حسن نافعة: 30 يونيه ليست ثورة علي الاخوان ولكن تنفيذ لحلم السيسي أن يبقي رئيسا

قال د. حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية المخضرم إن التعديلات الدستورية أسقطت القناع عن أمور كثيرة، مشيرا الى أن مصر دخلت نفقا مظلما بتعديلات تتيح للمؤسسة العسكرية دورا سياسيا لم يعترف لها به في اي دستور مصري من قبل, سواء في العهد الملكي أو في العهد الجمهوري.
وأكد نافعة في حوار مع ” رأي اليوم” أن المجال العام في مصر اصبح مغلقا وحكرا على فئة العسكريين وحدهم, أو من من يختارونه بأنفسهم للقيام بهذه المهمة.
نافعة قال إن د. محمد البرادعي يمتلك أوراقا كثيرة، شريطة أن يتحرر من التردد والخوف وأن يقرر العودة إلى مصر ليناضل من داخلها, ليس بالضرورة لقيادة الثورة القادمة أو لإشعال شرارتها الأولى, ولكن لتشجيع من هم قادرون على القيام بهذه المهمة من جيل الشباب.
وإلى نص الحوار :
* قلت إن اللعب بات على المكشوف الآن بين النظام والشعب، كيف ترى المستقبل القريب ؟
قبل أي حديث عن المستقبل دعني أوضح أولا ما أعنيه بعبارة “اللعب على المكشوف”. ففي تقديري أن التعديلات الدستورية اسقطت القناع عن أمور كثيرة, وأكدت جملة من المدركات كانت قد ترسخت في أذهان البعض, منها على سبيل المثال لا الحصر: أن الرئيس السيسي هو “رئيس الضرورة”, كما روج كل الذين حاولوا تبرير ترشحه للانتخابات الرئاسية, أو أنه “زاهد في السلطة”, كا روج هو بنفسه عن نفسه وصدقه كثيرون, حيث ثبت بما لا يدع مجالا لأي شك أنه على العكس تماما من هذه الصور النمطية. فلا هو كان “رئيس الضرورة” ولا كان زاهدا في السلطة في اي يوم من الأيام. وقد أكدت كافة الأحداث اللاحقة على 30 يونيو, أنه رجل شديد الطموح, وأن أحلام الوصول إلى السلطة لم تفارق خياله أبدا, حتى قبل اندلاع ثورة 25 يناير, وأنه سعى دوما لتحقيق طموحه الشخصي بكل السبل المتاحة, وأنه نجح إلى حد كبير في إخفاء نواياه الحقيقية وبالتالي في خداع وتضليل كل من حوله 2- أنه ليس من نوع القيادات التي يمكن أن تقبل بسهولة موقع “الرئيس السابق”, فهو يتصور ألا أحد أحق بموقع الرئاسة أو أجدر منه به. لذا أرجح أن يسعى السيسي في المرحلة القادمة للبقاء حاكما بأمره ما استطاع إلى ذلك سبيلا, وأنه سيصر على تحطيم كل العقبات التي تعترضه على هذا الطريق, ايا كانت. بعبارة أخرى يمكن القول أنه تأكد الآن, وبما لا يدع مجالا لأي شك, أن أحداث 30 يونيو, والتي راى فيها كثيرون ثورة على حكم الإخوان وتصحيحا لمسار ثورة الأم بعد انحرافها عن المسار الديمقراطي, لم تكن بالنسبة لوزير الدفاع المعين من قبل الرئيس المنتخب سوى مرحلة تمهد لوصوله للسلطة والانفراد بها ثم البقاء فيها مدى الحياة إن استطاع إلى ذلك سبيلا. دليلنا على ذلك أن الرجل لم يتردد في التخلص من كل الرموز السياسية الحية في مصر, سواء من شارك منهم في ثورة 25 يناير أو في ثورة 30 يونيو, ولم يتورع عن التنكيل بكل من سعى لمنافسته على مقعد الرئاسة, حتى ولو كان من قيادات القوات المسلحة نفسها ومن رؤسائه السابقين كسامي عنان على سبيل المثال, وبالتالي لم يعد في مصر المعاصرة مكان إلا لمن يقبل التسبيح بحمد السيسي صباح مساء ومن يؤمن بقدراته الخارقة عن قناعة أو عن خوف.
ولأنني أعتقد جازما أن الشعب المصري لن يقبل أبدا الاستسلام لوضع كهذا, اظن أن الكرة أصبحت الآن في ملعبه, وبات عليه أن يبحث عن وسيلة تمكنه من استعادة المسار نحو التحول الديمقراطي الحقيقي. ويقيني أنه لن يعجز عن مواجهة هذا التحدي.
* برأيك هل سيستمر النظام الحاكم على نفس النهج القديم أم سيغير في أوراق اللعبة ؟
أرجح أن يستمر النظام الحاكم على نهجه السابق. فالسيسي يتصور ان نظام مبارك سقط لأنه سمح بهامش من حرية التعبير أتاح للأغلبية الصامتة أن تتعرف على “رأي آخر” أكثر مصداقية, ولأنه سمح ايضا لجماعة الإخوان بتمثيل سياسي محدود داخل البرلمان تصور أنه ستقبل به وسترضخ له.
لذا أظن أنه يعتقد أن المحافظة على نظامه ومنعه من السقوط والانهيار يبرر تماما إلغاء أي هامش من حرية التعبير والقضاء التام على جماعة الإخوان وعدم السماح لها بأي قدر من حرية الحركة, وهو ما قام به بالفعل. لذا أظن أنه سيستمر على نهجه الحالي ولن يغير شيئا من أوراق اللعبة.
فتغيير أوراق اللعبة سيتطلب بالضرورة منح هامش أكبر من حرية التعبير والبحث عن صيغة أخرى للتعامل مع جماعة الإخوان تضمن احتواءها واستكانتها في الوقت نفسه, وبالتالي التحلي برؤية سياسية أظن أنه يفتقدها تماما. ولأن السيسي اعتاد على العمل وسط دائرة ضيقة من العسكريين الذين يميلون بطبيعتهم نحو الحلول الأمنية, ولا يطيق السماح لخبراء السياسة بالقيام باي دور في صنع القرار, أظن أنه سيفضل خيار الاستمرار على نفس النهج.
* دعوت الى النضال السلمي، هل تراه مجديا في ظل آلة قمع ؟
النضال السلمي هو في تقديري, الوسيلة الأكثر أمانا بل وفاعلية في تحقيق التغيير المنشود مهما اشتدت آلة القمع. فكل التجارب السياسية, خاصة في العقود الأخيرة, تؤكد أن النضال بالوسائل السلمية هو الوسيلة الوحيدة القادرة على بناء الصمود الجمعي في وجه آلة القمع, ثم تنظيمها وقيادتها نحو التغيير, مهما استغرق ذلك من وقت أو من تضحيات. في المقابل فإن اللجوء إلى العنف او إلى حمل السلاح في مواجهة آلة القمع التي تستخدمها النظم الاستبداية, رغم أن ذلك قد يكون له ما يبرره من وجهة نظر البعض, إلا أنه يعد في رأيي عملا يائسا أو نوع من الانتحار الجماعي الذي قد يقود إلى حرب أهلية أو تينتهي بدمير شامل للدولة وللمجتمع. وأعتقد أن اللجوء إلى العنف أو حمل السلاح في مواجهة نظم الاستبداد, خاصة في الظروف الراهنة التي تنتشر فيها الجماعات الإرهابية التي ينبغى أن تواجه بالعنف, يصب في النهاية لصالح هذه النظم. بل إنني لا أستبعد أبدا أن تلجأ النظم الاستبدادية إلى التحريض على استخدام العنف وحمل السلاح في مواجهتها, كي تبرر ما تقوم به هي من إجراءات قمعية, وما ترتكبه احيانا من مجازر وبشاعات, وما تسنه من قوانين مقيدة للحريات. وعلينا أن ننتبه هنا إلى حقيقة مهمة, وهي أن النضال السلمي ليس معناه أبدا الاستكانة أو القبول بالعمل وفق شروط النظام وقواعده والامتناع عن مناشدة الجماهير بالثورة عليه, فالواقع أن المقصود بالنضال السلمي هنا كل عمل سياسي من شأنه الإسهام في تفكيك بنية الاستبداد وتخليص الشعب من مشاعر الخوف المسيطرة عليه عليه, والقيام بكل ما يساعد على إفراز قيادات مدنية تحوز على ثقة الشعب ورضاه, وهو بهذا المعنى يعد أداة لا غنى عنها لتطوير الاليات التي يمكنها توليد أكبر قدر من الضغوط على أنظمة الاستبداد والدفع بها نحو مفترق طرق يجبرها في النهاية على الاختيار بين القيام بالإصلاح أو انتظار الثورة. بعبارة أخرى يمكن القول أن النضال السلمي يستبعد بالمطلق فكرة اللجوء إلى السلاح أو استخدام العنف, لكنه لا يستبعد أبدا فكرة الثورة أو يحول دون تحريض الجماهير على النزول إلى الشارع لتحدي النظام إن لزم الأمر, ولكن فقط حين تكون هناك ضرورة وتكون هناك قيادة منظمة للشارع الثائر حتى لا تنفلت الأمور وتتحول إلى نوع من الفوضى.
* يرى البعض أنه لا سبيل للخلاص الا بثورة مستدلين بقول المتنبي: “من أطاق التماس شيء غلابا واغتصابا لم يلتمسه سؤالا؟
ربما تكون إجابتي عن السؤال السابق قد غطت جانبا من هذا السؤال ولو جزئيا, ومع ذلك اسمح لي أن اضيف أن الثورة ليست شعارات تطلق أو صرخات تدوي في الهواء أو ركوب لموجات غضب واحتقان. فهناك فرق جوهري بين الثورة وبين الهبات أو الانفجارات الشعبية التي قد تكون مدفوعة بالإحساس العميق بالجوع أو بالظلم الناجم عن غياب العدل, وحين تؤدي درجة الاحتقان إلى خروج الناس إلى الشارع دون قيادة, فمن الطبيعي أن تتمكن القوى السياسية المنظمة وحدها من ركوب الموجة وقيادة الشارع الغاضب. ولا شك أن النضال السياسي المنظم والسلمي هو وحده القادر على إفراز كوادر قادرة على توجيه الغضب والاحتقان واستثمراره وتحويله إلى فعل إيجابي يمكن ان يؤدي إلى تغيير حقيقي. وهذا هو أحد أهم الدروس التي ينبغي على الجميع استتخلاصها مما جرى في 25 يناير 2011 و في 30 يونيو 2013.
* هل دخلت مصر نفقا مظلما؟
مصر دخلت بالفعل نفقا مظلما جديدا, خاصة بعد دخول التعديلات الدستورية حيز التنفيذ. فالتعديلات الدستورية التي أعلن النظام الحاكم أن الشعب وافق عليها بنسبة تصل إلى حوالي 90% ممن شاركوا من الاستفتاء, تمنح لرئيس السيسي عامين إضافيين في الحكم خلال فترة ولايته الحالية, رغم أنه انتخب وأقسم على احترام دستور ينص على أن مدة الولاية 4 سنوات فقط, كما تتيح له أن يترشح لولاية ثالثة مدتها ست سنوات في الانتخابات الرئاسية التي يفترض ان تجرى في 2024, رغم أنه انتخب واقسم على احترام دستور يحرم تحريما قاطعا تولي اي شخص منصب الرئاسة لأكثر من ولايتين مدة كل منهما أربع سنوات. ولأننا نعلم مسبقا كيف تجرى اي انتخابات رئاسية يكون فيها السيسي مرشحا, حيث أثبتت الممارسة عدم السماح بمنافسة السيسي إلا لشخص واحد تختاره الأجهزة الأمنية بنفسها, فمن الطبيعي أن تكون نتيجتها معلومة سلفا.
معنى ذلك أن السيسي سيظل رئيسا لمصر حتى عام 2030, مالم يقض الله أمرا كان مفعولا, لكنه لن يكون منذ الآن فصاعدا رئيسا ككل الرؤساء السابقين ولكنه سييكون حاكما مطلقا ومهيمنا على كافة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية, خاصة وأن التعديلات الدستورية الأخيرة تفقد القضاء المصري كل ما تبقى من مظاهر استقلاله. فإذا اضفنا إلى ما تقدم أنها تعديلات تتيح للمؤسسة العسكرية دورا سياسيا لم يعترف لها به في اي دستور مصري من قبل, سواء في العهد الملكي أو في العهد الجمهوي, وهو ما يعني أن رئيس مصر في مرحلة بعد 2030 سيكون على الأرجح ممن يرتدون الزي العسكري, لأدركنا ان المجال العام في مصر اصبح مغلقا وحكرا على فئة العسكريين وحدهم, أو من ميختارونه بأنفسهم للقيام بهذه المهمة. فهل يمكن أن يكون هناك نفق أكثر إظلاما من النفق الذي تجد مصر نفسها فيه هذه الأيام؟
* كيف ترى أداء المعارضة وموقفها من التعديلات الدستورية؟
كان أداء سيئا, وكنت أتمنى أن تتفق جميع فصائل المعارضة, إن كان هناك من بينها من يستحق أن يطلق عليه هذا الوصف, على موقف موحد من هذه التعديلات, سواء بالمقاطعة أو بالمشاركة والتصويت بلا. وقد سبق لي أن أعلنت أنني أفضل المشاركة في الاستفتاء والتصويت بلا, ليس لأنني أنتمي إلى أحد الفصائل التي تبنت مثل هذا الموقف, ولكن لأن هذه هي قناعتي الشخصية, وقد مارست حقي بالفعل وشاركت في الاستفتاء وقمت بالتصويت بلا.
* كيف ترى مشاركة البرادعي ونضاله عبر منصات التواصل؟
المرحلة الراهنة تستدعي, بل وتتطلب, مشاركة كل شخص وكل تنظيم وكل تيار قادر على العطاء, غير أنني اعتقد ان الأمل أصبح اليوم معقودا على الشباب, وبالتالي أظن أنه بات على الرموز القديمة أن تفسح المجال لهم, ولا اقول أن تتنحى وتذهب أو دورها انتهى, لكن أتمنى أن تكتفي بتقديم النصح والمشورة وأن تترك القيادة الفعلية لجيل جديد.
* هل تراه فعلا قادرا على لعب دور أقوى؟
إذا لم يكن لدى الدكتور البرادعي ما يقدمه سوى التغريد عن بعد, فلا اعتقد أن التأثير سيكون كبيرا أو حتى ملموسا ولن يستطيع أن يقدم الكثير. فما زلت على يقيني بأنه أهدر فرصا كثيرة من قبل, وأنه لم يدرك حقيقة الدور السياسي كان يناديه ويلح عليه ويكاد يستعطفه للقيام به, لكن الاضطلاع بمهمة على هذا القدر من الأهمية والحساسية كان يتطلب قدرا من التضحية الشخصية لا أظن أن البرادعي كان قادرا عليها أو حتى راغبا أو مستعدا للقيام بها.
* ما الأوراق التي يملكها؟
ما زال البرادعي يمتلك أوراقا كثيرة, شريطة أن يتحرر من التردد والخوف وأن يقرر العودة إلى مصر ليناضل من داخلها, ليس بالضرورة لقيادة الثورة القادمة أو لإشعال شرارتها الأولى, ولكن لتشجيع من هم قادرون على القيام بهذه المهمة من جيل الشباب. ففي تقديري أنه سوف يصعب على النظام, رغم جبروته, أن يقذف بشخص في حجم البرادعي إلى غياهب السجن, وإن فعل فسيكون بمقدور البرادعي حينئذ ان يقوم من داخل السجن بالدور الذي لم يكن قادرا على أدائه حين كان ينعم بإقامة هادئة في فيينا.
* بات الرهان الآن على الشعب الصامت ، هل ثمة بوادر لتحركه؟
الشعوب لا تتحرك بالرموت كنترول او بإشارة من أحد, مهما كان حجمه أو قوة إلهامه, وإنما تتحرك من تلقاء نفسها أن يصل حجم ما تشعر به من الغضب او من الجوع حدا يستحيل احتماله, غير أنها يمكن أن تسرع من وتيرة حركتها نحو الحسم والنزول إلى الشارع إن هي احست بوجود بديل جاهز لتولي مسؤولية الحكم وقادر عليه.
وفي هذه الحالة يمكن لحركة الشارع أن تصبح أكثر تنظيما وفاعلية وبالتالي أكثر قدرة على تحقيق الأهداف المرجوة. وتلك هي الصيغة التي افضلها, لكنها صيغة لم تنضج بعد على ارض الواقع, ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بالوقت الذي ستستغرقه عملية النضوج هذه.
* أخيرا يرى البعض أن إقبال الفقراء على الاستفتاء من أجل الحصول على ” الكرتونة ” كان مشهدا يبشر بثورة جياع لا تبقي ولا تذر؟
لا أستبعد شخصيا هذا الاحتمال, لكني لا أحبذه ولا أتمنى حدوثه, لأنه سيقود إلى الكثير من الفوضى وربما إلى المزيد من الاستبداد. وفي تقديري أنه يصعب على ثورة جياع لا تبقي ولا تذر ان تصنع تغييرا يفضي إلى التنمية التي هي السبيل الوحيد للقضاء على الفقر وإشباع الجوعى. لذا أتمنى على النظام أن ينتبه وأن يتعظ.

شاهد أيضاً

الاحتلال يمارس أعنف عمليات القمع بحق الأسيرات بسجن الدامون

أفاد مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين، اليوم الخميس، بأنّ إدارة سجن الدامون الإسرائيلي “نفذت في الـ …