أخبار عاجلة

حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات .. الإنجازات والسيناريوهات المحتملة

استطاعت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس) التي انطلقت منتصف سنة 2005، ضد المستوطنات اليهودية في فلسطين المحتلة, أن تحقق جملة من الإنجازات خلال سنوات عملها المحدودة نسبياً، ليس أقلها المقاطعة الأكاديمية في العديد من الجامعات والمؤسسات في أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، والتي أزعجت الكيان الإسرائيلي لما تركته من آثار على صورته أمام النخب المثقفة في العالم. بالإضافة إلى ما حققته في مجالات سحب الاستثمارات ومقاطعة الشركات التي تعمل في مستعمرات الضفة الغربية، وهو ما دفع بـ”إسرائيل” إلى مواجهة هذه الحملة بمحاولة تجريمها، معتمدة في ذلك على حلفائها في بعض الحكومات الغربية مثل فرنسا وبريطانيا وأمريكا، فيما لم تجد أذناً صاغية في دول مثل السويد وهولندا وأيرلندا.

وعلى ما يبدو فإن الكيان الإسرائيلي سيتابع حملة تشويه وتجريم حركة المقاطعة واتهامها بـ”اللاسامية”، وسيلجأ إلى استخدام قوته الناعمة في الدول التي لطالما كانت مؤيدة للقضية الفلسطينية كإفريقيا، كما سيحاول استثمار حصوله على رئاسة اللجنة القانونية للأمم المتحدة لتقوية وضعه القانوني في وجه حملة المقاطعة.

حركة المقاطعة

تمّ إطلاق حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس) Boycott, Divestment and Sanctions (BDS) campaign الحديثة في 9/7/2005، بعد عام من قضاء محكمة العدل الدولية بعدم شرعية “الجدار الفاصل” الذي كانت “إسرائيل” تبنيه في الضفة الغربية. في ذلك الوقت، أصدرت أكثر من مئة من نقابات العمال الفلسطينية، والجماعات السياسية، والمنظمات غير الحكومية في فلسطين والشتات دعوة للشركاء الدوليين لاعتماد استراتيجية المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، كجزء من النضال ضدّ نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. أما اليوم، فقد تطورت الحركة لتصبح قوة عالمية تشابه إلى حدّ كبير تلك التي أسقطت نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

تاريخياً، يمكن النظر إلى حركة المقاطعة (بي دي أس) الحالية على أنها امتداد لحملات مقاطعة سابقة تعود إلى ثمانينيات القرن الـ 19 وثلاثينيات الـ 20. فخلال أواخر القرن الـ 19، رفض الفلسطينيون التعاون مع المستعمرات الناشئة للمستوطنين اليهود، والتي كانت تمضي قدماً في اغتصاب أراضيهم حتى في ذلك الوقت. أما بحلول ثلاثينيات القرن الماضي، فقد اشتدت المعارضة المناهضة للمشروع الاستعماري الصهيوني، وكانت غالباً ما تتجلى في الإضرابات والمقاطعات. ولاحقاً، خلال الفترة التي تلت سنة 1948 مباشرة، أطلقت كل من جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وحركة عدم الانحياز، حملات ذات إدارة دولية لمقاطعة العلاقات التجارية والمالية مع “إسرائيل”.

كان مؤتمر الأمم المتحدة العالمي لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري والتعصب الذي عقد في ديربان، في جنوب إفريقيا، من أهم الأحداث المحورية التي مهدت الطريق لإطلاق حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في عام 2005. وشارك أكثر من ثلاثة آلاف من منظمات المجتمع المدني في المؤتمر، ودانوا بأشد العبارات سياسات “إسرائيل”، معلنين أنها شكل من أشكال التفرقة العنصرية. وفي الوقت نفسه، كانت انتفاضة الأقصى التي بدأت في سنة 2000 تتصاعد في حدتها وتستقطب دعماً دولياً للشعب الفلسطيني.

حينها، كان هناك شعور متزايد بالوعي بقضية فلسطين المحتلة، وبالضرورة الملحة لتحقيق أوسع نطاق من التعاون والتضامن. فمنذ ذلك الحين، كانت استجابة حركات المجتمع المدني على مستوى القاعدة الشعبية الدعامة الرئيسية لحركة المقاطعة (بي دي أس). فمواطنو العالم أصبحوا يعون تماماً أنهم لم يعد يمكنهم الاعتماد على الحكومات والوكالات المُضلِّلة، التي غالباً ما تُزين كلامها ولا تطبق منه شيئاً.

استراتيجيات المقاطعة الثلاث

تعتمد حركة المقاطعة (بي دي أس) على ثلاث استراتيجيات: المقاطعة،

وفرض العقوبات،

وسحب الاستثمارات.

فمن جهة، تستهدف المقاطعة المنتجات والشركات المتواطئة مع الاحتلال الإسرائيلي. ويتجلى ذلك برفض شراء منتجات القوة المحتلة؛ “إسرائيل”، أو التفاعل مع الكيانات المنخرطة في نظم الفصل العنصري.

ومن جهة أخرى، تستلزم الاستراتيجية الثانية، وهي سحب الاستثمارات، التخلي عن استثمارات مع المؤسسات، أو الشركات، أو المصارف التي تعمل في الأراضي المحتلة سنة 1967 (وتحديداً في الضفة الغربية) أو تستفيد منها.

أما الشق الثالث، وهو فرض العقوبات، فيُعتقد أنه من أشد الاستراتيجيات صرامةً، حيث ينطوي على تدابير تتخذها الحكومات، قد تكون على شكل إجراءات اقتصادية، أو عسكرية، أو ديبلوماسية. كما قد تشمل على سبيل المثال إلغاء اتفاقيات التجارة التفضيلية المبرمة من قبل الاتحاد الأوروبي، مثلاً، أو إلغاء الصفقات العسكرية.

الإنجازات

منذ إطلاقها، نجحت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في تطبيق حملات مقاطعة “إسرائيل” في عدد من المجالات المختلفة، كالأوساط الأكاديمية والثقافية والرياضية، والشركات التجارية والاستهلاكية. وكانت موجة الدعم للمقاطعة الأكاديمية واسعة النطاق، ولا يمكن إيقافها. ففي جنوب إفريقيا، شرعت عدة جامعات في المدن الكبرى، من كيب تاون إلى جوهانسبرج وكوازولو، بحملات المقاطعة. وفي أيلول/ سبتمبر 2010، وقّع أكثر من 250 أكاديمياً من جنوب إفريقيا على عريضة تَحثُّ جامعة جوهانسبرج على قطع علاقاتها مع جامعة بن جوريون الإسرائيلية. وتمت مصادقة العريضة من قبل نشطاء مخضرمين في الحملات المناهضة للفصل العنصري، ومنهم المطران ديزموند توتو وآلان بويساك.

وفي السنة نفسها، صوّت اتحاد الجامعات والكليات الموجود في بريطانيا لقطع العلاقات مع نقابة العمال الإسرائيلية (الهستدروت). أيضاً في سنة 2011، وقّع أكثر من 250 أكاديمياً أوروبياً من 14 بلداً على رسالة تطالب باستبعاد الشركات الإسرائيلية، المشاركة في انتهاك القانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967، من برامج البحوث التي يمولها الاتحاد الأوروبي.

وفي الآونة الأخيرة، تحديداً في سنة 2015، صوت الاتحاد الوطني للطلبة وتجمع الطلاب السود في بريطانيا على تبنيِّ حملة المقاطعة (بي دي أس). كما أسهمت الاتحادات الطلابية في كل من جامعة إدنبرة، وجامعة كلية لندن، وجامعة ليفربول، وجامعة ساسكس، وجامعة إيست أنجليا بأصواتها لصالح الحملة.

وفي الولايات المتحدة صوتت المجالس الطلابية في جامعات كل من كاليفورنيا، وسان خوسيه، وبرنستون، وأوهايو، وستانفورد لصالح قرارات بسحب الاستثمارات من الشركات التي تستفيد من الاحتلال الإسرائيلي.

مقاطعة الشركات

لعل أكبر النجاحات التي شهدتها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات تتمثل في مقاطعة الشركات متعددة الجنسيات والشركات التجارية التي لها ارتباطات مع نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. وقد ازداد انخراط الهيئات شبه الرسمية والهيئات الحكومية الدولية في هذه الحملة. ففي بريطانيا، نجح فرع تاور هاملتس من حملة التضامن الفلسطينية السنة الماضية في إقناع المجلس المحلي بضرورة إلغاء عقوده مع الشركات المتعاملة مع الاحتلال مثل تكتل الشركات الأمنية “فيوليا” و”جي فور أس”.

في مكان آخر، قرر مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع في الأردن أيضاً التخلي عن شركة “جي فور أس” بعد الحملة التي قامت بها حركة المقاطعة (بي دي أس) في آذار/ مارس 2016. ونظراً للخسائر الكبيرة التي منيت بها “جي فور أس” كنتيجة مباشرة للحملة، أعلنت الشركة أنها بدأت بالانسحاب من السوق الإسرائيلية. كما تبع ذلك تحركات من قبل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف في الأردن للنأي بنفسها عن تلك الشركة. وبصورة مماثلة، فإن عملاق مستحضرات التجميل الإسرائيلي “آهافا” الذي تمّ استهدافه في السنوات الأخيرة من قبل حركة المقاطعة (بي دي أس)، قرر نقل مصنعه من مستعمرة متسبيه شاليم في الضفة الغربية إلى داخل الخط الأخضر.

لم يتوقف الأمر عند مقاطعة الشركات الموجودة في المستعمرات أو التي تستفيد منها. ففي أيسلندا، في أيلول/ سبتمبر 2015، صادقت بلدية ريكيافيك على مذكرة تقضي بالموافقة على مقاطعة البضائع الإسرائيلية “ما دام احتلال الأراضي الفلسطينية قائماً”. هذه الخطوة كانت محط ترحيب “اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات” في أوروبا. حيث صرحت مسؤولة الحملات ريا الحسن قائلة: “نرحب بشكل خاص باستخدام المذكرة لعبارة “التفرقة العنصرية” لوصف النظام الإسرائيلي”. وأضافت: “هناك إدراك متزايد بأن نظام القمع الإسرائيلي يستوفي تعريف الفصل العنصري المذكور في القانون الدولي”.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …