خطة إيران للسيطرة على الشرق الأوسط (3ـ3)

تصدير الرعب والإرهاب والأسلحة والحرب للمنطقة

كي تتغلب إيران على حاجز اللغة للتواصل الفعال مع الميليشيات المتعددة الجنسيات التي تقاتل في صفوفها، جاءت بمقاتلين لبنانيين كمدربين.

وكان أحد هؤلاء, والذي يعرف العملية الكاملة لتجنيد وتدريب ونشر المقاتلين الموالين لإيران هو «حيدر» ، وهو قائد في حزب الله وافق على لقاء مع موقع “بازفيد نيوز” في وقتٍ سابقٍ من هذا العام في جنوب بيروت، وطلب عدم نشر اسمه الأخير وتفاصيل هويته الأخرى، خوفًا من الانتقام.

انضم «حيدر» إلى حزب الله في أوائل التسعينات، وحارب مرارًا ضد (إسرائيل)، بما في ذلك حرب صيف 2006، التي كانت آخر الصراعات الكبرى بين الطرفين.

وقال إنّه قد أُرسل مع العديد من زملائه لتدريب الميليشيات في العراق، وقال إنّ مدربي حزب الله قد أُرسلوا أيضًا إلى اليمن لإعداد المقاتلين الحوثيين قبل استيلائهم على العاصمة صنعاء عام 2015، وساعد «حيدر» بنفسه في إعداد المقاتلين في سوريا والعراق.

وقال: «ندربهم على جميع أنواع أسلحة الشوارع. وأولًا قبل كل شيء، نعطيهم درسًا جيدًا في حرب العصابات. نأخذهم إلى الميدان، ونقدم له دروسًا أساسية، ثم نحدد الخسائر ونناقش أخطاءهم».

ويتم اختيار الشباب أقوياء البدن للمهام القتالية، بينما كبار السن والشباب الأضعف في البنية يتولون مهام الاتصالات واللغة، ويتعلمون اللغة العربية والفارسية. وقد تم تبسيط النظام بأكمله على مر العقود، وتحول إلى آلة لإنتاج المقاتلين المدربين تدريبًا جيدًا.

وعبر «حيدر» عن سعادته بما قام به في جنوب لبنان عام 2006 وحلب عام 2015، وقال إنّه يأمل أن يتكرر ذلك في الجليل، مشيرًا إلى الجزء الشمالي من (إسرائيل).

وفى يومٍ من أيام يناير الماضي، وصل مدربون أمريكيون يرافقون مجموعة من الجنود العراقيين فى تدريباتٍ إلى نقطة تفتيش عند مدخل جبال حمرين شمالي بغداد، وكان من المتوقع أن يعبروا خلالها، وبدلًا من ذلك، أوقفهم مقاتلو حركة النجباء، الذين كانوا يشغلون نقطة التفتيش، وقال مسؤولون عراقيون وحساباتٍ صحفية محلية إنّ القوات الامريكية والعراقية تراجعت في نهاية الأمر، واتجهوا إلى معسكرهم.

وكان هذا الحادث واحدًا من الأحداث التي تبين رغبة الميليشيات الإيرانية في استعراض العضلات في جميع أنحاء المنطقة، وتناغم أهدافهم مع الأهداف الأمريكية.

وفي العراق، دفعت الحرب ضد تنظيم الدولة القوات شبه العسكرية لتصبح قوةً عسكرية وسياسية هائلة، مع ما يصل إلى 172 ألف رجل.

ولدى الميليشيات الشيعية في العراق الآن محطات تلفزيونية خاصة بها، وشركات بناء، وحتى أنّها ترعى نوادٍ لكرة القدم، وهم يسيطرون على شبكات رعاية واسعة توفر فرص العمل لآلاف من العراقيين الفقراء.

وفي العام الماضي، أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي عن خطط الاعتراف بالجماعات شبه العسكرية التي تسمى رسميًا وحدات الحشد الشعبي، كفرع من القوات المسلحة، اعترافًا بقوتها المتنامية. واتخذت ميليشيات “عصائب أهل الحق”، مواقع على الخطوط الأمامية المتاخمة لمدينة تلعفر.

وفي اليمن، استولى المقاتلون الحوثيون على العاصمة صنعاء، مما دفع القوات الموالية للحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة إلى محاولة استعادتها. وقد أصيب المسؤولون الأمريكيون بالصدمة بعد أن بدأ الحوثيون استخدام قوارب بدون قائد خاضعة للتحكم عن بعد، وإطلاق صواريخ أرض بحر ضد السفن بطول مضيق باب المندب، وهو نقطة عبور رئيسية لإمدادات الطاقة العالمية. وقد استخدم حزب الله الصواريخ سابقًا لتعطيل السفن الإسرائيلية خلال حرب 2006 في لبنان.

وأكثر ما يبعث على القلق هو الطريقة التي تستخدم بها الميليشيات القوة العسكرية لتدعيم التغيرات السياسية المحتملة على المدى الطويل. وعلى سبيل المثال، قد يكون التدخل الإيراني قد ساعد في تحويل الحوثيين من تمردٍ قبلي ضد حكومة صنعاء إلى حركة طائفية تبنت شعارات مناهضة لـ (إسرائيل) ومناهضة للغرب، وموالية لطهران.

وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، يشعر حلفاء إيران بالقوة والدعم. ووقف دونالد ترامب في الآونة الأخيرة إلى جانب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري لمحاربة حزب الله، وهو على ما يبدو غير مدرك أنّه كان يقود  حكومة تضم أعضاء من تلك الجماعة المسلحة. وقال «حيدر»، القائد في حزب الله، «إنّنا ننتصر. انظر من الذي يدير لبنان. انظروا من يسيطر على صنعاء وبغداد».

وهناك في سوريا، قصص كثيرة حول استيطان الأسر الشيعية من العراق ولبنان للأراضي التي هرب منها السنة بسبب الحرب. وقد أصبح من الواضح بشكلٍ متزايد أنّ حلفاء إيران يحاولون إنشاء مواقع بالقرب من الحدود عند نقاط العبور الرئيسية العراقية، وعلى الحدود مع (إسرائيل) في مرتفعات الجولان المحتلة.

وقد بدأ الحلفاء الأمريكيون وإيران أيضًا في تأمين جيوبٍ داخل سوريا.

وفي 18 مايو ، رصد مسؤولون أمريكيون مجموعة بالقرب من قاعدة نائية في جنوب سوريا بدت كقافلة من 20 سيارة أو نحو ذلك «يتقدمون داخل منطقة نزاع قائم»، وفقًا لبيان البنتاجون.

وقد أرسلت الولايات المتحدة طائرتين مقاتلتين كاستعراض للقوة لوقف تقدم ما اتضح أنّها فيما بعد قافلة من الميليشيات المدعومة من إيران، وقيل إنّ القافلة رفضت العودة، وبدأت الولايات المتحدة ضرباتٍ جوية دمرت ما لا يقل عن سيارتين.

ويعمل المسؤولون الأمريكيون بشكلٍ متزايد على استراتيجيات لمواجهة تزايد قوة حلفاء إيران وميليشياتها. وقال جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي خلال زيارته للسعودية في أبريل الماضي: “إنّنا نراقب تأثير إيران على المنطقة من خلال الميليشيات التي تبقي عليها .. في كل مكانٍ ننظر إليه، إذا كان هناك مشكلة في المنطقة، تجد إيران».

 

إيران هي «أمنا»

وحشد حلفاء الولايات المتحدة الإقليميون الموارد اللازمة لمراقبة الميليشيات الإيرانية, ويستخدمون في ذلك المراقبة الإلكترونية وشبكات المخبرين في جميع أنحاء المنطقة. وقال عميدٌ متقاعد ورئيس سابق لقسم الأبحاث إنّ «(إسرائيل) تعرف ما تقوم إيران ببنائه، ومن يعمل معهم، وما هو برنامج التدريب، ومكان التدريب».

وأضاف: «إنّنا نواصل البحث عن سبل للبدء بإبطاء ذلك، حتى تكون لديهم قدرات أقل عندما تبدأ الحرب الكبيرة».

لكنّ خبراء آخرين يجادلون بنهجٍ أكثر دقة لمواجهة الفيلق الإيراني الذي يتضمن بعدًا أيديولوجيًا وعسكريًا. وقد يحتاج أي جهد ناجح لمواجهة إيران إلى الاستفادة من الأصوات السياسية التي تعارض أعمالها بالفعل.

وفي الدول العربية ودول جنوب آسيا، حيث يتم تجنيد المجندين، يثير البرنامج الإيراني الجدل إلى حدٍ كبير. وقد أغلقت باكستان هذا العام جمعية خيرية يُشتبه في تجنيدها للشباب الشيعة في لواء “زينبيون” للمحاربة في سوريا, وفي الوقت نفسه حذر المسؤولون الأفغان من أنّ ما يصل إلى 18 ألف رجلٍ يقاتلون في سوريا.

وينقسم الإيرانيون أنفسهم حول دعم النظام للميليشيات, ووفقًا لمسحٍ أجراه مركز الدراسات الدولية والأمنية في 28 يوليو، يوافق 39% من الإيرانيين على الحد من دعم النظام لحزب الله ونظام الأسد مقابل تخفيض العقوبات الأمريكية، مقابل معارضة 58%.

ويوجد داخل إيران بدايات انتقادات عامة لم يسبق لها مثيل للبرنامج.

وفي 22 أبريل من هذا العام، قام طالبٌ إيراني في مدينة تبريز بإحداث ضجة عندما تحدث ضد دعم إيران للجماعات المسلحة في المنطقة, وقال إنّ «نظرية البرنامج هي تصدير الرعب والإرهاب والأسلحة والحرب للمنطقة».

وبعد أسبوع، تساءل عمدة طهران السابق؛ غلام حسين كرباسجي، في منتدى عام حول إرسال إيران للمقاتلين في جميع أنحاء المنطقة, وقال: «نريد السلام في سوريا ولبنان واليمن، ومثل هذه الدول، ودعم المضطهدين وتدعيم الشيعة. لكن هل يمكن تحقيق ذلك فقط من خلال تقديم المال وشراء الأسلحة والقتل والضرب؟».

وفي سوريا، وكذلك في العراق واليمن، أثبت المقاتلون المدربون من قبل إيران قيمةً لا تقدر بثمن في دعم حلفاء طهران. وقد عملت سوريا كمدرسة نهائية للمجندين، كمكانٍ يتم فيه صقل مهاراتهم القتالية في حالات القتال، وربما الحرب الأكثر تطرفًا وتعقيدًا في الجيل الحالي.

وقال أحد المقاتلين العراقيين، الذي ذهب كثيرًا إلى الضواحي الشرقية لدمشق بين الدورات التدريبية التي تدوم أسابيع في إيران: «في سوريا، لم يكن هناك يومٌ واحد يمر دون إطلاق النار”. وأضاف: «في العراق، نحرر 50 كيلومترًا في يومٍ واحد. وفي سوريا يستغرق الأمر 15 يومًا للتحرك 50 مترًا».

وفي صيف عام 2015، تم إرسال «الفريداوي» (سبق الحديث عنه في الحلقة الأولى) إلى جنوب حلب. وقد طار من مطار الأهواز الإيراني إلى دمشق، ثم توجه للمساعدة في محاولة لكسر حصار الفوعة وكفريا.

وأضاف: «لقد قدمنا ​​40 شهيدًا في معركة واحدة. وأكمل: لكنّ الإيرانيين كانوا إلى جانبنا، وكانوا يقودوننا».

ويُنظر للمقاتلين من حزب الله أو عصائب أهل الحق، في مجتمعاتهم الخاصة، على أنهم أبطال يخاطرون بحياتهم يوميًا لحماية شعوبهم.

وخلال محادثاتٍ مطولة، تحدث «الفريداوي» مرارًا عن سلام أبو طيبة، وهو قائد عصائب أهل الحق الشهير، الذي جُند وتلقى تدريبًا معه في إيران، وقاتل إلى جانبه في العراق وسوريا، قبل أن يُقتل في معركة العام الماضي.

وقال «الفريداوي»:«في الأيام الأولى لم نحصل على رواتب، لقد قاتلنا من أجل معتقداتنا، من أجل الشيعة».

وفي يناير، عندما التقى هو وصديقه «كاظم» مع موقع “بازفيد”، كان يستعد للعودة إلى إيران، وهذه المرة لمهمة تدريب لمدة 45 يومًا، وقال إنّه يتطلع إلى ذلك، على الرغم من أنّه كان يعلم أنّه سيتم منعه من تدخين الشيشة التي يحبها، ومن استخدام الهواتف المحمولة لفترة طويلة أخرى.

وقال: «أشعر أنّ إيران هي أمنا».

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …