د. بدر حسن شافعي يكتب: الإخوان بين مصر والسودان

ربطت بعض التحليلات بصورة سريعة وربما عشوائية بين تصريحات المتحدث الإعلامي لحزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان في مصر؛ ” الذي استقال لاحقا”, بشأن وجود بعض العناصر المتطرفة في السودان، وبين قرار الرئيس البشير بفرض تأشيرة دخول على المصريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18-49 سنة, مع استثناء النساء والأطفال، وكذلك من تجاوز ال49 من هذه الرسوم.

سبب هذا الربط هو نفي السودان الدائم لوجود عناصر إرهابية داخل أراضيه، وهي إحدى الأوراق التي يستغلها نظام السيسي في تعامله مع الخرطوم.  

ومن وجهة نظرنا، فإن هذا الربط يبدو غير منطقي لعدة أسباب أولها، أن القرار تم الإعداد له قبل فترة ” كما وضح في صيغته التنفيذية الصادرة عن الداخلية السودانية، في 3 إبريل، أي قبل تصريحات مسؤول حزب الحرية والعدالة بأيام، بل إنه صدر بناءً على مشروع قرار وزارة الخارجية تطبيقا لمبدأ المعاملة بالمثل نظرا لفرض السلطات المصرية تأشيرات منذ فترة طويلة على دخول الشباب السوداني، بل إن البعض يرى أن القرار الأخير تأخر كثيرا.

وثانيا، فإن فرض تأشيرة الدخول على المصريين القادمين من القاهرة تحديدا لن يضر الإخوان في شيء لأنهم لا يعبرون للسودان عبر المنافذ الرسمية، وإلا سيتم القبض عليهم فورا في المطار، ناهيك عن أن السلطات المصرية تشترط الموافقة الأمنية أولا لمن يرغب في السفر لدول عدة ومن بينها السودان. وبالتالي فمن غير المنطقي أن يعبر أحد من الإخوان عبر هذه المنافذ الرسمية ” الأمنية”.

وثالثا أن تصريحات المسؤول الإعلامي وإن أشارت إلى وجود بعض العناصر ” المتطرفة” في السودان، وكذلك في تركيا، إلا أنها تشير إلى كونها حوادث فردية لا علم للسلطات السودانية بها، كما تنفي أن الجماعة إرهابية وهو نفس المبرر الذي تستند إليه السلطات السودانية في تبرير وجود بعض قيادات وشباب الإخوان بها. صحيح أن هذه التصريحات ربما يكون لها تداعيات في العلاقات بين الإخوان والسلطات السودانية, لكن ما يعنينا أنها ليست لها علاقة بقرار رسوم التأشيرة .

وبالتالي فما دام الإخوان ليسوا سببا في التصعيد السوداني, يبقى السؤال عن دوافع الخرطوم لذلك؟

يمكن القول بأن قرار رسوم التأشيرة يأتي في إطار المناكفة السياسية بين البلدين، واستغلال كل طرف لمجموعة من الأوراق للمساومة مع الطرف الآخر. هذا التوتر ليس وليد اليوم، بل برز إلى السطح منذ الانقلاب العسكري في مصر عام 2013 واتهام كل طرف للآخر بإيواء القوى المعارضة للطرف الآخر؛ “الإخوان في السودان”، والصادق المهدي في القاهرة”، ثم تصاعدت وتيرة الخلاف بعد ذلك بسبب ملف سد النهضة رغم توقيع الاتفاقية الإطارية في الخرطوم في مارس 2015، حيث تتهم القاهرة الخرطوم بتأييد الموقف الإثيوبي على حساب الموقف المصري، ثم بلغ التصعيد ذروته مع قرار مصر في إبريل 2016 ضم تيران وصنافير للسعودية، حيث طالبت الخرطوم بضم منطقتي حلايب وشلاتين الخاضعة للسيطرة المصرية إليها، وراح البشير يلعب على هذه الورقة لتحسين صورته الداخلية والتغطية على ملفي الديمقراطية وحرية الرأي. وبالفعل خاطبت الخرطوم القاهرة رسميا ثلاث مرات بشأن التفاوض حول هذا الملف أو تحويله للتحكيم الدولي، لكن مصر رفضت ذلك، بل ردت باستخفاف, مؤكدةً تبعيتهما للقاهرة.

هذا التجاهل المصري، دفع الخرطوم منذ أوائل العام وبحسب مصادر دبلوماسية سودانية بالقاهرة إلى التأكيد على أن لديها الكثير من أوراق الضغط التي ستظهر لاحقا, ويبدو أن ملف سد النهضة كان أهمها، وهو ما أكدته مصادر دبلوماسية بالخارجية المصرية، حيث أشارت إلى أن بعض الدبلوماسيين المقربين من البشير اشترطوا بشكل ضمني، تنازل مصر عن حلايب وشلاتين مقابل قيام السودان بدور استراتيجي لمصلحة القاهرة في أزمة السد, وهو ما فسرته الزيارة الأخيرة للبشير لإثيوبيا وتأكيده على متانة العلاقات مع أديس أبابا ودعم بلاده للأمن القومي الإثيوبي، ثم جاء قرار التأشيرة الأخير ليصب في هذا الاتجاه أيضا. ويبدو أن الخرطوم تدرك جيدا أن مسألة تسليم مصر تيران وصنافير للسعودية هي مسألة وقت فقط، خاصة مع صدور القرار الأخير لمحكمة القضاء المستعجل بالقاهرة بإسقاط حكم المحكمة الإدارية العليا الخاص بتبعية الجزيرتين لمصر، وما يترتب على ذلك من تسليمهما للمملكة. ومن ثم فإن هذا التصعيد من وجهة نظر الخرطوم قد يؤتي ثماره لاسيما إذا كان مصاحبا لأمور أخرى مثل التلويح بإلغاء اتفاقيات الحريات الأربع بين الجانبين ” التنقل، الإقامة، الملكية، العمل”، والذي جاء قرار التأشيرة ليهدم جزأها الأول، وكذلك منع استيراد بعض السلع المصرية” الخضر والفاكهة والأسماك”  بدعوى عدم ملائمة المواصفات، أو فرض جمارك على سلع أخرى مثل السيراميك بالمخالفة لاتفاقيات الكوميسا وغيرها.

إذن قرار رسوم التأشيرة الأخير لا يمكن تفسيره في إطار تصريحات مسؤول الإخوان التي ربما يتم استغلالها من هذا الطرف أو ذاك للضغط والمساومة على الطرف الآخر. وأبرز دليل على ذلك أن السودان لم يمنع دخول المصريين إليه، بل ربما جاء المنع بداية من القاهرة لدواعي أمنية.

 لكن يبقى في النهاية السؤال عن رد فعل الطرف المصري؛ هل سيكتفي بالتهدئة أو حتى إلغاء زيارة وزير الخارجية سامح شكري وإن كان بيان الخارجية أرجعها لعواصف ترابية وليس احتجاجا على الخرطوم، أم سيقوم نظام السيسي عبر أذرعه الإعلامية بالتصعيد؟ وهل سيمضي قدما في تسليم الجزيرتين للسعودية أم سيتم إرجاء الأمر لتفويت الفرصة على الخرطوم؟ وهل يمكن أن تتدخل السعودية للوساطة بينهما كما عبرت عن ذلك مصادر دبلوماسية مصرية، وما شكل هذه الوساطة؟

هذه التساؤلات ربما تتكشف كليا أو جزئيا خلال الأيام القادمة.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …