من ناحية المضمون (5)
8- المقاومة والتحرير:
أفرد ميثاق 1988 المادة 15 للحديث عن الجهاد فجاء فيها:
يوم يغتصب الأعداء بعض أرض المسلمين، فالجهاد فرض عين على كل مسلم، وفي مواجهة اغتصاب اليهود لفلسطين لا بدّ من رفع راية الجهاد، وذلك يتطلب نشر الوعي الإسلامي في أوساط الجماهير محلياً وعربياً وإسلامياً، ولا بدّ من بثّ روح الجهاد في الأمة ومنازلة الأعداء والالتحاق بصفوف المجاهدين. ولا بدّ من أن يشترك في عملية التوعية, العلماءُ ورجال التربية والتعليم، ورجال الإعلام ووسائل النشر، وجماهير المثقفين، وعلى الأخص شباب الحركة الإسلامية وشيوخها، ولا بدّ من إدخال تغييرات جوهرية على مناهج التعليم، تخلصها من آثار الغزو الفكري، الذي لحق بها على أيدي المستشرقين والمبشرين، حيث أخذ ذلك الغزو يَدْهَمُ المنطقةَ بعد أن دحر صلاح الدين الأيوبي جيوش الصليبيين، فقد أدرك الصليبيون، أنه لا يمكن قهر المسلمين، إلا بأن يمهَد لذلك بغزو فكري، يبلبل فكرهم، ويشوه تراثهم، ويطعن في مُثلهم، وبعد ذلك يكون الغزو بالجنود، وكان ذلك تمهيداً للغزو الاستعماري، حيث أعلن اللنبي عند دخول القدس قائلاً: “الآن انتهت الحروب الصليبية”. ووقف الجنرال جورو على قبر صلاح الدين قائلاً: “ها قد عدنا يا صلاح الدين” وقد ساعد الاستعمار على تعزيز الغزو الفكري، وتعميق جذوره، ولا يزال، وكان ذلك كله ممهداً لضياع فلسطين.
فيما تتحدث الوثيقة صراحة في المواد من 24 – 26 عن المقاومة والتحرير بما يلي:
24- إن تحرير فلسطين واجب الشعب الفلسطيني بصفة خاصة، وواجب الأمة العربية والإسلامية بصفة عامة، وهو أيضاً مسؤولية إنسانية وفق مقتضيات الحق والعدل. وإن دوائر العمل لفلسطين سواء كانت وطنية أم عربية أم إسلامية أم إنسانية هي دوائر متكاملة متناغمة، لا تعارض بينها.
25- إن مقاومة الاحتلال، بالوسائل والأساليب كافة، حقّ مشروع كفلته الشرائع السماوية والأعراف والقوانين الدولية، وفي القلب منها المقاومة المسلحة التي تعدُّ الخيارَ الاستراتيجي لحماية الثوابت واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني.
26- ترفض حماس المساس بالمقاومة وسلاحها، وتؤكد على حقّ شعبنا في تطوير وسائل المقاومة وآلياتها. وإن إدارة المقاومة من حيث التصعيد أو التهدئة، أو من حيث تنوّعُ الوسائل والأساليب، يندرج كلّه ضمن عملية إدارة الصراع، وليس على حساب مبدأ المقاومة.
هذا يعني من وجهة نظر الباحث أن حماس التي تطورت آليات مقاومتها للاحتلال بشكل واضح منذ انطلاقتها وحتى العدوان الأخير على غزة 2014، تدرك تماماً معنى أن تكون هناك مقاومة قوية قادرة على إيلام العدو بشكل مباشر، أو التصدي لاعتداءاته المتكررة، وإن كان الحديث في الميثاق جاء بصيغة الحثّ على الجهاد وبيان أهميته وأحكامه، فإنه في الوثيقة تأكيد صارم على أن أية حلول تعرض من هنا أو هناك لحل القضية الفلسطينية يجب ألا تكون على حساب سلاح أو مبدأ المقاومة.
9- الجانب الإنساني والدولي:
تحت عنوان حركة المقاومة الإسلامية حركة إنسانية جاء في الميثاق ما يلي:
حركة المقاومة الإسلامية حركة إنسانية، ترعى الحقوق الإنسانية، وتلتزم بسماحة الإسلام، في النظر إلى أتباع الديانات الأخرى، لا تعادي منهم إلا من ناصبها العداء، أو وقف في طريقها ليعيق تحركها أو يبدد جهودها، وفي ظلّ الإسلام يمكن أن يتعايش أتباع الديانات الثلاث؛ الإسلام والمسيحية واليهودية في أمن وأمان، ولا يمكن أن يتوافر الأمن والأمان إلا في ظلّ الإسلام, والتاريخ القريب والبعيد خير شاهد على ذلك. وعلى أتباع الديانات الأخرى أن يكفوا عن منازعة الإسلام في السيادة على هذه المنطقة لأنهم يوم يسودون فلا يكون إلا التقتيل والتعذيب والتشريد، فهم يضيق بعضهم ببعض ذرعاً فضلاً عن أتباع الديانات الأخرى، والماضي والحاضر مليئان بما يؤكد ذلك.
في المقابل فقد ركّزت الوثيقة على هذا الجانب، وأفردت له المواد من 38- 42، وجاءت على النحو التالي:
38- إن القضية الفلسطينية قضية ذات أبعاد إنسانية ودولية كبرى؛ وإن مناصرتها ودعمها هي مهمَّة إنسانية وحضارية، تفرضها مقتضيات الحق والعدل والقيم الإنسانية المشتركة.
39- إن تحريرَ فلسطين من ناحية قانونية وإنسانية عمل مشروع تقتضيه ضرورات الدّفاع عن النفس، وحقّ الشعوب الطبيعي في تقرير مصيرها.
40- تؤمن حماس، في علاقاتها مع دول العالم وشعوبه، بقيم التعاون، والعدالة، والحرية، واحترام إرادة الشعوب.
41- ترحّب حماس بمواقف الدول والمنظمات والهيئات الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وتحيّي أحرار العالم المناصرين للقضية؛ كما تدين دعمَ أيّ جهة أو طرف للكيان الصهيوني، أو التغطية على جرائمه وعدوانه على الفلسطينيين، وتدعو إلى ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة.
42- ترفض حماس محاولات الهيمنة على الأمة العربية والإسلامية، كما ترفض محاولات الهيمنة على سائر الأمم والشعوب، وتدين أيّ شكل من أشكال الاستعمار والاحتلال والتمييز والظلم والعدوان في العالم.
وبمقارنة بسيطة بين النصين يتضح تركيز النص في الميثاق على الجانب الديني، والعلاقة بين الأديان الثلاثة؛ الإسلام والمسيحية واليهودية، والتعايش بينها، فيما ركز نصّ الوثيقة على إنسانية القضية الفلسطينية، وعلى القيم الإنسانية التي يتعارض معها الاحتلال الحادث لفلسطين، مرحبة بكل دور أو موقف شخصي أو مؤسساتي أو دولي يدعم حقوق الشعب الفلسطيني.
الخلاصة
كما دار جدل كبير حول الميثاق بعد إصداره، وبلغ الجدل مداه حتى وصل إلى أبناء الحركة نفسها وقياداتها، فإن الجدل سيدور ويبقى دائراً حول الوثيقة السياسية الجديدة لحركة حماس من حيث التوقيت، والأهداف، والمضمون، وستسمح اللغة التي استخدمتها الحركة في صياغة أفكارها في إثارة الكثير من المناقشات حول تفسير نصوصها ومحاولة استكشاف آراء وأفكار الحركة التي تختبئ خلف حروفها. وستبقى المقارنات حاضرة فيما يتعلق بآراء الحركة في الميثاق وفي الوثيقة من جهة، وبين الوثيقة ووثائق فلسطينية أخرى في محاولة لرسم طبيعة المرحلة القادمة واستكشاف فكر الحركة السياسي في مستقبل الأيام، ولعل أهم ما ميّز الوثيقة السياسية الجديدة لحماس إطلاق هذا الجدل وهذه المناقشات لإثراء الفكر السياسي الفلسطيني الحديث، بعد حالة من الجمود صنعتها أحداث فلسطينية – فلسطينية أو صنعها الاحتلال الإسرائيلي وما تزال أصداؤها وآثارها تعبث بالواقع الفلسطيني الداخلي.
وجدير بالقول إن العبرة دائماً ليس بما يُخطُّ من حروف بقدر ما يمارس على أرض الواقع من أفعال، وهذا ما يُراهن عليه أنصار حماس وخصومها على حدٍ سواء، وبطبيعة الحال كلٌّ من وجهة نظره وأمنيّاته. فهل تشهد المرحلة القادمة أدبيات أخرى لحماس تتحدث فيها عما هو ممنوع الحديث عنه اليوم، مثل التفاوض المباشر مع الاحتلال؟ أو الموقف من مشروع إقامة دولة في قطاع غزة على حساب جزء من أراضي سيناء؟
وتبقى العبرة دائماً بالأداء في الميدان وعلى أرض الواقع، وهو ما لم يُغفل خالد مشعل الإشارة إليه في وثيقته المشار إليها سابقاً حيث قال:
قد يتساءل البعض أين الواقع من هذا الكلام الجميل؟ وأين الأداء على الأرض؟ نقول إن أداء الحركة على الأرض كأداء كل البشر، يحتمل الصواب والخطأ. لكنه في حالتنا كحركة، فإن الصواب ولله الحمد هو الغالب، حيث الأداء منسجم كثيراً مع ما هو معلن من مبادئ وقيم، وأحياناً تكون هناك إما ثغرات أو أخطاء أو أحياناً صور ملتبسة، قد توهم أن ثمة تعارضاً أو تناقضاً مع ما هو معلن. وبكل وضوح نقول: حتى لو أخطأنا في الاجتهاد، وحتى لو التبست بعض الصور، فالمعيار هو ما ذكرناه، أي تلك المبادئ والثوابت أو السياسات والمواقف المذكورة أعلاه .
النتائج
يخلص الباحث في نهاية هذه الدراسة إلى النتائج التالية:
1- الوثيقة السياسية الجديدة لم تُلغ الميثاق، وهو ما تمّ تأكيده من قبل أكثر من قيادي في حماس، ولعل أبلغ تعبير عن ذلك ردّ الفعل الإسرائيلي، حيث أعلن نتنياهو؛ رئيس الوزراء الإسرائيلي أن حماس تحاول تضليل العالم وخداعه، و”أن وثيقة حماس الجديدة تلفيق كامل للحقيقة، وتنص على أنه ليس لإسرائيل أيّ حقّ بالوجود، وأن كل سنتيمتر من أرضنا يعود للفلسطينيين، وأنه لا حلّ مقبولاً إلا بزوال إسرائيل”، واتهم نتنياهو حماس بأنها تريد “استخدام الدولة الفلسطينية لتدمير إسرائيل” .
2- لا يمكن الربط بين إصدار الوثيقة السياسية الجديدة للحركة، وانتخاب قيادة المكتب السياسي الجديد للحركة، ومغادرة خالد مشعل منصبه رئيساً للمكتب، إلا فيما يمكن أن يُسمى تكريماً للرجل بأن تصدر عن الحركة وثيقة مهمة بهذا الشكل، ويعلنها بنفسه قبل مغادرة كرسيه بعدة أيام.
3- يرى الباحث أنه لا جديد في وثيقة حماس السياسية فيما يتعلق بالثوابت والمبادئ العامة الوطنية، لكنها تشتمل على تأكيد مواقف الحركة التي كانت أعلنتها بعد إصدار ميثاق 1988، وهي بمثابة توثيق للتطور التاريخي في الفكر السياسي للحركة.
4- لا يُفهم من نصوص الوثيقة الجديدة، خصوصاً فيما يتعلق بموافقة الحركة على دولة في حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 أنها تكرار لتجربة منظمة التحرير الفلسطينية، فهناك اختلاف واضح في النص ومفهومه في كلتا الحالتين، وهو ما أكدته الحركة بالتأكيد على أن القبول بدولة في تلك الحدود لا يعني القبول بشرعية الاحتلال.
5- تمكنت حماس في الوثيقة الجديدة من تقديم نفسها بلغة جديدة يفهمها المخاطَبون الجدد والقدامى على حدٍ سواء، وبصياغةٍ تراعي أبجديات الخطاب الدولي والإقليمي، كما أنها تمكنت من إعادة توصيف نفسها بما يضمن سدّ الذرائع عن اتهامها بالإرهاب، وتسهيل عملية تبني القضية الفلسطينية من قبل الأطراف الصديقة أو الداعمة لحماس.
6- تقدم حماس من خلال فكرها وأدائها السياسي نموذجاً تؤمن به وتمارسه عملياً وهو الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التمسك بالثوابت والمرونة والانفتاح، والسعي الدائم إلى المزيد من التطور والفعالية والتجدد والإبداع، بما يوصل إلى النجاح وتحقيق الأهداف، ويعزز الثقة والرضا لأبناء الحركة .
7- يبدو واضحاً غياب الخطاب الديني في الوثيقة، وهو الذي كان مسيطراً في الميثاق، وهذا يمكن فهمه الآن وفي هذه الظروف بحاجة حماس إلى الخطاب السياسي متجرداً من الخطاب الديني العاطفي، وإن كان لا يمكن إغفال استحضار الديني في التأكيد على أن الإسلام هو المرجعية الفكرية للحركة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات