في إطار مراجعة حال السوريين بين مهمة دي ميستورا والدور المفقود للأمم المتحدة ينبغي أن نتذكر، لحظة إندلاع الأزمة السورية 2011 وما بعدها؛ ماذا عملت الأمم المتحدة؟ أو بتعبير أدق: بم سمح لها أن تعمل؟
للإجابة سنجد أن مسارات أربعة تحكم عمل المنظمة الأممية، تجاه حالة نزاع بدأ سلميا لنحو ستة شهور ثم تحول إلى مواجهات مسلحة بين النظام وأنصاره وبين مجموعات معارضة للنظام تحاول إسقاطه بالقوة إلى أن بدأ آخرون يتوافدون من أكثر من 80 بلدا لينضموا إلى جماعات وفصائل مسلحة كادت تحتل دمشق مع نهايات عام 2012 وبداية 2013 إلى أن تدخلت إيران ودفعت بقواتها وبميليشيات حزب الله وفرق المرتزقة الشيعة من عدة دول إلى جانب النظام, وبدأت في محاولة تغيير المعادلة على الأرض لكنها لم تحسم الأمر لصالح النظام, ثم تدخلت روسيا في سبتمبر 2015بقضها وقضيضها.
وفي السنوات السبع من عمر الأزمة لعبت الأمم المتحدة عدة أدوار في مسارات أربع:
1- المسار الإنساني
أخذت المنظمة الدولية على عاتقها منذ بداية الأزمة مهمة إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة والتي يصعب الوصول إليها بالإضافة إلى تجمعات المشردين داخليا واللاجئين.
ووصفت الأزمة الإنسانية في سوريا أنها أكبر كارثة إنسانية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد بلغ عدد المشردين نحو 8,5 مليون, وعبرَ الحدود نحو تركيا والأردن ولبنان والعراق ما يزيد عن 4,5 مليون وبقيت بعض المدن والبلدات محاصرة لسنوات مثل الفوعة وكفراية وبلودان والزبداني ومضايا والغوطة الشرقية ودير الزور التي كان يسيطر عليها تنظيم «الدولة» فاضطرت الأمم المتحدة أن تقوم بعمليات إسقاط مواد تموينية من الجو.
واعتمد مجلس الأمن أربعة قرارات بالإجماع بدءًا بالقرار 2139 لعام 2014 الذي حدد مناطق عبور المساعدات الإنسانية من تركيا والأردن وطلب تعاون الدولة والجماعات المسلحة وعند تعذر تطبيق هذا القرار عاد المجلس وأقر بالإجماع القرار 2156 في يوليو 2014 مؤكدا على ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية بأقرب وأسرع الطرق وحتى دون موافقة النظام ما جعل عمليات الإيصال أصعب بكثير من ذي قبل.
ويعيش ما مجموعه ثلاثة ملايين شخص في مناطق محاصرة يصعب الوصول إليها في سوريا.
ويوجد نحو 400 ألف مدني محاصرين في الغوطة الشرقية غالبيتهم من النساء والأطفال وبعض المسلحين الذين يسيطرون على المنطقة من الداخل وتحاصرهم قوات النظام من الخارج.
وفي آخر تقرير لمنسق الشؤون الإنسانية؛ مارك لوكوك، قال إن نحو 13.1 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية من بينهم 5.6 مليون في أمس الحاجة ومعرضون للخطر بسبب التشرد والانقطاع التام أو الجزئي للمواد الغذائية الأساسية.
اللوم هنا أيضا لا يقع على عاتق الأمم المتحدة فحسب بل على الأطراف المعنية، إذ إن القوافل كانت تضطر أحيانا لعبور 11 حاجزا لتصل إلى الفئات المحاصرة, بل إن بعض القوافل تعرض للقصف الجوي مثلما حدث للقافلة التي كانت في طريقها لريف حلب 18 سبتمبر 2016 وأدت إلى مقتل 16 عاملا إنسانيا.
2- مسار حقوق الإنسان
شكل مجلس حقوق الإنسان ومقره جنيف بتاريخ 22 أغسطس 2011 فريقا مستقلا برئاسة باولو بنيرو من البرازيل وعضوية كارن أبو زيد وهاني مجلي الذي خلف كارلا دل بونتي بعد تقاعدها.
ومهمة الفريق التحقيق في كافة مزاعم انتهاكات القانون الدولي الإنساني في سوريا منذ مارس 2011.
كما منح الفريق حق توثيق الجرائم ومحاولة التعرف والتأكد من مرتكبيها كي لا يفلتوا من العقاب في المستقبل.
وقدمت اللجنة ثمانية تقارير لمجلس حقوق الإنسان حول كافة الجرائم التي تشملها ولاية الفريق كما التقى رئيس الفريق وأعضاؤه مرارا أعضاء مجلس الأمن، وقدموا تقريرا أوليا حول استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية 2013 قبل تولي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية المهمة.
ومن التقارير المهمة التي قدمها الفريق تقرير خاص بالمجازر التي ارتكبها تنظيم «الدولة» بحق الأزيديين والتي صنفت من الفريق بأنها «جريمة الإبادة الجماعية» ، وفي آخر تقرير قدم الفريق وصفا مروعا لمعاناة المدنيين على أيدي الجماعات وعلى أيدي النظام.
ومما جاء فيه: «استهدف جيش تحرير الشام وتنظيم «الدولة» الإسلامية الأقليات الدينية بالسيارات المفخخة والتفجيرات الانتحارية والاستعانة بالقناصة واحتجاز الرهائن بما في ذلك داخل مناطق واقعة تحت سيطرة الحكومة السورية.
ففي الراشدين (حلب) تسبب تفجير سيارة مفخخة في مصرع 96 شخصاً من بينهم 68 طفلاً نازحاً من الفوعة وكفرايا (إدلب) المحاصرتين سابقاً.
كما احتجزت بعدئذ الجماعات المسلحة 17 مدنياً على الأقل كرهائن في حين بقي آخرون في عداد المفقودين.
وأما القوات الحكومية فما زالت تتعمد استهداف المدنيين بما في ذلك من خلال استعمال الأسلحة الكيميائية داخل المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.
ففي 4 أبريل 2013 أطلقت القوات الجوية السورية غاز السارين على بلدة خان شيخون كجزء من حملة جوية تشنها على منطقتي شمال حماة وجنوب إدلب، ما أسفر عن مصرع ما يزيد على 80 شخصاً أغلبهم من النساء والأطفال.
3- مسار تدمير الأسلحة الكيميائية
بعد الهجوم على منطقة الغوطة بغاز السارين في 21 أغسطس 2013 اعتمد مجلس الأمن القرار 2118 في 26 أكتوبر بالاجماع والقاضي بتفكيك ترسانة سوريا من الأسلحة الكيميائية بما في ذلك المعامل والمختبرات والمواد الخام.
وكانت سوريا انضمت إلى الاتفاقية الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية في 14 سبتمبر 2013.
وبسرعة قياسية تم تعيين الهولندية سيجريد كاج للقيام بهذه المهمة خلال عام تقريبا، وأنجزتها ولكن في وقت أطول قليلا.
لكن استخدام الأسلحة الكيميائية لم يتوقف بعد إعلان سوريا خالية منها, فأنشا مجلس الأمن «آلية التحقيق المشتركة» (جيم) برئاسة الارجنتينية فرجينيا جامبا بناء على القرار 2235 لعام 2015 لتحديد الجهات الفاعلة والمستخدمة للغازات السامة كالسارين وأي مواد كيميائية أخرى وتحديد هوية الطرف الذي استخدمها.
وقامت روسيا مؤخرا باستخدام الفيتو لقتل هذه الآلية بعد أن حددت أن الجهة التي أرتكبت الاعتداء على خان شيخون هي طائرات النظام السوري واتهمت روسيا التقرير بعدم الحياد والانتقائية في المعلومات واتهمت أعضاء الفريق بأنهم ليسوا متوازنين جغرافيا.
4- المسار السياسي
لم يشهد مجلس الأمن ربما منذ الأزمة الكورية انقساما حادا بين أعضائه مثلما حدث في التعامل مع الملف السوري.
فقد استخدمت روسيا الفيتو عشر مرات والصين ست مرات، ومن هنا كان دور الأمم المتحدة السياسي مهمشا أصلا.
لكن الملف السوري انتقل إلى أيدي روسيا وإيران وتركيا، وتبلور عن اجتماعات “أستانة” إنشاء مناطق تهدئة قد يليها وقف إطلاق نار شامل بعد حل معضلة إدلب والغوطة والمناطق المحاصرة.
وأصبحت البلدان الثلاثة صاحبة القرار الميداني والسياسي وقد أشار الرئيس الروسي بوتين بعد لقائه ببشار الأسد أن على جميع الأطراف أن يكونوا على استعداد لتقديم تنازلات جادة.
فالتسوية النهائية يجب أن تلبي طموحات الشعب السوري في إقامة دولة ديمقراطية تعددية يسودها القانون وتخضع لتناوب السلطة وتحترم حقوق الإنسان ولا مكان فيها للطائفية والمذهبية والعرقية والتقسيمات الأخرى.
وكانت اجتماعات “سوتشي” في روسيا إحدى حلقات مسلسل الدراما السورية المعقد, ففي سوتشي جرت محاولة طبخ القرار السياسي النهائي دون مشاركة من الأمم المتحدة على أن يُقدم في مؤتمر كبير يضم المعارضة والنظام السوري في شهر فبراير المقبل، بعدها تبدأ العملية الانتقالية التي ستعود الأمم المتحدة لتلعب فيها دورا جديدا لإدارة أكبر عملية حفظ سلام ربما في العصر الحديث تشمل إعادة اللاجئين والمهجرين وتوطينهم وإعادة الإعمار والبنى التحتية والإشراف على تطبيق خطة الطريق التي تتضمن كتابة الدستور الجديد والانتخابات التشريعية والرئاسية الحرة.
ولكن هل سيبقى دي ميستورا في المشهد السوري لغاية تلك اللحظة أم يأخذ حصة متواضعة من مساعي نجاح الحل السياسي ويرحل كما رحل سابقوه؟
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات