وجه حسام بدراوي، آخر أمين عام للحزب الوطني المصري المنحل، رسالة لافتة إلى عبد الفتاح السيسي حذر فيها من أن مصر تعيش لحظة تاريخية حرجة تُنذر بتكرار سيناريوهات الماضي (أي ثورة يناير)، داعيا إلى مكاشفة وطنية حقيقية والإصغاء إلى صوت الإصلاح السياسي، قبل فوات الأوان.
وفي مقال مطول حمل طابعا نقديا صريحا، وصف بدراوي المشهد السياسي في مصر اليوم بأنه “مسرحية هزلية تتكرر فصولها”، محذرا من انزلاق تدريجي نحو مأساة سياسية واجتماعية “تُدار بهدوء من قِبل نظام يبدو كمن فقد الرغبة أو القدرة على التعلم من أخطاء الماضي”، حسب تعبيره.
واستنكر بدراوي ما وصفه بـ”العبث الانتخابي” الجاري في البلاد، مشيرا إلى أن ما يُجهز من قوائم موحدة وخطاب انتخابي خالٍ من التعددية، إنما يعكس افتقار العملية السياسية لأي مضمون ديمقراطي حقيقي.
وقال: “نعيش ما يمكن تسميته بانتخابات بلا انتخاب، وقوائم بلا منافسة، فيما المعارضة يتم تصنيعها لتناسب متطلبات السلطة”، محذرا من أن هذا النمط لن يحقق الشرعية السياسية، ولن يمنع الانفجار الشعبي المحتمل.
ولفت بدراوي إلى ما وصفه بـ”تصفية ناعمة” لوجوه إعلامية بارزة كانت تعبر عن نبض الشارع، مشيرا إلى إبعاد عدد من المذيعين المؤثرين مثل لميس الحديدي، وعمرو أديب، وخيري رمضان، وإبراهيم عيسى، قائلا إن الرسالة واضحة: “من ينتقد يُقصى“.
وأضاف: “هل أصبح الصدق جريمة؟ وهل من يقول إن الناس تتألم يُعاقب؟ من يُنكر الواقع لا يغيره، بل يُورط نفسه فيه“.
وفي محور بالغ الحساسية، تحدث بدراوي عن همسات إعلامية وإشارات غير رسمية تمهد لما يبدو أنه تعديل دستوري جديد، يسمح بتمديد فترة الرئاسة لولاية رابعة، بحجة “ضمان الاستقرار“.
وكتب: “منذ متى كانت التعديلات والتمديدات وسيلة استقرار؟ ألم تُجرب من قبل وانتهت إلى فوضى وانهيار؟”، في إشارة إلى ما سبق من تعديلات مشابهة قادت إلى اضطرابات سياسية واسعة.
وفي نقد اقتصادي مباشر، شدد بدراوي على خطورة تصاعد الدين الخارجي وتآكل استقلالية القرار الاقتصادي المصري، معتبرا أن المديونية باتت “تنخر في جسد الدولة”، وتُهدد بكارثة اجتماعية.
وقال: “لا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيرا اقتصاديا ليدرك حجم الأزمة… المديونية تخلق بيئة انفجار لا تنفع معها محطات التجميل ولا أبراج المراقبة“.
ووجه بدراوي انتقادات حادة لما وصفه بـ”عودة تديين الحكم من الأبواب الخلفية”، معتبرا أن هناك استدعاءً انتقائيا للدين في المشهد السياسي، يعيد تكرار تجارب سابقة مكلفة.
وأشار إلى ظواهر مثل فرض التربية الدينية قسرا، وتمكين رجال دين مقربين من النظام من أدوار سياسية ودبلوماسية، قائلا: “ما نشهده ليس عودة للدين، بل توظيف سياسي له، تماما كما حدث في تعديل دستور 1971“.
وخاطب بدراوي السلطة بلهجة حاسمة: “هذا المقال ليس معارضة عدائية، بل محاولة صادقة لمنع انتحار سياسي جديد”، مضيفا أن كل تجارب الإقصاء، والتزييف، والتوظيف السياسي للدين، كانت نتيجتها واحدة: انفجار لا يرحم أحدا.
وشدد على أن التاريخ لا يرحم من يُكرر أخطاءه، وأن الطريق إلى النجاة لا يزال ممكنا لكنه يضيق، داعيا إلى مصارحة ومشاركة مجتمعية حقيقية، بدل صناعة ولاءات مصطنعة.
وفي ختام مقاله، استحضر بدراوي تجربته الشخصية خلال الأسابيع الأخيرة من حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، قائلاً إنه قدم له النصيحة بالإصلاح الطوعي والتنحي المنظم، لكن “عندما قررتُ أن أكون ناصحا حقيقيا، أُقصيت من دوائر القرار، وأحاط به من أقنعوه بالبقاء… فوقعت الفوضى”، على حد وصفه.
وتابع: “اليوم، أرى نفس السيناريو يتكرر بأشكال جديدة: الإقصاء، التزوير، تسييس الدين، وتجاهل الصوت العاقل“.
وأكد أن البلاد لا تحتاج إلى مشهد عبثي جديد، بل إلى مصالحة وطنية ومشاركة مجتمعية تُعيد للناس إيمانهم بأن الدولة تمثلهم لا تستبد بهم.
وقال: “من مكاني كمواطن صادق، وسياسي سابق عرف دوائر القرار، أقول بثقة: ما زالت هناك فرصة للإفاقة… فهل تختارون الحياة أم التكرار؟“.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات