د. خالد سعد النجار

د. خالد النجار يكتب: اللامعقول المصدق

لم يتفق لي يوما أن أدخل إلى «بوفيه مفتوح» في أحد الفنادق الفاخرة، ذلك لأنني لست من الطبقة الارستقراطية، ولا لأنني من الوجاهة الاجتماعية، ولكن لأن الأقدار لم تكتب لي ذلك، فكثير ممن حدثوني بالدخول لهذه الموائد العامرة كانوا من البسطاء أمثالي، أحدهم كان سائقا لأحد الحافلات السياحية التي تقل الحجاج والمعتمرين، وبطبيعة الحال كان يدخل إلى هذه الفنادق وينحشر في هذه الموائد، وقد اتفق له من مرات الانخراط أكثر من مرات تناولي الفول والطعمية التي يدمنها غلابة المصريين.

آخر كان مدرسا مصريا بسيطا، لما انهارت السياحة بعد الانقلاب الأخير، بادرت كثير من الفنادق السياحية بعمل عروض وخصومات مغرية على الرحلات الداخلية، بغية إنعاش السياحة الميتة، فسافر هذا المدرس مع عائلته إلى الغردقة ثلاث أيام حدثني فيها عن الجمال والخيال.

هذا فضلا عن أحاديث وقصص الوجهاء والنبلاء والأمراء والباكوات والباشوات والببغاوات، عن طقوس هذه البوفيهات العامرة.

ومن حدثوني عن هذه البوفيهات المفتوحة أثاروا خيالي واندهاشي أكثر مما أثاروا شهيتي، فالموائد عامرة بالمتناقضات كالأسماك واللحوم، والحلو والمالح، والحريف والبارد، ناهيك عن الأصناف التي تحتاج لمترجم لكي يشرح لك ماهية هذه الأكلات الغامضة، وحدث ولا حرج عن امتداد الموائد التي تحتاج لخريطة لكي تسير فوقها بناظريك، وترهق تفكيرك في وضع خطة من أين تبدأ وأين تنتهي، خاصة وأن المعدة لا تتحمل مساحتها كل هذه الكميات، وأي صنف يدخل جوفك بالخطأ ولا يعجبك طعمه هو مخصوم من مساحة المعدة المحدودة، هذا فضلا عن المقبلات والمشهيات والسلطات والمشروبات.

هذه الموائد في تقديري تندرج بالنسبة لي تحت «اللامعقول المصدق» فهو مصدق لأن من حدثوني ثقات، وعددهم يدخل في حيز التواتر الذي يستحيل معه الكذب، وأما اللامعقول لأني أطالع يوميا في نشرات الأخبار مجازر أهلينا في سوريا والعراق واليمن وليبيا وبورما وسيناء .. وتقاير عن الغازات السامة والسجون السرية والاختفاء القسري والاعتقالات بدون محاكمات والتصفية الجسدية والأحوال الاقتصادية المتردية والبنك الدولي والديون والقروض والسندات وأذون الخزانة، كما ترمق عيناي كل يوم من يأكلون من القمامة، ومن ينامون على الأرصفة، ومن يتعلقون بأبواب الحافلات لكي يصلوا إلى أعمالهم، أو يتزاحمون أمام الأفران للحصول على رغيف خبزهم.      

«اللامعقول المصدق» بات ظاهرة واسعة الانتشار في حياتنا، خاصة السياسية منها.

 «اللامعقول المصدق» في عقد حفلة تكريم وتنصيب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة المصاب بجلطات دماغية، حيث كرمت صورته لعجزه عن حضور الحفل.

«اللامعقول المصدق» في تكريم عبد العزيز بوتفليقة نفسه عددا من الرموز الفكرية بالجزائر، وحضرت صورته نيابة عنه.

«اللامعقول المصدق» في تهور ولي العهد السعودي باجتياح اليمن، وهو يعلم جيدا أن الجيش السعودي -كما سائر الجيوش العربية- سلحت ودربت لقمع الشعوب المقهورة، لا لخوض معارك قتالية.

«اللامعقول المصدق» في اشتراط الإمارات لعودة المصالحة مع قطر تنازلها عن استضافة مباريات كأس العالم، وكأنها تحقد على أي مجد عربي أو إقليمي.

«اللامعقول المصدق» أن يتحدث زعيم عربي عن فقر بلاده وأزمتها الاقتصادية الصاحنة في مؤتمر وضعت أمامه باقات الزهور، وجلس هو والضيوف في قاعة فارهة وعلى مقاعد فخمة، وبدت مظاهر الأبهة الملكية في الحفل، ولم يستحي الزعيم المفدى أن يعلن بؤس بلاده وضيق ذات يده.

«اللامعقول المصدق» في خليفة حفتر، وبشار الأسد، والحشد الشعبي، والاستقلال الكردي، والتعاون العربي والصهيوني، والخضوع العربي للأمريكي، وصفقات سلاح لدول تحتاج كسرة الخبز، والتقسيم الجديد للمنطقة العربية، والحديث عن السيادة الوطنية والقواعد الأمريكية تنتشر من المحيط للخليج، والمصالحة بين فتح العميلة وحماس المجاهدة، وجعجعة الساسة اللبنانيون، والبرلمان الصومالي.

لقد لعبوا بثوابت التفكير المنطقي لدينا

حتى بت لا أصدق أنه بات يوجد في الأرض صدق.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …