يؤدون الخدمة الإلزامية.
وفي 2019، صدر قانون ضريبة القيمة المضافة، مستثنياً القوات المسلحة وغيرها من المؤسسات الأمنية من دفع الضريبة المضافة، المقررة على السلع والمعدات والآلات والخدمات والمواد الخام اللازمة لأغراض التسلح والدفاع والأمن القومي، “ولوزارة الدفاع الحق في تقرير أي السلع والخدمات التي يسري عليها القانون”.
كل هذا دفع الملياردير المصري “نجيب ساويرس”، إلى انتقاد هذا التمييز علنا، وقال العام الماضي، إن المنافسة بين القطاعين الحكومي والخاص “غير عادلة منذ البداية”، مؤكدا أن الدولة يجب أن تكون “جهة تنظيمية وليست مالكة” للنشاط الاقتصادي.
وأغلب رجال الأعمال لا يمتلكون نفس النفوذ الخارجي والخارجي الذي يتوفر لدى “ساويرس”، لكي يجأروا بالشكوى مثله، رغم أنهم في الأغلب أشد معاناةً من المنافسة مع شركات الجيش.
ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، ونقص السيولة، واتجاه السلطات إلى بيع شركات حكومية وعرض اسمهما في البورصة، إلا أن قادة المؤسسة العسكرية ظلوا متمسكين عرض شركاتهم “هي آخر الحلول، وعقب نفاد كل الحلول الأخرى”، ما دفع الجانبان للدخول في مفاوضات استمرت عدة أشهر.
ولكن يبدو أن الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، قد وفرت إحساساً جديداً بضرورة التوصل لاتفاق، حيث أجبرت أزمة أوكرانيا البلاد على خفض قيمة عملتها عدة مرات، وبنسبة كبيرة، طلباً للدعم من صندوق النقد الدولي.
وتسعى القيادة السياسية المصرية إلى طرح مجموعة الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية في البورصة، في ظل اهتمام بالغ من جانب الصناديق الخليجية بهذه الفئة من الشركات.
ولكن يبدو أن حلحلة تمت في هذا الملف، بإعلان “السيسي” الأخير، طرح شركات الجيش في البورصة، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف المشهد.
فهذا الإعلان لم يختلف كثيرا عما صدر في ديسمبر 2020، عندما قالت وزيرة التخطيط حينها “هالة السعيد”، إنه تم اختيار شركتين تابعتين لجهاز الخدمة الوطنية، هما الشركة الوطنية لتعبئة المياه الطبيعية (صافي) وشركة الوطنية للبترول “وطنية”، لطرحهما أمام القطاع الخاص للاستثمار فيهما كمرحلة أولى قبل طرحهما بالبورصة.
والحديث عن تخلي الجيش عن شركات تابعة له، وطرحه للبورصة، يعود إلى 2018، ويأتي ضمن برنامج أكبر لإتاحة عدد غير محدد من شركات الدولة للقطاع الخاص للاستثمار فيها، من أجل توفير موارد دولارية من جهة، وتعزيز دور القطاع الخاص.
ورغم ذلك، فإن الإعلان الأخير لم يكشف عن أي جديد بخصوص خطط الدولة بشأن موعد طرح الشركتين، ولا النسبة التي سوف يتم طرحها في البورصة أو أمام المستثمرين، سوى تكرار تصريحات رئاسية وحكومية صدرت قبل سنوات منذ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على خطة إصلاح اقتصادي عام 2016، بشأن ضرورة المضي قدما في تلك الخطط.
وتملّص “السيسي” أكثر من ذكر الأسباب الكامنة خلف التأخير في طرح الشركات التابعة للجيش في البورصة، مكتفيًا بالقول إن “موضوع الطرح في البورصة له إجراءات كثيرة مش عايز اتكلم فيها”.
ويحلل الخبير بمركز “كارنيجي” للسلام “يزيد صايغ” هذا التراجع بالقول: “غالب الظن أن ترد في مقدّمة هذه الأسباب المشكلات التقنية والتحديات في السياسات المتعلقة بالكشف المالي، والربحية، والتنافس غير المتكافئ، وغموض الإطار القانوني”.
ويستطرد: “يُرجَّح أن السعي للتهرّب من هذه المقتضيات، هو الذي دفع السيسي إلى التحوّل نحو صندوق الثروة السيادية، لإدارة أصول الدولة التي يحوّلها الرئيس إليه وتسييلها”.
ويتيح ذلك طرقًا للالتفاف على المقتضيات القانونية والمالية الأكثر صعوبة التي يفرضها طرح الشركات العسكرية في البورصة المصرية، ما يسمح للدولة بالتعمية على الكشوفات المالية، أقلّه جزئيًا، والاحتفاظ بالسيطرة عمومًا، إن لم يكن بالملكية.
ولكن في كل مرة تلجأ فيها مصر إلى صندوق النقد الدولي، يكرر المسؤولون حديثهم بشأن طرح شركات حكومية وأخرى تابعة للجيش للاستثمار المباشر من دون ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات حقيقية على أرض الواقع، وفق مراقبين.
وفي يوليو 2021، أشار صندوق النقد لأول مرة إلى انخراط الشركات العسكرية في الاقتصاد المصري، في تلميح إلى وجوب وضعها ضمن الإطار الإصلاحي الواسع نفسه الذي اقترحه الصندوق للقطاع العام المدني والمؤسسات المملوكة من الدولة، إلا أن ذلك لم يحدث ضمن ترتيبات القرض الأخير.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات