لعل المتأمل في حال الأمة الإسلامية, وما يجري في معظم بلادها من ركود وتقادم, وأحوال العالم من حولنا, وما يحدث في معظم بلاده من تغيير وتقدم, يستثيره هذا السؤال الذي يتكون من شقين, لاينفصمان, لأن فهم أحدهما مرتبط بالآخر, ويلح عليه: متي يفهم الطغاة؟ ومتي تفهم الشعوب؟!
وإذا رحت تبحث عن إجابة لهذا السؤال علي امتداد التاريخ – القديم والحديث – في ضوء القرآن الكريم, لوجدت:
كم من طاغية يأتي علي أنقاض طاغية, وكم من ظالم يحل مكان ظالم, لكن ما فهم ما حدث, ولا اعتبر بمن سبق, ولا وعي ضرب الأمثال ( وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ ) [إبراهيم: ٤٥]
الأحداث الضخام, والآيات العظام تمر بالطغاة ومن حولهم, تزلزل الجبال, وتهتز لها الأرض, فلا يحس بها منهم من أحد, فهم في حكمهم جائرون, وفي غيهم سادرون, وفي طغيانهم يعمهون!
(أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) التوبة ١٢٦ (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) [يوسف: ١٠٥]
وإذا تساءلت عن سر هذه البلادة التي أصابت الحس فلا يشعر, وطول الغفلة التي أذهلت القلب فلا يفقه, وعن هذه الغشاوة التي غشت الأبصار فلا تبصر, جاءك الجواب من كتاب الله عز وجل: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ) [القمر: ٥] (وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) [يونس: ١٠١] (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: ١٧٩] (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: ٤٦]
وإذا كانت الآيات والنذر لاتغني عن قوم غلفوا قلوبهم, وأعموا أبصارهم, وأصموا آذانهم, لك أن تتساءل, مرة تلو المرة, إذن متي يفهم الطغاة؟!
وإذ بالجواب يأتينا من ذلك الرئيس المخلوع, بعدما أحيط به, وأطبق عليه من شعبه, وقف مرتعدا في آخر خطاب له قبل رحيله بساعتين يقول: ( الآن فهمتكم!).
الآن فهمنا .. ! وتأكد لنا أيضا كما تأكد لك ولغيرنا: متي يفهم الطغاة؟
يفهم الطغاة اللغة الوحيدة, وليس غيرها, التي أذلوا بها الشعوب, وكمموا بها الأفواه, وحبسوا بها الأنفاس.
يفهم الطغاة لغة الذل والقهر عندما يُذلوا ويُقهروا – بضم الأول وفتح ما قبل الآخر – , عندما يحاط بهم, ويطبق عليهم من شعوبهم.
عندها فقط, يفهم الطغاة, بعد فوات الأوان وحيث لايجدي الفهم, مطالب شعوبهم (الآن فهمتكم)!
يفهم الطغاة كما فهم إمامهم الأكبر؛ فرعون, بعد ما أحيط به وأمسكته يد الجبار: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ* آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) [يونس: ٩٠-٩١]
يفهم الطغاة عندما تفهم الشعوب أنها- وحدها – هي التي تصنع الطغاة بذلها, وهي – وحدها أيضا – التي تخلع الطغاة بعزها..
يفهم الطغاة عندما تفهم الشعوب أن الظلم لايرفع عنها إلا إذا سارعت برفعه, وجاهدت من أجل إزالته .. وهذا ما أكده القرآن: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد: ١١] (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) [العنكبوت: ٦٩]
وما طغي الطغاة, ولا ظلم الظالمون, إلا باستخفاف الشعوب, وفسقها, وذلها (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [الزخرف: ٥٤ ]
ولله در من قال:
أنصفت مظلوما فأنصف ظالما .. في ذلة المظلوم عذر الظالم
فعندما تفهم الشعوب أنها تتحمل – أمام الله – مسؤولية طغيان الطغاة وظلم الظالمين .. فتنهض من سباتها, وتسعي لعزها, وتحطم أصنامها, فتتحرر وتتحرر بلادها – من المحتل الوطني – , عندها وعندها فقط يفهم الطغاة .
إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر
ولابـــــــد لليل أن ينجلــــي .. ولابد للقيد أن ينكســــر
ولابد, أن يفهم الطغاة , بعد أن تفهم الشعوب , فلا يرفع الظلمَ إلا المظلوم!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات