جيوبوليتيكال فيوشرز: الجيد والسييء والقبيح من نتائج التدخل الروسي في سوريا

في الأول من مايو عام 2003، حين كان الربيع يفسح المجال للصيف في سان دييجو، بكاليفورنيا، كانت الناقلة «يو إس إس أبراهام لينكولن» تتحرك في طريقها إلى مينائها الرئيسي في ولاية واشنطن.

وكانت الناقلة قد عادت لتوها من الخليج العربي، حيث ذهبت لدعم العمليات القتالية الأمريكية في العراق في ذلك الوقت. وبعد أقل من شهرين من بدء الأعمال العدائية، أعلن الرئيس – آنذاك – «جورج بوش» عن تلك العمليات. وفي خلفية خطابه الشهير، علق لافتة – سيئة السمعة الآن – تقرأ عليها «تم إنجاز المهمة», ولكن بعد 15 عاما، لا تزال القوات الأمريكية في العراق.

إن اللحظة التي أخبر فيها بوش العالم أن المهمة قد أنجزت, يجب تذكرها الآن بعد أن أعلن الرئيس الروسي بوتين أن تدخل روسيا في الحرب الاهلية السورية قد انتهى, وسرعان ما أعلن سحب القوات الروسية من هناك.

لكنه كان قد قال نفس الشيء تقريبا في مارس عام 2016، ولكن دعونا نفترض هذه المرة أنه يعني ذلك حقا، وقد يكون عذرا جيدا لتقييم ما فعلته روسيا – وما لم تحققه – وما إذا كان بوتين قد يفي بوعده فعلا.

الجيد

يمكن لموسكو أن تدعي بعض النجاحات في سوريا, وأولها وأهمها موقف روسيا في الداخل والخارج.

وقد دخلت روسيا في سوريا من موقف ضعف، بعد أن تعرضت للمشاكل خلال أزمتين كبيرتين في الداخل.

يتعلق الأمر الأول بأوكرانيا، حيث جلبت الثورة على الحكم حكومةً مؤيدة للغرب، الأمر الذي أثبت عجز موسكو, وكان العجز الروسي في أوكرانيا وصمة عار خطيرة في سجل بوتين.

وقد وعد بوتين بعودة القوة الروسية، لكنه لم يتمكن من الوفاء بهذه الضرورة الروسية الأساسية, وهي الحفاظ على السيطرة الروسية على المنطقة العازلة التي أنقذت روسيا من الغزاة الأجانب عدة مرات.

لذلك، فقد فعل شيئا واحدا تمكن من القيام به، ألا وهو ضم القرم – شبه الجزيرة الأوكرانية – التي كانت بالفعل متوائمة بشكل وثيق مع روسيا, وقد كان عملا استفزازيا جر على البلاد جزاءات اقتصادية يقودها الغرب.

وتمثلت الأزمة الثانية في انهيار سعر النفط, وكانت موسكو توقعت أن تظل أسعار النفط ما بين 80 و 100 دولار للبرميل، وأدرجت روسيا الميزانية وفقا لذلك.

وقد اضطرت الحكومة إلى القيام بمجموعة متنوعة من التخفيضات في الميزانية، بعد أن تم رفع بعض العقوبات الاقتصادية من عليها في الوقت نفسه.

وأدت بعض هذه التخفيضات في الخدمات الاجتماعية والتعليم وصناديق المعاشات التقاعدية إلى احتجاجات في أجزاء بعيدة من البلاد.

وكانت روسيا بحاجة إلى إلهاء للداخل، فاتجهت إلى سوريا؛ الحليف الروسي منذ فترة طويلة, التي كانت في خضم تمرد.

وقد انضمت الولايات المتحدة إلى المعركة في محاولة فاشلة وغير ناجحة في نهاية المطاف لتسليح الثوار (المعتدلين).

ومع عدم وجود معتدلين تقريبا، وقعت هذه الأسلحة في أيدي (الجهاديين)، ومن بينهم مقاتلو تنظيم الدولة.

لم يكن لدى تنظيم الدولة قوة جوية، وبالتالي كان عرضة للهجوم من الأعلى. وهكذا، بدأت روسيا حملة ضربات جوية ضد الجماعة، وهي محاولة ساعدت كثيرا في زوال التنظيم في نهاية المطاف.

كما أنها أحرجت الولايات المتحدة – التي عززت دون قصد تنظيم الدولة – وكانت تلك فائدة إضافية.

لكن الغارات الجوية خدمت أيضا هدفا استراتيجيا هاما، وهو الحفاظ على حكومة بشار, مما أعطي موسكو نفوذا في تعاملها مع تركيا.

وكانت تركيا تأمل في أن يتسبب التمرد في سوريا في إيجاد حكومة أكثر صداقة لمصالحها من بشار, وبدلا من ذلك، لا يزال لديها عدو لدود على حدودها الجنوبية، وهو ما قد تستخدمه روسيا لاحتواء التوسع التركي.

وسوف تفعل روسيا ذلك – على الأرجح – من خلال الوسائل السياسية.

ولكن إذا اختارت احتواء تركيا عسكريا، فسيكون لديها جيش أكثر حنكة لتنفيذ الحملة.

وعلى الرغم من أن وجودهم كان محدودا، فقد اكتسب الجنود الروس الخبرة التي كان الروس في أمسّ الحاجة إليها منذ حملتهم الكبرى الأخيرة؛ أي الحرب الجورجية عام 2008، التي فازوا بها بشكل جيد، ولكن مع أداء ضعيف.

ولعل الأهم هو أن الغزوة في سوريا جعلت بوتين يبدو قويا في الداخل أيضا.

وروسيا – شأنها في ذلك شأن جميع البلدان – تواجه تحديات داخلية, ولكن تحدياتها – خلافا لتلك التي تواجهها معظم البلدان الأخرى – تصبح وجيهة عندما يفقد الشعب الثقة في الحكومة.

وعندما دخلت روسيا سوريا، بدا بوتين ضعيفا, لكنه يبدو قويا الآن. وفي هذه الحالة بالذات، فالمظهر أكثر أهمية من الواقع.

وهكذا، كانت موسكو – مع وجود احتمالات كثيرة ضدها – قادرة في وقت واحد على إرباك الولايات المتحدة، وإنقاذ حليفها في دمشق، وإلحاق الضرر بتنظيم الدولة، وتقوية جيشها، وتحسين صورتها في الداخل، وكان كل ذلك بتكلفة قليلة ومحدودة، من خلال بعض الطلعات الجوية.

السييء

لكن نجاحات روسيا أصبحت أقل إثارة للإعجاب مما ظهرت عليه لأول مرة, ويستند تعزيز صورة روسيا إلى حد كبير إلى بقاء نظام بشار الأسد.

وإذا انسحبت روسيا، وطالبها نظام بشار مرة أخرى بالمساعدة، فإن على موسكو أن تتدخل مرة أخرى، مما يقوض مزاعم بوتين بأن المهمة قد أنجزت بالفعل.

وعلى الرغم من أن نظام بشار قد نجا، فإن سوريا نفسها لم تنجُ؛ فقد أصبحت بلدا مشتتا سيكون من الصعب للغاية – إن لم يكن مستحيلا – إعادة تجميعه.

وتعاني سوريا من اختلافات إثنية وطائفية عميقة جدا ببساطة، وتتكون حكومة بشار من العلويين، وهم طائفة من الشيعة كانوا دائما أقلية في بلادهم.

ومعظم السوريين من العرب السنة، ومن رحم هذه الدولة العربية السنية المحرومة، تمكن تنظيم الدولة من تجنيد مقاتليه.

ومن ثم هناك أكراد سوريا، الذين استولوا على مساحة كبيرة من الأراضي لأنفسهم, مستغلين حالة الفوضى.

وهم لا يريدون إعادة هذه الأراضي، ولا يمكن للجيش السوري – على الأرجح – إجبارهم على ذلك.

وقد يبقى نظام بشار على قيد الحياة، ولكن يحكم مساحة أقل بكثير مما كان عليه في السابق.

وقد حاولت روسيا الوصول إلى حل دبلوماسي للصراع من خلال جمع كل الأطراف في سوتشي, وتجري تلك الجهود بالتوازي مع محادثات الأستانة، والاجتماعات العرضية التي تخطط فيها تركيا وإيران وروسيا لمستقبل سوريا وتنسيق العمليات.

ولدى كل من روسيا وإيران وتركيا رؤى مختلفة بشأن مستقبل سوريا، وتريد روسيا سوريا مستقلة لا تخضع للسلطة التركية.

وتريد تركيا الاستقرار على حدودها الجنوبية، لكنها لا تريد الإبقاء على المكاسب التي حققها الأكراد السوريون حتى لا يشجع ذلك أكرادها في الداخل في سعيهم إلى الحكم الذاتي.

وتريد إيران أن تكون سوريا دولة تابعة لها، حتى تتمكن من ممارسة نفوذها على طول الطريق إلى البحر الأبيض المتوسط.

وباختصار، لا تستطيع روسيا إصلاح سوريا، ولا يوجد حل دبلوماسي في هذه المنطقة.

وفي الواقع، لا يمكن للبلدان ذات المصالح في سوريا أن تتفق حتى على من ينبغي أن يدفع ثمن إعادة إعمارها.

وعموما لا يمكن توقع أشياء جيدة في بلد يعتمد على القوى الأجنبية لإعادة الإعمار.

ويعد ذلك علامة على أن شروط الشفاء الوطني غائبة، وأن حكومة بشار  سوف تستمر ولكن من خلال التبرعات.

القبيح

وتعتمد سياسة روسيا في الشرق الأوسط على قدرة موسكو على إقناع العالم بأنها أكثر أهمية مما هي عليه.

وقد أدت هذه السياسة إلى تضخيم القوة الروسية بشكل مصطنع، ومكنت الحكومة من تشكيل المنطقة بالشكل الذي يرضيها.

لكن الشرق الأوسط أصبح أكثر تعقيدا بكثير، وقد أعطى تنظيم الدولة المتنافسين السابقين عدوا مشتركا للقتال والتعاون ضده، لكن ذلك كان مؤقتا, والآن، بعد أن هُزم، ستعود المنافسات التقليدية إلى الواجهة. وستزداد علاقة روسيا مع تركيا – التي كانت صعبة بالفعل – سوءا.

ولن تستمر علاقتها مع إيران، التي هي صديقتها في الوقت الحالي، وكلما أصبحت إيران أقوى، أصبحت روسيا أكثر عصبية.

ومع تطور المنطقة، يجب أن تتطور السياسة الروسية أيضا.

وسيكون الهدف الاستراتيجي الأول للبلاد الآن هو تحقيق التكافؤ بين القوى الكبرى في المنطقة.

وإذا لم يكن هناك بلد قوي بما فيه الكفاية للسيطرة على المنطقة، فلن يوجد بلد قوي بما فيه الكفاية لتحدي روسيا.

وبقدر الإمكان، يجب أن يقتصر نفوذ الأصوليين الإسلاميين في المنطقة على نطاق محدود، وإلى أقصى حد ممكن، يجب أن تكون إيران وتركيا أكثر قلقا بشأن بعضهما البعض أكثر من التنافس مع روسيا.

ولكن هذه الحاجة إلى التكافؤ سوف تتنافى مع الضرورة السياسية المحلية الأساسية لبوتين، وهي إظهار روسيا قوية في الخارج خلال الأوقات الصعبة في الداخل.

ولم تتمكن روسيا من خلال نجاحها في سوريا من حل المشاكل الداخلية التي عجلت بتورطها في المقام الأول، ولا يزال الصراع في أوكرانيا مجمدا، وقد انتعشت أسعار النفط بشكل متواضع، ولكنها لا تزال أقل مما تفضله موسكو، وبينما استقر اقتصاد روسيا، كانت هناك احتجاجات دورية ضد بوتين.

لكن روسيا لا تريد أن تتعثر في سوريا، لذا تبحث عن استراتيجية خروج تحافظ على صورة البطولة الروسية، وإذا استؤنفت الأعمال العدائية – وهو سيناريو محتمل – فإنها ستقوض رئاسة بوتين في الوقت غير المناسب من الانتخابات الوطنية، وهذا هو السبب في أنه اختار الإعلان عن إنهاء العمليات الآن في المقام الأول.

وقد تكون الانتخابات وحدها سببا كافيا لبوتين للإعلان أن «مهمته قد أنجزت», فهو يحتاج إلى إظهار مدى القوة والفعالية التي لا يزال يتمتع بها. وفي الشرق الأوسط، غالبا ما يكون النجاح أمرا عابرا، وإن إنجازات اليوم هي إخفاقات الغد.

وهذا هو الحال بالنسبة لروسيا.

ويمكن أن تتعرض للفشل في المستقبل في وقت لاحق, لكن في الوقت الراهن، فقد حصلت على ما تريد, حيث يعتقد الجميع أن روسيا قوية, وهذا كل ما يهم.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …