د. خالد سعد النجار

د. خالد النجار يكتب: إشكالية الحرية بالعالم العربي

«سأخون وطني» كتاب ماتع للكاتب الراحل محمد الماغوط، عرى فيه الوضع العربي الماضي والحاضر والمستقبل، ورغم أن الوضع العربي عريان بالأساس ويبيت أيضا بالعراء، إلا أن قلم الكاتب الساخر أضاف مسحة من الشجن والألم إلى هذا الوضع الكريه لكل نفسي عربي حر، وببراعة فائقة جرح محمد الماغوط الأنظمة العربية المهترئة والمتسترة وراء شعارات الوطنية والتنمية والسيادة والقيادة الرشيدة.

وفي هذه الأسطر نعيش مع صفحات هذا الكتاب في محاولة لتجديد الوعي العربي، وتقديم عمل أدبي حكم عليه عمدا بالغياب لأنه يسير عكس التيار ويتطرق إلى مساحات حساسة في أنظمة شمولية لا تقبل أي هفوة معارضة، ولا تعترف إلا بأقلام التطبيل والتأليه والتوحيد.  

عن معضلة الحريات بالعالم العربي يقول الماغوط:

من تنشق زهرة برية أو طارد فراشة أو سمع سعال عصفور عند الفجر منذ سنوات؟

من تأمل القمر أو الغروب أو شرب الماء براحتيه من ساقية منذ قرون؟

من سمع ضحكة عربية من القلب منذ بدء التاريخ؟

لا شيء غير القتل والنهب وسفك الدماء.

لا أحد يفكر أن هناك طفولة يجب أن تنمو.

شفاها يجب أن تقبل

عيونا يجب أن تتلاقى

أصابع يجب أن تتشابك

خصورا يجب أن تطوق بغير المدى والقنابل والمتفجرات

أيها العرب أستحلفكم بما تبقى في هذه الأمة من طفولة وحب وصداقة وأشجار وطيور وسحب وأنهار وفراشات.

أستحلفكم بتحية أعلامها عند الصباح وإطراقة جبينها عند المساء. لقد جربتم الإرهاب سنين وقرونا طويلة وها أنتم ترون إلى أين أودى بشعوبكم

جربوا الحرية يوما واحدا لتروا كم هي شعوبكم كبيرة وكم هي إسرائيل صغيرة.

وعن الوضع العربي الفوضوي والمرتبك والمأساوي يقول:

أنا العرب دون نفط

وعبد الناصر دون ميكروفونات

أنا المؤامرة على لبنان ولا أستطيع فضحها

مجازر حرب الخليج ولا أستطيع وقفها

المقاومة الفلسطينية تنهار ولا أستطيع دعمها

البطون الجائعة في كل بيت ولا أستطيع إطعامها

الأجساد العارية على كل رصيف ولا أستطيع سترها

الجراح العميقة في كل قلب ولا أستطيع تضميدها

الخناجر المغروسة في كل ظهر ولا أستطيع نزعها

الدموع في كل وجه ولا أستطيع تجفيفها

الجثث المبعثرة في كل خطوة ولا أستطيع دفنها

النسور الحبيسة في كل قفص ولا أستطيع إطلاقها

الحقوق المهدورة في كل مكان ولا أستطيع لمسها

ولكن من جهة أخرى .. لقد دربت الدببة على الرقص

والقردة على الغناء

والبلابل على النعيق

والنمل على الفوضى

والماعز على النظام

والثعلب على الوفاء

والكلب على الغدر

والسنونو على الإقامة

والدجاج على الهجرة

والذئب على التسامح

والبجع على الحقد

والحملان على الصمود

والأرانب على التهور

والضفادع على الصمت

والببغاء على الخطابة

والسمك على النوم

والجراد على الزحف

والسلحفاة على القفز

ولم أستطع تدريب إنسان عربي واحد على صعود الباص من الخلف والنزول من الأمام، فكيف بتدريبه على الثورة؟؟؟.

ولذلك زودت أطفال الشرق منذ الآن بعناوين الأونروا ووكالات غوث اللاجئين، ودربتهم على الوقوف في طوابير الإعاشة وآداب النوم في الملاجئ والاستلقاء في المقابر الجماعية، ودربت قاصراته على آلام الاغتصاب وضرورة التمسك بلعبهن، بحصالات نقودهن، بثياب الموتى من حولهن، ألا يأخذن أبدا بالشعار الذي أطلقته إسرائيل عام 1948 «العرض قبل الأرض» لأن الأرض قبل العرض والطول، قبل بيارات البرتقال وبساتين الليمون، قبل زرقة البحر وغناء الصيادين ومواويل الفلاحين، قبل الزراعة والصناعة والفن والعلم والمعرفة واليمين واليسار، والماضي والحاضر والمستقبل، ولكنها ليست قبل الحرية.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …