تقرير (أولبرايت –هادلي) .. استراتيجية جديدة للشرق الأوسط (3)

رسالة من رئيسي مجموعة عمل استراتيجية الشرق الأوسط

يشهد الشرق الأوسط منذ قرن من الزمان انهيارًا للنظام السياسي، وصراعًا غير مسبوق على السلطة داخل وبين الدول، وصعودًا للعناصر المتطرفة التي تحصد حصيلة كبيرة من الخسائر الفادحة؛ ولكن في الوقت نفسه، تتطور أجزاء من المنطقة بسرعة كبيرة، حيث تسعى لتوفير فرص أفضل لشبابها، وتختبر القيام بأدوار أكثر فعالية في الشرق الأوسط والعالم.

وهذه التطورات، سواء كانت إيجابية أم سلبية، لها انعكاسات عميقة ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن أيضاً بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا وبقية العالم. وهذا هو السبب في أننا، تحت رعاية المجلس الأطلنطي، أسسنا مجموعة عمل استراتيجية الشرق الأوسط في فبراير 2015.

ويأخذ هذا التقرير خطوة إلى الوراء من النقاش السياسي الحالي، ويسعى إلى تجاوز النهج المشتعل لمشكلات المنطقة؛ ويسعى كذلك لفهم القوى المعقدة التي تُشكل الشرق الأوسط اليوم، واقتراح كيف يمكن للشركاء المحليين والإقليميين والدوليين العمل معاً على وضع المنطقة كلها – وليس فقط هذه البلدان المنخرطة في الحرب الأهلية- على مسار أكثر إيجابية على المدى الطويل.

 

هذا التقرير في جوهره، ليس حول وضع استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة، حتى لو كانت الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية والقدرة على إصلاح العلل التي تعاني منها المنطقة. فبدلاً من ذلك، يعد التقرير بمثابة محاولة لوضع استراتيجية للمنطقة، مستوحاة إلى حد كبير من المنطقة نفسها، ويجب أن تتولى حكومات وشعوب المنطقة زمام المبادرة في تنفيذ هذه الاستراتيجية إذا أريد لها النجاح. ولكن الولايات المتحدة وأصحاب المصالح الخارجيين يمكنهم المساعدة، ونحن نقدم اقتراحات عن كيفية تقديم أفضل دعم وتمكينهم من تسهيل جهودهم. ونحن نعتقد أن القيام بذلك يعد بمثابة مصلحة كبيرة للأمن القومي الأمريكي.

 

خمس مجموعات عمل متخصصة

ويختلف نهجنا في هذا المشروع عن الجهود الأخرى من هذا النوع، لقد أدركنا سريعاً أن التركيز الحصري على القضايا الأمنية لا يكفي، بينما ترتبط التحديات الأمنية في المنطقة ارتباطاً وثيقاً بالقضايا الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية. لذلك قمنا بتنظيم خمس مجموعات عمل متخصصة، تتألف من خبراء بارعين من المنطقة وخارجها، للنظر في القضايا العامة التي نراها أساسية لشرق أوسط أكثر سلاماً وازدهاراً، وهذه المجموعات هي:

    الأمن والنظام العام

    الدين والهوية، ومكافحة التطرف العنيف

    إعادة بناء المجتمعات: اللاجئين والتعافي والمصالحة

    الحكم وعلاقة الدولة بالمجتمع.

    التعافي والانتعاش الاقتصادي.

 

وقد نشرت كل مجموعة من مجموعات العمل الفرعية هذه، خلال عام 2016، ورقة تبين الاستنتاجات والتوصيات كما يراها مقرر مجموعة العمل. ويتأثر هذا التقرير، ولكن ليس على سبيل الحصر، بهذه الأوراق التي أعدها فريق العمل، وبسبب إيماننا القوي بأهمية الاستماع إلى الآراء من المنطقة، تأكدنا من تلقينا لمدخلات منظمة من مجموعة واسعة من الافراد في الشرق الأوسط. ومن وراء مجموعات العمل الخاصة بنا، كان لدينا فريق من كبار المستشارين القادمين من المنطقة ومن أوروبا والولايات المتحدة، وقد تشاورنا بشكل دوري مع سفراء المنطقة المقيمين في واشنطن، وكذلك مع حلفائنا الرئيسيين من الأوروبيين ومع أصدقائنا.

 

وقد شرعنا أيضاً في رحلة لتقصي الحقائق إلى المنطقة عام 2016، تضمنت زيارات إلى كل من تونس ومصر والأردن والسعودية، بالإضافة إلى زيارات لدول الإمارات العربية المتحدة، وإسرائيل والضفة الغربية والتي قام بها ستيف هادلي بمفرده، ثم عاد ستيف مرة أخرى إلى الشرق الأوسط في نهاية سبتمبر. وقد التقينا ليس فقط مع رؤساء الدول والوزراء وغيرهم من المسؤولين، ولكن أيضاً مع ممثلين من قطاع الأعمال والجماعات المدنية المحلية والطلاب والشباب، لضمان الاستماع إلى مجموعة واسعة من وجهات النظر.

 

وفي حين أن مضمون واستنتاجات هذا التقرير التي اُعلن عنها تمت إلى حد كبير من خلال عملية تعاونية، إلا أننا لا نسعى لجعله وثيقة إجماع. وإنها لا تمثل بالضرورة وجهات نظر مستشارينا الكبار أو مقرري فرق عملنا أو أعضائها، أو أي من المسؤولين أو المنظمات أو الأفراد الذين استشرناهم على طول طريق البحث.

 

وبدلاً من ذلك يمثل هذا التقرير أفضل أحكامنا كرئيسين مشاركيْن. ونعتقد نحن أنه يُجْمل نهجاً بناءاً ومدروساً، وقبل كل ذلك، موجهاً نحو إيجاد حلول لهذه المنطقة التي نرى أنها حيوية للمصالح الأمريكية وللأمن العالمي وللرخاء البشري؛ ونحن نعي أن كثيراً مما نقول سوف يكون مثيراً للجدل بالنسبة لكثير من الجمهور الأمريكي. لكننا نعتقد أن التواصل مع المنطقة يسمح لنا بجلب معلومات جديدة، ومقاربة جديدة للمناقشة العامة حول الشرق الأوسط، التي أصبحت ضيقة وراسخة على حدٍ سواء، ونحن نأمل في أن النهج التعاوني الذي أكدنا عليه خلال هذا المشروع يمكن أن يكون بمثابة نموذج لحل المشكلة المستقبلية التي تتضمن قضايا معقدة على نحو مماثل.

 

وقبل كل شيء، نحن نقدم استنتاجاتنا بتواضع شديد، فالقضايا التي تواجهها المنطقة هي من بعض أكثر القضايا التي شهدناها تحدياً وصعوبة، في أي وقت مضى في مسيرتنا المهنية، وقد استغرقت مجموعات العمل الفرعية وقتاً أطول مما تصورنا، وذلك بسبب التغيرات الدراماتيكية في المنطقة خلال مسار عملنا. وكون الاستراتيجية التي نعدها صعبة، سوف تتطلب أيضاً إلتزاماً مستمراً من جانب الولايات المتحدة والشركاء الدوليين الآخرين عبر خطوط الزمن والإدارات والأحزاب؛ ونحن نعلم أن هذا سيكون أمراً صعباً في حد ذاته في الولايات المتحدة، فلقد تعب الأمريكيون من الحروب في الشرق الأوسط، التي على ما يبدو أنها لا نهاية لها، ولكننا نعتقد أن النهج الذي نحدده سوف يجعل الشرق الأوسط أكثر استقراراً في نهاية المطاف، ونتيجة لذلك، سوف يجعل الولايات المتحدة – والعالم – أكثر أماناً.

 

الوضع في الشرق الأوسط صعبٌ ولكن التقدم ضروري وممكن. ونحن نأمل أن تكون فرق العمل هذه بمثابة الخطوة الأولى نحو تحسين التعاون الدولي مع شعوب المنطقة لتحقيق إمكاناتهم المذهلة.

 

عناصر الاستراتيجية

الهدف: تتطلب أي استراتيجية بيانا واضحا للهدف المراد تحقيقه، وبناءً على تحليلاتنا ومشاوراتنا، نعتقد أن هذا الهدف هو:

البدء في تغيير المسار الحالي لمنطقة الشرق الأوسط ككل، حتى تستطيع المنطقة، بمرور الوقت، أن تتجه نحو نظام أكثر استقراراً وسلماً لدول ذات سيادة، وإن مثل هذا الأمر يتطلب:

  • توجيه شعوب المنطقة نحو استشراف مستقبل مستقر ومزدهر وآمن من كل العنف الإرهابي والقمع الحكومي.
  • توفير حكم شامل وشفاف وفعال وغير فاسد، ويُمكن مساءلته حيث يُعامل الناس بشكل عادل, ويستثمر في تعليمهم وصحتهم، ويحقق لهم الرخاء الاقتصادي.
  • تقوية وتمكين المواطنين في المنطقة للمشاركة بشكل كامل في بناء مستقبل أوطانهم.
  • لعب دور بناء في نظام دولي ليبرالي حيوي وعصري.

 

النهج العام

يتطلب تحقيق هذا الهدف استراتيجية تتفق مع “المبادئ التوجيهية” المنصوص عليها في الفصل الثالث، حيث يجب أن تكون استراتيجية موضوعة من قِبل المنطقة وللمنطقة، والتي نتصور ألا تشمل فقط الدول وقياداتها، ولكن أيضاً، وذلك الأهم، شعوبها؛ ويجب ألا تمثل مجرد سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة، بل يجب أن تشمل أصحاب المصالح الخارجيين الآخرين كذلك.

 

وما نقترحه هو “النهج الاستراتيجي الجديد” لكيفية ارتباط العالم بالشرق الأوسط، فمنذ عهد الاستعمار الأوروبي، لعبت القوى الخارجية دوراً كبيراً في تشكيل الأحداث في المنطقة، إلا أن هذا النهج لم يعد صالحاً في عصر الدول ذات السيادة والمواطنين الإيجابيين. وبذلك يتطلب نهج استراتيجي جديد يغير بدوره النهج القديم تماماً:

 

تحتاج المنطقة إلى تحمل مسؤولية رسم مستقبلها، على الرغم من أنها لا تزال بحاجة إلى مساعدة من الأطراف الخارجية، للتغلب على العديد من التحديات التي تواجهها.

تحتاج المنطقة من القوى الخارجية أن تلعب دوراً مختلفاً تماماً عن ذي قبل، وهو ليس بدور الاستعماري المتسيد، ولا الغازي ولا الشرطي، ولكن دور المحفز والميسر في مساعدة شعوب المنطقة على بناء نظام إقليمي جديد.

وسيتطلب هذا المجهود أيضاً جهداً جامعاً للمنطقة، ففي السنوات الأخيرة، بلغ عددٌ من الأطراف الفاعلة مستويات جديدة من العلاقة في الشرق الأوسط بجانب الدولة، ويشمل ذلك الشركات الخاصة، والحكومات المحلية والجماعات المدنية والمنظمات الخيرية ورواد الأعمال التجارية والاجتماعية، وبطبيعة الحال المواطنين المنخرطين في شئون أوطانهم، وتحث الاستراتيجية على خدمة كل هذه الجهات، وليس الحكومات فقط، وذلك كجزء من هذا الجهد.

 

وتعتبر الاستراتيجية المبينة بالأدنى في نهاية المطاف رهانًا على شعوب المنطقة، وهي تشمل الأطراف الفاعلة الجديدة، وهي تراهن كذلك على أن المواطنين المُمكنين والمترابطين، والذين يستطيعون على المدى الطويل بناء مجتمعات أفضل، وبالتالي منطقة شرق أوسط أفضل؛ وهي تسعى إلى تهيئة الظروف التي يمكن أن تطلق هذه الإمكانات البشرية الهائلة، والتي لا تقتصر على النخب في هذه المجتمعات، ولكن تتدفق عبر جميع الطبقات الاجتماعية.

 

الاستراتيجية

تنتهج الاستراتيجية “جهداً ذا شقين” حيث تتألف من تدابير من أعلى إلى أسفل لمعالجة القضايا الأمنية المباشرة، بجانب خطوات من أسفل إلى أعلى؛ تشرك وتطور رأس المال البشري في المنطقة، ويجب متابعة كلا من شقي الاستراتيجية في آنٍ واحد، وليس بالترتيب؛ وسوف يقدم إطلاق الإمكانات البشرية الكاملة للمواطنين في المنطقة (الشق الثاني) في نهاية المطاف الحل لكثير من التحديات في المنطقة، وهذه هي مهمة طويلة الأجل من شأنها أن تستغرق سنوات لتؤتي ثمارها، لذلك يجب أن تبدأ على الفور، ولكن لأنها لا يمكن أن تتطور بشكل كامل دون الأمان الكافي، يجب أن تبدأ الجهود الرامية إلى إنهاء الصراعات الحالية (الشق الأول) على الفور، وكذلك يجب تنفيذ الشقين بالتوازي.

 

الشق الأول

المعالجة من أعلى إلى أسفل، وذلك بمشاركة فعلية من القوى الخارجية، للتحديات الجيوسياسية العاجلة للسلام الإقليمي، وذلك على المدى القريب إلى المتوسط. وهذا يعني:

  • احتواء انتشار الصراعات الحالية، في الوقت الذي يتم فيه معالجة الأزمة الإنسانية الكبيرة، التي يواجهها اللاجئون والأشخاص النازحون داخلياً، وكذلك الدول المجاورة التي تستضيفهم.
  • البدء في الحد من الحروب الأهلية والإرهاب والطائفية العنيفة، التي تجتاح المنطقة، مع زيادة استقرار المنطقة بمرور الوقت.

 

ويهدف هذا الشق للحد من العنف في المنطقة بمرور الوقت إلى الحد الذي لا يعد الأمن فيه هو الشغل الشاغل، وحتى يمكن للجهود المبذولة من أسفل إلى أعلى لتطوير التعليم والمجتمعات والاقتصادات والحكم (الشق الثاني) أن تتطور وتنتشر. ولتحقيق هذه النتيجة، فإن التحدي الأساسي هو الحد من الحروب الأهلية التي كان لها هذه التأثيرات المزعزعة لاستقرار المنطقة.

 

الأولويات الأكثر إلحاحًا

ويجب أن تكون الأولويات الأكثر إلحاحاً:

1) تخفيف المعاناة الإنسانية الحالية في سوريا

2) استرداد الأراضي التي تسيطر عليها داعش الآن في العراق وسوريا. ولا يعتبر تنظيم داعش بمثابة التهديد الأكثر خطورة بالنسبة للولايات المتحدة وحدها فقط، ولكنه يمثل أيضاً الآن تهديداً مشتركاً لكل القوى الإقليمية الكبرى وروسيا وأوروبا وما حولهم، مما يزيد من احتمالية قدرتهم على إيجاد أرضية مشتركة. ويتطلب تنفيذ الشق الأول جهداً أكبر بقيادة الولايات المتحدة، وذلك لحماية المدنيين السوريين من نظام الأسد، ولهزيمة داعش والقاعدة في كل من سوريا والعراق. وهذه التدابير، التي تم وصفها بمزيد من التفصيل في الفصل الخامس، سوف تجمع وتطمئن أصدقاء وحلفاء أمريكا بشأن التزامها نحوهم ونحو المنطقة, وسترسل رسالة واضحة إلى روسيا وإيران، تفيد بعودة أمريكا إلى اللعبة، وبأنهما ليس لديهما طريق للنصر في سوريا أو العراق. ويمثل تغير الحقائق على الأرض بهذه الطريقة ضغطاً على الولايات المتحدة للعمل مع جميع الفاعلين الداخليين والخارجيين (بما في ذلك روسيا وإيران)، في محاولة لإنهاء الحروب الأهلية في هذين البلدين. ويمكن تحقيق ذلك من دون التزام أساسي من القوات البرية الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، تحتاج الولايات المتحدة وشركاؤها إلى العمل معاً لمواجهة الحروب الأهلية الأخرى في المنطقة، واتخاذ خطوات ملموسة لردع واحتواء السلوك العدواني من جانب إيران، بينما لا يزالون يبحثون عن فرص للقيام بذلك. وسيؤدي القيام بذلك إلى البدء في تخفيف حدة التوترات الطائفية في المنطقة. وعلى المدى الطويل، يمكن لإطار إقليمي، كما هو موضح لاحقاً في هذا التقرير، أن يزيد الهدوء والاستقرار في المنطقة من خلال المساعدة في (ورعاية) قيام تعاون أكبر في جميع أنحاء المنطقة بشأن التحديات الرئيسية، وإضفاء الطابع المؤسسي على معايير معينة للسلوك بين الدول وداخلها.

 

ترجمة مركز إدراك للدراسات والاستشارات

للاطلاع على التقرير الكامل اضغط على هذا الرابط: أضغط هنا

 

 

شاهد أيضاً

4 سيناريوهات لمصير “فالكون نخنوخ” وشركات الحراسات بعدما تحولت لصناعة أمنية ضخمة

رصد تقرير لموقع “الاستقلال” أربعة سيناريوهات محتملة فيما يخص مستقبل شركة صبري نخنوخ، “فالكون” بعدما …