عاد مضيق تيران، في الأسابيع الأخيرة، إلى مركز الاهتمام الإقليمي والدولي؛ وذلك بعد إعلان السعودية ومصر اقتراب اكتمال التخطيط لجسر ضخم يربط بين شمال غرب السعودية وشبه جزيرة سيناء المصرية
وتبلغ كلفة المشروع نحو 4 مليارات دولار، وتؤكد الرياض والقاهرة أن مرحلة التخطيط انتهت في يونيو 2025.
ونشر مركز “فيكير تورو” التركي مقالا للكاتب أورهان كارا أوغلو، ذكر فيه أن هذا الجسر، الذي يحمل اسم (جسر موسى)، لا يُنظر إليه كمشروع عمراني فحسب، بل كتحوّل جيوسياسي شامل قد يعيد رسم موازين القوى وشبكات الاتصال في الشرق الأوسط.
وبحسب موقع “الاستقلال” فإن “المشروع يستمد أهميته من طبيعة الموقع الذي سيُقام عليه، فمضيق تيران ليس ممرا مائيا عاديا؛ بل عقدة إستراتيجية شكّلت عبر التاريخ مصدرا لأزمات إقليمية كبرى“.
وأوضح أنه “المنفذ البحري الوحيد لإسرائيل عبر ميناء إيلات باتجاه البحر الأحمر ومنه إلى التجارة العالمية، كما أنه بوابة الأردن البحرية الوحيدة نحو المحيطات”.
ولفت إلى أن “المضيق لعب دورا حاسما في إشعال أزمة السويس عام 1956 حين أغلقته مصر أمام السفن الإسرائيلية، كما كان أحد الأسباب المباشرة لانطلاق حرب يونيو 1967 عندما كرّرت القاهرة الإغلاق وعدّت تل أبيب ذلك تهديدا وجوديا لا يمكن تجاوزه”.
وقال كارا أوغلو: إن “الجسر المخطط سيشكّل ممرا بريا بطول 32 كيلومترا؛ حيث يربط قارتي آسيا وإفريقيا مباشرة دون اللجوء إلى أي نقطة عبور داخل أراضٍ أخرى”.
وذكر أن “هذا الربط الجغرافي الجديد سيعزز ما تسعى إليه السعودية ضمن رؤية 2030؛ من إعادة صياغة دورها الإقليمي عبر الانتقال من كونها قوة تعتمد على النفط إلى قوة تعتمد على البنية التحتية والتجارة واللوجستيات”.
ومن هنا فإن المشروع لا يهدف فقط إلى تسهيل حركة السياحة أو الحج بين الخليج وسيناء، بل يطمح إلى إنشاء محور جديد للتجارة يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ثمّ المتوسط، ما يمنح الرياض مركزية في الشبكات التجارية العابرة للقارات.
وفي الجانب المصري، يمثل المشروع فرصة إستراتيجية؛ حيث يمكن أن يساعد هذا المشروع القاهرة على تجاوز أزمة الانخفاض الحاد في عائدات قناة السويس، التي تراجعت بنحو النصف بسبب التوترات الأمنية في البحر الأحمر وهجمات الحوثيين.
بينما يمنحها الجسر إمكانية تعزيز دورها كمعبر بري بين إفريقيا والخليج وأوروبا، وبصورة لا تتقاطع مع إسرائيل، ما يصبّ في مصلحة مصر في ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة التي تمر بها.
وأردف كارا أوغلو بأن “التطورات المرتبطة بمشروع جسر موسى تشير إلى تحوّل جيوسياسي قد يُعيد صياغة بيئة الأمن القومي الإسرائيلي بصورة عميقة”.
واستطرد: “فبينما تتعامل الرياض والقاهرة مع الجسر بوصفه رافعة اقتصادية ومشروع ربط عابر للقارات، تنظر إليه إسرائيل كعامل قد يؤثر مباشرة في موقعها الإستراتيجي في البحر الأحمر، وفي قدرتها على الحفاظ على دورها التقليدي في شبكات التجارة الإقليمية، وفي توازنات النفوذ التي اعتادت التحكم بها منذ عقود”.
وأوضح كارا أوغلو أن “أول الانعكاسات وأكثرها حساسية يتعلق بفضاء الملاحة في خليج العقبة، فميناء إيلات يمثل البوابة الوحيدة لإسرائيل نحو محيطات العالم بعيدا عن المتوسط، ما يجعل أي تغيير في البنية الملاحية للمنطقة مسألة أمن قومي“.
وبناء جسر ضخم قرب المضيق قد يفرض تحديات تتعلق بارتفاعه، وحجم الأعمدة، ومسارات الإبحار، واحتمال زيادة ازدحام الحركة البحرية.
لهذا تتمسك إسرائيل بضرورة وضع ضمانات هندسية صارمة تحول دون أي تقييد لحركة السفن التجارية أو العسكرية؛ إذ تخشى أن يتحول الجسر بمرور الوقت إلى نقطة ضغط سياسية قد تُستخدم في لحظات التوتر.
أما الانعكاس الثاني ينال الطموح الإسرائيلي طويل الأمد في تحويل إيلات إلى محور تجاري إقليمي، قادر على منافسة قناة السويس أو على الأقل تقديم مسار بديل يربط البحر الأحمر بالمتوسط عبر سكك الحديد والطرق البرية.
وتابع: “فقد سعت إسرائيل منذ سنوات إلى تطوير ما يشبه (طريق الحرير الإسرائيلي)، وهو مشروع كان من المفترض أن يجعلها عقدة أساسية في حركة البضائع بين آسيا وأوروبا”.
واستدرك: “لكن إنشاء جسر بري ضخم يربط السعودية مباشرة بمصر يعني عمليا نقل مركز الثقل اللوجستي إلى محور (الرياض – القاهرة)، وهو ما قد يهمّش الدور الذي تطمح إسرائيل أن تلعبه في التجارة العابرة للقارات، وبذلك يصبح الجسر منافسا مباشرا للرؤية الإسرائيلية لجعل البحر الأحمر نقطة نفوذ أساسية”.
أما الانعكاس الثالث فيتعلق بالمسار الاقتصادي للتطبيع مع دول الخليج. فقد كانت إسرائيل تعوّل على أن مشاريع الربط الإقليمي الكبرى، خاصة الممر الهندي-الأوروبي الذي أعلنته إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عام 2023، ستجعلها شريكا لا يمكن تجاوزه في البنية التحتية التجارية.
غير أن جسر موسى يقدم نموذجا مغايرا تماما؛ إذ يربط الخليج وإفريقيا وأوروبا “دون المرور بالأراضي الفلسطينية المحتلة“.
وبذلك يصبح الجسر تجسيدا لاحتمال قيام شبكة إقليمية واسعة تتجاوز إسرائيل بالكامل، خصوصا أن السعودية تربط مسألة التطبيع بوجود تقدم ملموس في قضية الدولة الفلسطينية، وهو ما تؤكده استطلاعات الرأي التي تظهر أن 81 بالمئة من السعوديين يعارضون التطبيع قبل تحقيق حقوق الفلسطينيين.
وفي حال تحقق هذا الاتجاه، ستفقد إسرائيل واحدة من أهم ركائزها في علاقاتها مع الخليج، موقعها بوصفها “الضرورة الجغرافية” لأي مشروع ربط تجاري دولي.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات