نشر مقاتلات روسية في قواعد مدينة همدان الايرانية مصدر جديد للقلق الأمريكي، فالتواجد العسكري الروسي يعبر عن خرق استراتيجي تاريخي لروسيا لم تستطع تحقيقه في عهد الاتحاد السوفييتي، إذ باتت لروسيا إطلالة مهمة على المنطقة لم تكن تحلم بها. نشر المقاتلات الروسية يعطي ميزة لروسيا تمكنها من الحصول على إطلالة على الخليج العربي والعراق وتركيا لتضاف إلى قاعدة «طرطوس السورية» في البحر المتوسط، ومكاسب استراتيجية مهمة تسللت من خلالها روسيا إلى المنطقة بهدوء وروية وعلى مرأى من الخصم الأمريكي العاجز عن الرد.
روسيا بذلك تجاوزت عقدة أفغانستان وعقدة الإطلالة على الخليج العربي من ناحية استراتيجية عسكرية، أما من ناحية سياسية فإن القاعدة توفر ضمانات إضافية لطهران من روسيا تفيد بأن أي هجوم على طهران أو ضربات عسكرية لمفاعلاتها سيصبح أكثر تعقيدا وخطورة، فالحسابات العسكرية باتت معقدة جدا خصوصا إذا نشرت روسيا إلى جانب الطائرات منظومة الدفاع الجوي اس 400 إلى جانب عدد من الرادارات المتطورة في القواعد الإيرانية.
الضمانات السياسية الممكن أن تحصل عليها طهران من موسكو تشمل الاتفاق النووي الإيراني مع دول 5+1، خصوصا أن حملة التشكيك بمصداقية التزام طهران بالاتفاق النووي تصاعدت في الدوائر الغربية وعكستها الماكينة الإعلامية والمسؤولين الأمريكان سواء المرشحين الرئاسيين أو نواب الكونجرس الأمريكي، وترافقت مع دعوات لمراجعة الاتفاقات التجارية التي أبرمها الرئيس الإيراني حسن روحاني مع دول أوروبية، فالتواجد العسكري الروسي يحرر طهران من الهواجس المرتبطة بالاتفاق والعقوبات وتقلبات المزاج الاستراتيجي الغربي.
طهران؛ كجارتها تركيا, لم تعد تثق بالعهود والاتفاقات مع الدول الغربية التي أرست تقاليد راسخة في نكثها، أمر سبقتها إليه تركيا التي أدار لها الناتو ظهره بعد حادثة الطائرة الروسية والانقلاب الفاشل، فأمريكا أدارت ظهرها لأنقرة في الملف السوري وتجاهلت مصالحها في مواجهة تهديدات حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وسعت بكل قوة لفرض أجندتها على المعارضة السورية وتركيا دون مراعاة مصالحها الحيوية.
وفي ظل هذا التقدير احتفت إيران بالتواجد العسكري الروسي بشكل لافت, لانعكساته على أمنها, أكثر من كونه إضافة نوعية للصراع في سوريا، خصوصا فيما يتعلق بالتهديدات المتصاعدة الناجمة عن حالات التمرد والتململ في إقليم كردستان إيران وبلوسشتان والأحواز، يضاف إلى ذلك أن الوجود الروسي يُمكّن إيران من مضايقة الوجود الأمريكي في أفغانستان والعراق.
التواجد العسكري الروسي ليس مسألة عابرة وسهلة وإنما تحول استراتيجي وسياسي مهم في المعادلات الإقليمية التي ستزداد سوءًا في حال إصرار أمريكا على خذلان حليفها التركي والعربي الذي بات أكثر تذمرا من السياسة الأمريكية التي تجاهلت مصالحه الحيوية خلال السنوات الخمس الماضية.
في المحصلة النهائية، فإن أمريكا تراكم المزيد من الأخطاء التكتيكية ذات التبعات الاستراتيجية الخطرة, وهو أمر سيمتد أثره نحو دول الخليج، فروسيا ومن خلال وزير الطاقة أعلنت عن نيتها بناء 15 مفاعلا نوويا للسعودية وبكلف معقولة في محاولة لتخليق شبكة مصالح قوية تمكنها من لعب دور سياسي في معالجة الإشكالات والصراعات الإقليمية، فروسيا من خلال تقديم المزيد من الحوافز لدول الإقليم تتقدم بهدوء، في حين أن أمريكا الواثقة تخسر المزيد من نفوذها وتواجه الأمر بمزيد من الإنكار والثقة المفرطة بالنفس التي لم تعد تجدي نفعا.
فالتعويل الأمريكي على أكراد سوريا كمنصة لتعزيز نفوذها وحضورها في العراق وسوريا بات نقطة الضعف الرئيسية للاستراتيجية الأمريكية؛ إذ استفز العرب وقوى المعارضة السورية التي انتقدت المزاجية والانتقائية الأمريكية، إضافة إلى استفزاز الأتراك والإيرانيين والعراقيين، مشعلة المزيد من المخاوف، وعلى الرغم من الحرص الأمريكي على استعمال الأكراد كمنصة للنفوذ إلا أن هذه المنصة باتت عبئا متزايدا على الإدارة الأمريكية, تعطي مفعولا معاكسا، فروسيا تتقدم استراتيجيا وإقليميا في حين أن أمريكا غارقة تكتيكيا بالحديث عن تفاصيل تفاهماتها مع روسيا وإيران.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات