يوما بعد يوم, تترسخ الأقدام الإيرانية في الشام، ويوما بعد يوم تنسحب ظاهريا الأقدام الأمريكية والروسية منها بذرائع لا تخدم سوى الوجود الإيراني الصفوي، يساعدها في ذلك الانسحاب العربي المريب تماما كما حصل في التجربتين العراقية ومن قبلها الأفغانية، لإخلاء الطريق والأرضية للصفويين ليس في تثبيت وجود سياسي فحسب، وإنما الأخطر منه تغيير ديمجرافي تكون تداعياته الخطيرة على المنطقة برمتها وليس على أهل الشام فحسب!
لنستذكر التاريخ القريب، فذاكرة الكثيرين أضحت مثقوبة للأسف، فالغزو الأمريكي لأفغانستان جاء للقضاء على تنظيم القاعدة وطالبان وتثبيت حكم ديمقراطي، ولكن كل المؤشرات تؤكد أن المستفيد الأول والأخير في أفغانستان هو الوجود الصفوي الإيراني الذي أمسك بتلابيب معظم مفاصل الدولة، يساعده في ذلك تهميش الأغلبية البشتونية بحجة وذريعة طالبان البشتونية، مع اتهام الأغلبية السنية بالإرهاب والقاعدة والدواعش وغيرها من التصنيفات الجاهزة المعلبة.
أما في العراق فلا أسهل من اتهام أي سني بالصدامية والبعثية والتكفيرية والزرقاوية والداعشية والقاعدية ..و.. و، وبالتالي يظل الحشد الشعبي وتفرعاته التسعين المنضوية كلها تحت الأوامر الصفوية حمائم سلام بالنسبة للغرب والشرق.
أفلحت إيران مع الانسحاب العربي من العراق وأفغانستان في بسط ميليشياتها الطائفية فيهما، ويوم أعياها وجود كادر بشري شامي طائفي لفرض حكم الطائفيين الأسديين استوردت وشحنت الطائفيين من أفغانستان وباكستان ولبنان والعراق من أجل سحق ثورة الشاميين، ولكن هذه المرة بغطاء جوي روسي وأمريكي، ومن قبل كان الغطاء أمريكيا ولا يزال، والكذبة الروسية التي سعت إلى الترويج للقضاء على داعش والإرهابيين لم تكن في حقيقتها إلا السعي للقضاء على بيضة الثورة الحقيقية؛ حلب وثوارها الحقيقيين، وإلا فلماذا تصمت صمت القبور عن انتصارات داعش في تدمر، وتصمت معها على داعش في دير الزور والرقة وغيرهما، بينما هي مشغولة في التغطية على تصفية الثوار في وادي بردى وريف دمشق، وتتشدق بأنها الضامن للهدنة التي لم تكن إلا في مناطق ضعف الطائفيين.
الظاهر بعد الانسحاب العربي المريب من الساحة الشامية وتحديدا مع معركة حلب، وجدنا ابتلاع تركيا للطعم الروسي وتصديقها أن ثمة تسوية سياسية في الشام، فكان الانسحاب من حلب، ومع الفشل التركي في معركة الباب بدعم روسي، جاء الطلب التركي من التحالف الدولي للمساعدة، وللمساعدة شروطها واشتراطاتها التي لا نعرف تفاصيلها إن تمت، خصوصا وقد تصاعد استهداف أمريكا لقادة فتح الشام، وظهر مع هذا استبعاد روسي وتركي لهيئة التفاوض والائتلاف الوطني من مفاوضات الأستانة، ومع هذا لا يزال الإيراني ومعه حثالاته يشوشون على الاتفاق على الأرض، ويتزامن هذا مع إعلان روسيا الانسحاب، وكأنها تريد أن تقول لتركيا إنها معركة إقليمية بينكم وبين إيران، وهو ما حصل تماما مع الانسحاب الروسي من أفغانستان أواخر الثمانينيات، والانسحاب السياسي الأمريكي منها أيضا, فكانت معركة باردة بين إيران وباكستان على أفغانستان.
اليوم تتجدد ولكن بنكهة دموية, عراقيةِ التجربة, لا تقوى تركيا على مواجهتها بعد أن فتحت على نفسها ثلاث جبهات وهي جبهات داعش, والأكراد, وفتح الشام, وخلقت شرخا حتى مع حلفائها السياسيين في الشام، بينما إيران تواصل تعزيز أوراقها بشكل يومي.
المختصر المفيد.. لا مشروع سياسي ولا تسوية سياسية دون مشروع عسكري وأوراق عملية على الأرض، ومن ليس لديه تلك الأوراق على الأرض فلا مكان له على طاولة المفاوضات.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات