الطعن في الرئيس محمد مرسي, بمناسبة وبدون مناسبة, أصبح شغل بعض الفارغين الشاغل. وبدل أن يستغل هؤلاء مناسبة عظيمة مثل فشل انقلاب تركيا، في رفع الروح المعنوية للقوى الرافضة لانقلاب مصر، وإعادة ثقتها في نفسها وفي الرئيس الصامد الأسير، راح هؤلاء يغمزون و يلمزون. ألا يكفيكم ثلاث سنوات من النقد (أحيانا) والنهش أحيانا أخرى في محمد مرسي؟ متى تبدأون العمل أيها الفارغون؟
لقد أصبح “الطعن” تحت عنوان النقد والتحليل السياسي مملا ومكررا وممجوجا, خصوصا أنه ﻻ يضيف جديدًا في كل مناسبة, وأصبح محفوظا من الصغير والكبير، والمؤيد والرافض, والمحب والكاره. لقد انتهى الأمر؛ وعرف الجميع فيم أخطأ مرسي وفيم أصاب, فلماذا الإصرار على هدم رمزية مرسي والانتقاص من شجاعته وذكائه، وأهليته؟.
وإن كان ما يقول هؤلاء هو “الحق” و”الصدق”, فلنفترض أن مرسي قضى عاما واحدا من الأخطاء المتواصلة، فلماذا يهملون أنه قضى “ثلاثة أعوام” من الصمود والثبات والرجولة والبطولة؟!
لو هرب مرسي مثلكم إلى الخارج لقلنا إن لكم المبرر المعقول، في “تكرار” النقد و”الشتم” بهذه الصورة اللئيمة, أما وإن الرجل مازال صامدا وأسيرا، وبعرف الصراع, فإنه لايزال في ميدان المعركة، وأنتم على الهامش؛ فإن إصراركم على تشويهه في كل مناسبة أمر “مريب” ﻻ يجوز السكوت عنه، ويدخل في باب هدم “الرمز” الرئيس لتضحياتنا، والاستهتار بالأرواح والدماء والأعمار التي بذلت في هذا السبيل تحت قيادة هذا الرجل.
إن من لديه أدنى قدر من معرفة التاريخ والسياسة لا يمكن أن يقارن بين انقلاب مصر 2013 وانقلاب تركيا 2016، فمصر الآن لا تقارن بتركيا الآن إطلاقا.
يمكننا أن نقارن – بصعوبة – وضع مصر الحالي بتركيا في الثمانينات وما قبلها، في أحسن الأحوال؛ وإن كانت مصر (دولةً وشعبًا) تفتقد كثيرا من عناصر القوة التي كانت لدى تركيا قبل 50 سنة. الفجوة الزمانية والحضارية بين الدولتين والشعبين كبيرة، فتركيا الحديثة ورثت دولة “إمبراطورية” هي الدولة العثمانية، وهي تشبه روسيا التي ورثت الإتحاد السوفيتي؛ ولكنها لا تشبه مصر التي ورثت الاحتلال البريطاني. وعلي أي حال فإن الأتراك هم آخر المسلمين عهدًا بحضارة, وأولهم لحوقا بها، بعد انقطاع.
وعلى ما سبق, تفتضح نوايا من يقارن تفاعل مرسي مع الانقلاب العسكري، مع تفاعل أردوغان؛ خصوصا بعدما رأى حجم القوة العسكرية والأمنية والمخابراتبة في يد أردوغان (والتي مكنته فعلا من إفشال الانقلاب), أضف إلى القوة التي يملكها أردوغان، المعارضة العلمانية النظيفة، التي رفضت الإنقلاب، والشعب الذي لم ينقسم حوله.
وكيف نقارن سنة واحدة قضاها مرسي في الحكم بـ 15 سنة قضاها أردوغان، ومن قبله أربكان، وعدنان مندريس، ومحاولات طويلة ومريرة من ترويض العسكر؟ كيف نهمل التاريخ والجغرافيا والحضارة في المقارنة؛ إلا إذا كنا مدفوعين بجهل أو بمكر.
و في هذه المناسبة، لا ننسى أن أصحاب اتجاه الطعن المستمر في الرئيس مرسي، لا يملون من الاحتجاج عليه بآراء الأستاذ حازم صلاح أبو اسماعيل.
وإن كنت لا أريد الوقوع في مثل خطأهم، فإني أؤكد على رمزية وثورية أبو إسماعيل؛ قبل أن أذكر أنه أخفق في إدارة ملفين هامين جدا؛ وهما ملف جنسية والدته، وملف بناء حزب سياسي حقيقي، رغم ما توفر له من شعبية جارفة.
وهذا يؤكد أن أبوإسماعيل بشر يخطيء ويصيب ولو كان مكان مرسي لربما ارتكب أخطاءً أفظع وأشنع، على غرار فشله في إدارة ملفين أقل أهمية بكثير. ومع ذلك، فلا يجوز لعاقل أن يكرر هذا النقد لأبوإسماعيل في كل مناسبة، وبدون مناسبة، إلا أن يكون مدفوعا بهدف هدم رمزية الرجل، والطعن في أهليته.
لقد مر على الانقلاب المصري ثلاثة أعوام، وحفظنا الأخطاء والنقد عن ظهر قلب، ورأينا فشل هؤلاء الناقدين والشتامين، في تقديم أي بديل منطقي، أو عرض أي حل حقيقي, بل إن فريقا من هؤلاء لا يقدمون إلا حلولا على طريقة داعش؛ تارة بإعلان تكفير الجيش والشرطة، وتارة بالدعوة إلى حمل السلاح، والذهاب إلى الحرب؛ وهي دعوات لا يمكن أن تؤخذ على محمل الجد إطلاقا، إذ أنها لا تأتي إلا من الفيسبوك والفضائيات. وحال مروجيها لا يوحي بأن هذا حقا ما يعتقدون من قريب أو بعيد (أسمع كلامك أصدقك .. أشوف أمورك أستعجب).
إن المثل العامي المصري يقول: (اللي مالوش كبير بيعمل له كبير)، فما بال هؤلاء يسعون لهدم كل كبير،وكل رمز، باسم التحليل السياسي، ومعركة الوعي، وقوة الفهم، ووضوح الرؤية؟ والحق أن هذه الأسماء البراقة لم تقنع أحدا على مدار ثلاث سنوات، ولم تقدم، ولم تؤخر؛ لأنها تأتي في إطار الهدم فقط.
سيبقى الرئيس محمد مرسي رمزا للأحرار في العالم كله، في رفض الحكم العسكري، ويبقى قدوة لأردوغان نفسه في الثبات وصلابة الموقف وقوة العزيمة. وسيبقى مرسي في ذاكرة الأمة ووعي الأجيال، حيًا كان أم ميتًا. والأيام دول، والمعارك جوﻻت، (وتلك الأيام نداولها بين الناس).
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات