تشهد الساحة الفنية العربية في السنوات الأخيرة محاولات لتشويه ملامح الصراع الفلسطيني والإسرائيلي، من خلال إطلالات لكتاب عرب على مواقع التواصل الاجتماعي وأعمال فنية ودرامية، لعل آخرها مسلسل “أم هارون”، الذي يمهد للتطبيع مع الاحتلال، وتعرضه قناة mbc في رمضان الحالي، وبإنتاج إماراتي.
وبعد 72 عاما من النكبة الفلسطينية، تجد الدراما الفلسطينية، وربما العربية، نفسها أمام تحد كبير، أمام آلة إعلامية ضخمة تديرها كبريات الشركات الصهيونية العالمية في الغرب، والتي تسوق لروايتها.
ورغم ضعف الإمكانيات، إلا أن الدراما العربية نجحت في إنتاج أعمال ستظل راسخة في الأذهان لأجيال، لعل أشهرها مسلس “التغريبة الفلسطينية”، والذي يعد الأضخم والأقوى، وأنتج عام 2004، وكذلك، “الاجتياح”، و”عائد إلى حيفا”، و”الفدائي”، وغيرها من الأعمال التي تركت بصمتها في وعي المتابع العربي من ذلك الجيل، عندما كانت الدراما في خدمة القضية الفلسطينية.
كما تصدر أدباء، كجبرا إبراهيم جبرا، وغسان كنفاني، ومحمود درويش، وتوفيق زياد، وسميح القاسم، وفدوى طوقان، وعز الدين المناصرة، ومحمد حسيب القاضي، وغيرهم، منبر الأدب الفلسطيني، وكتبوا عن القضية والشتات والفدائيين والأقصى، بمداد لم ولن يجف في وجدان الذاكرة الفلسطينية، ومع رحيل عمالقة الأدب الفلسطيني الأوائل، تجد الساحة الأدبية الفلسطينية اليوم نفسها عطشى لا يروي ظمأها إلا من ساروا على درب من سبقوهم.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت انعطافات خطيرة و”نكبة جديدة”، بحبكة درامية صاغتها أنظمة عربية، فأفرزت أعمالا فنية تستهدف حرف الوعي وطمس الحقائق المتعلقة بالقضية الفلسطينية والمقاومة، وطبيعة العلاقة مع الاحتلال، ناهيك عن برامج أضاعت الهدف الحقيقي من وجودها أساسا فباتت فارغة المحتوى تائهة المضمون.
“كي الوعي”
وصف سمير عطية، مدير بيت فلسطين للشعر وثقافة العودة، ما يجري منذ عقود في مدارات القضية الفلسطينية، بمصطلح (كيّ الوعي)، وأنه المختصر الحقيقي لما يجري منذ عقود في التاريخ والجغرافيا والسياسة والإعلام والديمغرافيا على الأرض.
وأوضح في حديثه لـ “قدس برس”، لأن الثقافة هي الرهان الحقيقي في التغيير بالقضايا طويلة المدى؛ التفت العدو الصهيوني ومن اتفق معه، على تغيير مفهوم القضية على اعتماد (كيّ الوعي).
وقال: “للأسف الشديد، فإن اتفاقيات التسوية السياسية فلسطينيا وعربيا استجابت لشروط العدو المحتل في بنود الاتفاقيّات في الثقافة والفن؛ وانتقلنا من مرحلة الشعب المظلوم المحاصَر والمُشرَّد، إلى روايات أحقية العدو بفلسطين، فسعى لتهويد التاريخ الديني والثقافي والتراثي، وسرق الأغاني وصادر كتب الفلسطينيين ومجلاتهم وصحفهم ونسبها إلى حضارته المزعومة، وأنه يشكل امتدادا طبيعيا للحضور في زمن الغياب!”
وأردف: “ربما من المفيد أن نعود إلى جوهر (كيّ الوعي) بل ومن الضروري، لنفهم كيف غابت حكايتنا عن الشاشات لنرويها إلى الأجيال، وبدأت تحضر روايات الصهاينة والمحتلين”
وتابع: “ابحثوا عن بعض النظريات الثقافيّة التي بدأت بسلخ المفاهيم، بعيدا عن القيم الوطنية والأخلاقية، لتعرفوا كيف يدعم الصهاينة وجوده على الأرض، وكيف يعمل على تزييف التاريخ وفرض حكاية جديدة لها مسوغاتها الثقافية وجاذبيتها الجماهيرية لدى الضحيّة وبتمويل من أعوانه وبمباركة منه!”، في سياق تشخيص “عطية” للمشكلة الثقافية.
سبل المواجهة
ويرى “عطية”، أن هذه الحرب الثقافية والفنيّة تحتاج إلى ما أسماها “هجمة مرتدة ” عاجلة، بل إلى خطوات سريعة ومدروسة لوقف هذا الطوفان الصهيوني، ولخص هذه الخطوات، بـ “كشف الزيف والباطل في الروايات الفنية الدرامية المنحازة لرواية المحتل وتخدم مشروعه، وهذا يتطلب الاستعانة الجادة بالأدباء والفنانين والمثقفين والإعلاميين وإيلاء تخصصهم الثقة والانطلاق”
وثاني هذه الخطوات، “الوصول إلى أجيالنا الشابة، وعدم تحييدهم، بل العمل على بناء الفكر السليم والوعي الوطني والدور المطلوب منهم، وتفعيل طاقاتهم برؤى مرحلية واستراتيجية”
أما الخطوة الثالثة، لمواجهة هذه الحرب الثقافية، فيرى “عطية”، أنه لا بد من “إعادة التموضع للثقافة في المشروع الوطني للمقاومة ووضعها في مقدمة الأولويات، ودور الآداب والفنون فيها وإتاحة الأدوات لنجاحها، وتفعيلها لما لها من تأثير مهم ونوعي، والتعامل السَّليم مع الثغرات التي استطاع العدو الصهيوني أن ينفذ من خلالها، وأن نعمل على علاجها وفق الأدوات المناسبة”
وأخيرا، إعادة التقييم للمُحتوى الذي يُقدّم لتقديم القضية وجمهوره وكثافته وغزارته وتأثيره، والمساحات التي غاب عنها أو قدّم فيها القليل، لإعادة توزيع الجهود وتنسيق العمل وتركيز المُنتج، وفق عطية.
مواجهة الدراما التطبيعية
المخرج الفلسطيني، نورس أبو صالح، أشار إلى وجود أعمال فلسطينية لا ترتقي لتمثيل القضية الفلسطينية، فضلا عن اهتمامها بجوانب أخرى أو محاولتها استحضار النكتة في المجتمع الفلسطيني.
وقال في حديثه لـ “قدس برس”: “الحقيقة لا يؤلمنا أن تكون النكتة حاضرة، لكن الفرق بين أن تكون إبداعية هادفة أو تهكمية على التراث، وهذا يؤدي إلى تفريغ قضيتنا من محتواها للأسف، وإلى صياغة النكتة في سياق مختلف بعيدا عن هموم الشعب الفلسطيني”، مشيرا إلى وجود خلل في الاهتمام في أولويات القضية الفلسطينية.
وشدد على ضرورة دعم الأعمال الفنية الوطنية، حتى تكون قادرة على مواجهة الموجة الدرامية التطبيعية، خاصة أن القائمين على إنتاج مسلسلات تهدف إلى تطبيع وتمييع العلاقة مع الاحتلال، يقدمون لإنتاجها دعما كبيرا وقويا وهو ما ينعكس على جودتها.
منوها: “نحن هنا لا نتحدث عن السيناريو، وإنما عن جودة التصوير، واختيار الممثلين ومواقع التصوير، وأيضا وجود منصة تعمل على انتشار هذا العمل، وللأسف، الأعمال الوطنية الفلسطينية تفتقر إلى كل هذه العوامل مجتمعة، وذلك بسبب غياب الإرادة نحو إنتاج درامي مميز ومحترف”
وعلى الطرف المقابل، أكد “أبو صالح”، أن القضية الفلسطينية لن تعدم الأدباء حتى لو رحل الكبار كمحمود درويش، وسميح القاسم، وغسان كنفاني، وفدوى طوقان، وغيرهم، وستولد دائما أصوات جديدة تعبر عن حال الشعب الفلسطيني، لكن يجب أن يسلط عليها الضوء، وأن يتم دعمها والتعريف بها في المنصات والمنابر، حتى تصل وتؤثر إيجابا في الوعي الفلسطيني وتثبيت توجهات الشعب الفلسطيني الراسخة منذ النكبة وحتى اليوم.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات