لقد استحضرت هذا المعنى بجلاء في الآونة الأخيرة عند عقد مقارنة سريعة بين شعوبٍ خرج بعض أفرادها يؤيدون قتل أخيهم الإنسان، ويناصرون الاعتداء على كرامته وسلب إرادته، بل، ويرقصون ويطربون على أنقاض تضحيات بُذلت، ودماء أُريقت من أجل الكرامة والعزة وبناء مستقبل الإنسان، وشعوبٍ أخرى خرج كثيرٌ منها يزأر كالأسود لنصرة حقوق الإنسان، ومقاومة قوانين العنصرية، والوقوف بجانب اللاجئين والمحرومين من الأوطان أو الاستقرار. تُرى ما السبب في هذا الاختلاف في ردود الأفعال؟ أليسوا جميعًا من بني الإنسان؟ أليسوا جميعا يملكون عقلًا مفكرًا، وقلبًا نابضًا؟ فلم هذا التباين في ردود الأفعال؟. لا أعتقد أن هذا بسبب الدين مطلقًا، إذ الشعوب التي يرضى بعضٌ منها بالذل والهوان، وتهتف باسم الظلم والطغيان، يدين أغلبها بالإسلام الذي يربي أتباعه على نصرة الحق والمظلوم أينما كان، والذي أثبت تاريخه أن العدل والمساواة هما أساس بقاء الأمم والشعوب، في حين أن الشعوب الأخرى التي وقفت تساند المقهورين والمتضررين، وتنادي بالمساواة والعدالة لبني الإنسان لا يأبه كثير من أفرادها بالدين، ولا يعرفون طريق التدين. أدركت على الفور أن الشعوب التي يثور أفرادها لمبادئ الحق والعدالة ونصرة المضطهدين هي شعوب لازالت فطرتها سليمة تنبض بالحياة، ويتحرك فيها روح الإنسان؛ وذلك لأنهم ولدوا أحرارًا في مجتمعٍ يقدس الحرية، وينافح من أجلها، ويُصر عليها، ولا يرضى بالاستعباد أو الطغيان، مما حفظ الفطرة من أن تمسخ طبيعتها بالقهر والإلزام، أو يكتب عليها الفناء بسبب التضييق والقيود. أما الشعوب التي لا تنتصر لكرامتها، ولا تهتز لقتل الإنسان منها، ولا تتمعر غضبًا لرؤية الظلم الواقع عليها، فهي شعوبٌ تخدرت فطرتها، وغُيبت إنسانيتها، يوم أن استسلمت لطغاة الحكام الذين أرادوهم عبيدًا يسمعون ويطيعون، بلا رأي ولا مشورة، ولا حرية في التعبير أو الفكر أو الاختيار، أو ربما حتى في الدين!
ومع مضي الوقت، وتعاقب الأجيال، ضاع مبدأ الحرية، ونسي الناس معناها، وفقدوا طعمها، وسيطرت على عقول الناس أشباح الظلم والظالمين، وأوهام الفاسدين والمرجفين، فضلت أفكارهم، وتبلدت أحاسيسهم، وقتلت فطرتهم، فكانوا بموت الفطرة أبعد عن الدين، بل وعن روح الإنسان المستقيم، أما أصحاب الفطر الحية التي تنبض بالحرية، فهم أقرب إلى الدين، وأكثر استعدادًا لاستشعار معانيه، وترجمة حقائقه ما وجدوا الماهر الرشيد في الوصول إلى أعماق النفوس من خلال إيقاظ إيمان الفطرة واستخدام حرية الفكر والاختيار للوصول إلى متانة الاعتقاد.
لقد بات من الواضح جليا أن نهضة الشعوب وتقدمها يحتاج إلى حرية نزيهة ينبت على قاعدتها الاعتقاد الرشيد، وتترعرع في أجوائها الإرادة الصادقة، وتنمو من خلالها العزيمة الفتية، وتقوى على أثرها الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها. ولعل هذا هو السبب في أن دعوة الإسلام تشترط توفر حرية الاختيار قبل قرار الاعتقاد. يقول تعالى:(لا إكراه في الدين) وقوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، وعلى هذه الركيزة -في الحرية التي تقود إلى الاعتقاد الفعّال- انطلقت نهضة الشعوب الإسلامية في القرون الأولى، وتأسست حضارتها العالمية.
إن محاولة النهضة بالشعوب من خلال منظومة الدين الذي تربى أتباعه على الاستعباد والقهر، وتوارثته الأجيال عبر الانتماء الأجوف والتقليد الأعمى، قبل تحرير العقول والقلوب والأبدان، تُعد مجازفة خطيرة، إذ أنها تجعل الدين شعارات بدون واقع، وطاقة بدون حركة، وروحًا بلا بدن؛ مما قد يؤثر على مصداقية الدين عند بعض الأتباع، ويزيد من شماتة المتربصين وعداوة الحاقدين، وقد يجر ذلك بعض المخلصين من أتباع الدين إلى مواجهات عنيفة لن يصمد فيها إلا الأحرار أصحاب الفطرة السليمة، الذين أبوا إلا أن يعيشوا بالحرية، أو تبقى الحرية رمزا تليدًا تحيى بها الفطرة، ويبقى بها الإنسان عزيزًا كريمًا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات