تواصل سلطات أمن الانقلاب العسكري في مصر حملات الاعتقال في صفوف المعارضين لها، طالت عددا من النشطاء السياسيين المعارضين لاتفاقية إعادة تعيين الحدود بين مصر والسعودية، المعروفة باتفاقية «تيران وصنافير»، لتطال أكثر من مائة شخص في 15 محافظة.
وبينما بدأت النيابات المصرية تحقيقاتها مع المقبوض عليهم، وأمرت بحبس البعض، تتباطأ أجهزة الأمن في الإفراج عمن منحتهم النيابات قرارات إخلاء سبيل على ذمم القضايا، فقد أصدرت النيابات قرارات بإخلاء سبيل 37 شخصا، معظمهم في القاهرة، كما أصدرت قرارات بحبس 75 آخرين.
موجة الاعتقالات الأخيرة تطرح تساؤلات تدور في أذهان المعارضة المصرية، عن مدى قدرة النشطاء في اتخاذ هذه الاحتجاجات “كرة ثلج” لإحداث حراك قوي في الشارع المصري، ربما يتحول شيئا فشيئا إلى موجة ثورية يلتف حولها ويرعاها الشعب للإطاحة برأس الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي.
في المقابل تحركت سلطات أمن الانقلاب، لمواجهة المظاهرات بردة فعل عنيفة تحمل في دلالة واضحة على خشية سلطات أمن الانقلاب من تحولها إلى لحظة اصطفاف جديدة بين القوى الوطنية ضد الاستبداد العسكري.
ويمكن القول، إن الحراك الحادث، ورغم محدوديته، مقارنة بـ«مليونيات يناير»، أو اعتصامي «رابعة والنهضة»، أو حتى مظاهرات 30 يونيو يشكل صداعا للنظام الحاكم، وقد يتسع نطاقه في ظل تدهور حاد في الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وصولا إلى موجة ثورية جديدة، قد تنطلق على يد الفئات المهمشة والطبقات الفقيرة، التي أرهقها بشدة قرار تعويم العملة المحلية ما سبب انهيارا حادا في قيمة الجنيه.
فعلى وقع دعوات النزول للتظاهر في «جمعة الأرض»، عقب صلاة الجمعة، للاحتجاج على موافقة البرلمان على اتفاقية «تيران وصنافير»، شهدت القاهرة تواجدا أمنيا مكثفا، ودفعت وزارة الداخلية بالعشرات من عربات الأمن المركزي ومدرعات الشرطة لحصار ميدان التحرير، وسط القاهرة, وأغلقت محطة مترو الأنفاق المعروفة باسم «السادات»، المؤدية للميدان.
وبلغ الهوس الأمني، إلى تدخل وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، لوقف الشيخ محمد قاعود، إمام وخطيب مسجد عمرو بن العاص عن الخطابة، بعد تأكيده مصرية جزيرتي تيران وصنافير.
وأوقفت السلطات الجمعة، طباعة صحيفة «الصباح» لدفاعها عن مصرية الجزيرتين.
وتداول نشطاء، الصفحة الأولى للصحيفة الممنوعة من الطباعة، وظهر فيها مشهد من فيلم «الأرض»، يتقدمه الفنان الراحل «محمود المليجي» بزيه الفلاحي، وقد كتب بجواره كلمة «مصرية».
سبق ذلك قرصنة أمنية استهدفت قرابة 62 موقعا إخباريا في مصر، تم حجبها داخل البلاد، دون مبرر واضح أو حكم قضائي، فيما قالت تقارير حقوقية إن الحجب للتعتيم على صفقة بيع الجزيرتين للسعودية.
وكانت جماعة الإخوان، وأحزاب المعارضة وجهت دعوة، للمواطنين للتظاهر في ميادين القاهرة والمحافظات؛ للاحتجاج على موافقة البرلمان على اتفاقية «تيران وصنافير».
تحجيم الاحتجاجات
لكن المراقب لمشهد الاحتجاجات يجد أن حجمها دون المستوى، لاسيما عند النظر إلى أن أغلب كوادر القوى السياسية البارزة على الساحة، خلف القضبان، أو يتعرضون لملاحقات مستمرة، فضلا عن لجوء العديد منهم للإقامة في الخارج.
ويقبع أكثر من 60 ألفًا من رافضي الانقلاب العسكري في السجون منذ انقلاب المؤسسة العسكرية على الرئيس المدني الأول في مصر؛ محمد مرسي في 3 يوليو 2013.
صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية اعتبرت اتفاقية «تيران وصنافير» فتيل احتجاجات “نادرة” في مصر، وفق تعبير الصحيفة، حيث اتهم معارضون، ومؤيدون سابقون للسيسي، اتهموا الأخير ببيع الجزيرتين للسعودية، مطالبين بمحاكمته وإعدامه، بتهمة الخيانة والتفريط في أرض الوطن، وهي الإشارة الأولى من نوعها، التي تصدر ممن كانوا في السابق من مؤيدي الانقلاب وداعميه.
وتنص المادة 77 من قانون العقوبات المصري على أن: «يعاقب بالإعدام كل من ارتكب عمدا فعلا يؤدي إلى المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها».
المحامي الحقوقي «خالد علي»، أحد من شاركوا في رفع دعوى بطلان اتفاقية الجزيرتين، قال إن «السيسى سيقوم بتسليم الجزيرتين، ويرتكب هذا الفعل الذي أعتبره خيانة في حق الوطن وتنازلاً عن أراضي الدولة، وهو يلقي المسؤولية على البرلمان؛ حتى يستتر خلف موافقته ويقول: لست وحدي من وافق».
ويؤكد «علي»، أن «الغضب الشعبي هو الشيء الوحيد الذي يوقف التنازل عنها»، مضيفا أن «السيناريوهات المتوقعة، مرتبطة بالشارع وبالناس».
وقال المحامي طارق العوضي، في تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك: إن «التصويت على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير في البرلمان جريمة متكاملة الأركان، وخيانة عظمى تستوجب الإعدام»، على حد تعبيره.
دلالات جديرة بالدراسة
ووفقا لدراسة مسحية حديثة أجراها مركز «بصيرة» المصري، يقر 11% فقط من المصريين أن «تيران وصنافير» تابعتين للسعودية، ويقول 47 % من المشاركين إنهما مصريتان، في حين يذكر 42% أنهم ليسوا متأكدين من الأمر.
يؤخذ في الاعتبار، ما تم تداوله، عن قيام السلطات بممارسة ضغوط كبيرة، وإجراءات عقابية، ضد قيادات عسكرية وسيطة، وضباط رافضين للاتفاقية التي تم توقيعها العام الماضي في القاهرة بحضور الملك سلمان بن عبد العزيز.
ويثير تمرير الاتفاقية على عجل، وفي أقل من 48 ساعة تحت قبة البرلمان، غضب الأوساط القضائية، ففي حكم نهائي، قضت المحكمة الإدارية العليا (أعلى محكمة للطعون في البلاد)، في 16 يناير الماضي، ببطلان الاتفاقية، واستمرار الجزيرتين تحت السيادة المصرية، وهو الحكم الذي قال عنه قانونيون إنه أعفى البرلمان من مناقشة الاتفاقية لأنه جعلها كأن لم تكن، لكن رئيس البرلمان علي عبدالعال، ضرب بعرض الحائط حكم القضاء، قائلا إن «الأحكام القضائية لا تخص إلا القضاء وأي حكم صدر هو والعدم سواء، ومجلس النواب مستقل ولا حجية لحكم مع مجلس النواب».
إذن تتوافر معطيات جدية، حراك ولو محدود على أرضية وطنية وسياسية قد يتسع لاحقا، وغضب شعبي واسع جراء الغلاء وارتفاع الأسعار وفشل سياسات السيسي الاقتصادية، واحتقان في أوساط المؤسسة العسكرية، وشعور بالإهانة لدى منصة القضاء، بالإضافة إلى غضب مكتوم داخل الصف القبطي جراء تكرار استهدافهم، وفشل أمني ذريع في عدة ملفات، وهي معطيات يمكن أن تترجم إلى فعل ثوري حاشد يحدث حراكا في المشهد، لكن بشروط.
فالآمال فقط لا تكفي.
المعطيات، ما زالت في حاجة إلى لحظة اصطفاف حقيقية، وانتفاضة شعبية قد تتحرك ليس من أجل «تيران وصنافير» فحسب، بل بحثا عن لقمة العيش، فيما يعرف بثورة جياع، ومليونيات حاشدة، وقتها يمكن أن تتغير الموازين بل وتنقلب على حسابات المؤسسة العسكرية والقوى الإقليمية والدولية الداعمة لسلطة الانقلاب العسكري.
أعداد المعتقلين في محافظات مصر
وقد رصدت تقارير صحفية أعداد المعتقلين في عدد من محافظات مصر، ففي الإسكندرية، ارتفع عدد المعتقلين إلى 17 شخصاً. وأمرت النيابة بحبس شخصين لمدة 15 يوماً بتهمة «الانضمام لكيان إرهابي والترويج لأفكاره عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي ».
وقررت النيابة حبس 6 أشخاص لمدة 4 أيام, ووجهت لهم النيابة تهم الاشتراك في تجمهر، والتظاهر دون ترخيص.
كما اعتقل ثلاثة بإيعاز من النيابة، بتهم تتعلق بالتظاهر دون ترخيص، والاشتراك في التجمهر وتعطيل المواصلات العامة والخاصة. واحتجز أيضاً 5 أشخاص لحين ورود التحقيقات، متهمين بالانضمام لجماعة محظورة والتجمهر والتظاهر وقطع الطريق.
وأوقفت أجهزة الأمن خمسة أشخاص، من أمام مسجد القائد إبراهيم في الإسكندرية.
وفي محافظة الغربية، ارتفع عدد المقبوض عليهم إلى 8 أشخاص، وأمرت النيابة بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيقات, وفي محافظة كفر الشيخ، قررت النيابة حبس 8 أشخاص 15 يوما على ذمة التحقيقات، ووجهت لهم تهم «نشر أخبار كاذبة، والتحريض على التظاهر وتوزيع منشورات».
وقررت نيابة السويس حبس 7 أشخاص لمدة 15 يوما، فيما ارتفع عدد المقبوض عليهم في محافظة البحيرة، إلى 5 أشخاص، وصدرت بحقهم قرارات بالحبس
وفي محافظة اسوان، اعتقل 4 أشخاص بأمر من النيابة، وفي محافظتي الإسماعيلية والأقصر، مثلهم. وفي محافظة دمياط، أمرت النيابة بحبس 3 أشخاص، فيما اعتقل 4 أشخاص في محافظة القليوبية، بتهمة «التحريض على التظاهر والانضمام لجماعة أسست بالمخالفة للقانون”.
وفي محافظة القاهرة، قررت النيابة حبس حمادة نوبي، عضو حزب «العيش والحرية» تحت التأسيس 15 يوما، بتهمة «الانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون، وإهانة رئيس الجمهورية ونشر أخبار كاذبة ».
كما أمرت النيابة بحبس سامح سعودي، بتهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية «اتحاد الجرابيع» أسست على خلاف احكام القانون، ونشر وإذاعة عمدا لأخبار وبيانات وإشاعات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام وإلقاء الرعب في نفوس المواطنين وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة، 15 يوما على ذمة التحقيقات.
وأمرت النيابة في المنوفية، بحبس شخصين، 15 يوما على ذمة التحقيقات.
وعلى هذه الشاكلة في محافظات أخرى.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات