د. خالد سعد النجار

د. خالد سعد النجار يكتب: مستورد .. والله

 

في بلادنا العربية تجد العديد من العادات التي تسربت إلينا رغما عنا أو على غفلة منا، وما استفقنا إلا وقد وجدنا أنفسنا – نحن العرب- نرددها دون أن نشعر .. فما إن تشتري غرضا أو تبتاع منتجا إلا والبائع يحلف لك: « مستورد .. والله», وهذا القسم كفيل بأن يرضي قناعتك بأنه جيد أو ممتاز، في حين أن الدعايات الصاخبة تملأ الآذان صباح مساء بالدعوة للمنتج المحلي، لكن واقع الحال أننا لا نرضى إلا بما هو مستورد.

قد يدعي البعض أنها «عقدة الخواجة» لكنها دعوى غير صحيحة، فالمنتج المستورد غالبا ما يفوق المنتج المحلي الذي يبدو أمامه بدائيا لأبعد غاية.

وبعيدا عن ضجيج شعارات العروبة والقومية والوطنية .. وفي لحظات من الشفافية والتفكير المتريث لأحوالنا لا يسع المنصف إلا أن يعترف بأننا صرنا مستهلكين لا منتجين، وأن الركب العالمي تقدم كثيرا كثيرا حتى بات لا يدركه النظر العربي.

فالعرب لا يُصنّعون سيارة ولا طائرة .. ولا عبارة ولا قاطرة .. كل شيء من حولي صناعة مستوردة، اللاب توب الذي أكتب عليه، والنظارة التي أرى بها، والملابس التي أرتديها، والحذاء الذي أنتعله، حتى كوب  الشاي الذي أحتسيه الآن، والمنظر الطبيعي المعلق على جدار الغرفة.

من الصعب أن تعيش على هامش الحياة، ومن الأسى أن أجد أمتي عالة على العالم ولا تشكل رقما في المعادلة الدولية .. حقا إنها كارثة أن يكثر المستهلكون ويتلاشى المنتجون في بلاد العروبة، ويملك القوتَ العدو, ويبيع السلاحَ الحاقدُ ويصنع الدواءَ من لا يرقب في مريضنا إلّا ولا ذمة.

إنها «ثقافة الاستهلاك» التي تتفشى في كثير من مجتمعاتنا, وقد ابتاعتها من غيرها المنتجة نظير حريتها وكرامتها وسيادتها .. ثقافة الدون من الحياة، وإيثار الاسترخاء على الجد وعلو الهمة، وإحلال مظهر الأجساد المترهلة عوضا عن الرشاقة والفتوة.

قال الإمام ابن تيمية في (الحموية)، وقبله بنحوِهِ أبو حامدٍ الغزالي في (ميزان العمل) رحمهما الله: “إنما يفسد الناسَ نصفُ متكلمٍ ونصف فقيهٍ ونصف نحويٍ ونصف طبيبٍ. هذا يفسد البلدان وهذا يفسد الأديان وهذا يفسد اللسان وهذا يفسد الأبدان”. لئن قيل ذلك عن الأنصافِ وإفسادهِم فماذا عن الأصفار؟

إن «ثقافة الاستهلاك» ثقافة إتكالية انهزامية تبتلع الثروة وتفقد الحس بقيمة الأشياء وتجعل المرء ينشغل بالمظهر عن الجوهر عندما يصير الإنفاق على الكماليات هدفا ورسالة ومظهرا اجتماعيا يبذل فيه الغالي والنفيس. بل ربما تصل هذه الثقافة إلى حد الهوس أو المرض أو تدفع صاحبها لأن يمد يده إلى الحرام ليشبع نهمته ويرضي غريزته. وكما يقول (هارتلى جراتان): “المستهلك مخلوق معَقَّد يعيش في عالم معَقَّد”.

كما يرى المحللون أن استهلاك الأشياء بات أسهل وأقرب، وأن الاستهلاك المفرط يخمد العقل ويفقده القدرة على التفاعل والتفكير والتحليل، حيث يتعامل الذهن مع صنوف المنتجات باستسلام، بخلاف الإنتاج الذي يتطلب اتخاذ القرارات والمفاضلة بين الاختيارات والتجريب والمحاولة بما يقتضيها النجاح والفشل، وهذا من شأنه أن يفجر الطاقات ويثري الإبداعات.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …