بعد ست سنوات من الثورة الشامية العظيمة التي قدمت ضحايا تقازمت أمامها ثورات الأرض, في ظل التآمر العالمي الذي لم تتعرض لمثله ثورة في تاريخ العالم، يجدر بنا الغوص في المتسببات عن تفشيل المشروع الوطني للثورة الشامية ولا يزال، يأتي هذا الطرح في ظل مؤتمر “الأستانة” التي نجد حرصاً رهيباً من روسيا على أن تستبعد منه “هيئة التفاوض” و”الائتلاف الوطني”، يرافقه حرص أكبر على إدخال الجماعات الشامية المسلحة لساحة التفاوض وهي التي سبق أن رفضت روسيا ودول إقليمية مشاركتها في مؤتمر جنيف وغيره.
لا بد من البحث عن الذات وسببها ودورها في تفشيل المشروع الوطني, وقد خاطبنا القرآن {قل هو من عند أنفسكم}, ولا شك أن القوى السياسية والعسكرية لها الدور الأكبر في تفشيل المشروع الوطني الموحد، فقد عجزت عن تمثيل الثورة بشكل كافٍ، ولم تفلح في تقديم نفسها على أنها البديل للعصابة الطائفية، فلم تنقل مكاتبها وفعالياتها إلى داخل الأرض المحررة لتتملك مصادر ومنابع القوة التفاوضية وتعززها مع الوقت، وبالتالي تفرض نفسها قوة لا يمكن الاستغناء عنها على الأرض، وفشل الجسم العسكري التابع للقوى السياسية في الائتلاف عن فرض ذاته على القوى العسكرية السياسية يوم كانت هناك هيئة أركان ونحوه، فظل كل فصيل يغني على ليلاه.
سيحدثونك عن دور الجماعات الجهادية وغيرها في هذا التفشيل، ولكن بالمحصلة لو لم يكن هناك فراغ لما ملأه أحد، وحين تحررت إدلب وكانت نصف حلب أو أكثر بأيدي المجاهدين لم نر أي دور للقوى السياسية ولا للقوى العسكرية التابعة للائتلاف وغيره داخل الأراضي المحررة، وكنا نرى المفاوضين والسياسيين يطيرون من خارج سوريا، ولا نرى وجوداً لمعظمهم بين الثوار والشعب السوري ليستمدوا قوتهم ودعمهم منه، بينما كنا نرى القوى الكردية لا تلتقي بالآخر إلا في داخل أراضيها التي سيطرت عليها.
برزت خلال الثورة ظاهرة المفاوض الفردي؛ إذ إنه بالأمس يكون الشخص قائداً في هذا الجسم الثوري أو ذاك، واليوم نراه مستقيلاً من منصبه ولكنه يواصل نفس المهمة، وهو ما تسبب في خلط الأوضاع، ما ساعد على تشتيت المشروع الوطني أولاً، وقدم المبررات التي يبحث عنها العدو من أنه لا ممثلين للثورة.
تبقى مسؤولية الدول المؤيدة للثورة التي فشلت فشلاً ذريعاً في دعم المؤسسات الوطنية للثورة الشامية، فلا منظمة التحرير الفلسطينية كان بإمكانها أن تكون جسماً موحداً ممثلاً للشعب الفلسطيني، ولا التحالف السباعي للمجاهدين الأفغان ولا المجلس الوطني الليبي كذلك، لو لم يكن هناك توحيد للدعم السياسي والقانوني والمالي والعسكري لهذه القوى، ولكن في الحالة الشامية كان لكل دولة للأسف فصائل وقوى عسكرية، ودخل الكل على الخط، ما شرذم الثورة وفصائلها، وهو ما يدفع الشعب السوري والثورة الشامية ثمنه حتى الآن.
لا بد لكل جهة أن تحترم العنوان الذي تحمله؛ فالقوى العسكرية شرعيتها عسكرية، والقوى السياسية شرعيتها سياسية, وكذلك الإعلامية والقضائية وغيرها، وعلى كل قوة أن تعمل على شرعيتها وألا تتداخل الشرعيات بين هذه القوى، فلا السياسي يعمل عمل العسكري، ولا الإعلامي يعمل عمل القضائي، ولا المستقيل الذي خرج من الباب يعود من الشباك ليمارس نفس مهامه يوم كان مسؤولاً, ومتحللاً من المحاسبة والمساءلة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات