عبد العزيز الحاج مصطفى

د.عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب : القضية السورية .. المشكلة المتعددة الأبعاد والمراحل (2)

2- الوحدة والانفصال 1958-1963:

 كانت تصرفات مجلس القيادة الذي تخطى البرلمان ورئاسة الجمهورية والقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة وقام بالتوقيع على مشروع الوحدة بمثابة مهزلة حقيقية إذ ما كادت دولة الوحدة تقوم وتبدأ عمليا مهامها الوحدوية حتى هرع من وقعوا على وثيقتها وبحروفها الأولى إلى الانسحاب من الحكومة ودعم انقلاب الانفصال الذي قامت به ثلة من الضباط الدمشقيين المرتبطين بالخارج، في 28 أيلول سنة1961م.  وبالانفصال بدأت اللجنة العسكرية التي أسسها كل من ( محمد عمران، وصلاح جديد، وحافظ أسد) العمل من أجل المشروع الطائفي الذي بدأه جورو سنة 1924م بإحداثه قوات المشرق الخاصة، وتقسيمه سورية إلى دويلات طائفية.

  • انقلاب الثامن من آذار 1963:

وضع انقلاب الثامن من آذار منذ يومه الأول المشروع الطائفي موضع التنفيذ. فمنذ صباح ذلك اليوم وصل صلاح جديد- كما نقل- على دراجة إلى القابون، وبدأ بتسريح الأعداء( والمقصود بالأعداء السنة) وإعادة الأصدقاء(والمقصود بهم العلويون) وقد تزامن ذلك مع توجيه خاص إلى العلويين من أجل انتسابهم إلى حزب البعث وذلك بقولهم ( الثورة ثورتنا) وكان ذلك بشكل سري. أما خافظ الأسد فقد انتقل من مهاجم لمطار الضمير العسكري إلى قائد لذلك المطار ومن ثم إلى قائد لسلاح الطيران وقد استطاعت اللجنة العسكرية التي وسعوا دائرتها لتشمل كلا من( محمد عمران وحافظ الأسد وصلاح جديد وسليم حاطوم وعبد الكريم الجندي وفي إطار مصطلح عرف في حينها بـ (عدس) وكانت  العين تعني (علوي) والدال تعني(درزي) والسين تعني(إسماعيلي) أن تعمل على تحقيق المشروع الطائفي من خلال:

  • إصدار لائحة العزل السياسي التي شملت الشخصيات السنية البارزة في الدولة والمجتمع.
  • إقصاء الضباط السنة من الجيش بإحدى التهم الثلاث: الناصرية أو الرجعية أو الإقطاعية الرأسمالية. وقد أفادوا من أهم حدثين مرت بهما سورية في ذلك الوقت, وهما الانقلاب الفاشل الذي قاده اللواء محمد الجراح، والعقيد جاسم علوان في 18/7/1963 وكان الهدف منه إعادة دولة الوحدة, وبفشل ذلك الانقلاب أصبحت الناصرية تهمة يقصى بناءً عليها ضباط الجيش وماأكثرهم في ذلك الوقت وقد كانت تلك يومئذ صبغة شرفاء البلد وأحراره!. والحدث الثاني هو حركة الشباب المسلم في حماة سنة 1964التي أريد لها في ذلك الوقت أن تكون بمثابة البؤرة الثورية التي تمتد لتشمل سورية كلها، فكان فشلها فرصة للطائفيين ليعمقوا خطهم الطائفي وليصبحوا أكثر تكاتفا فيما بينهم ولينتقلوا إلى المرحلة التي جاءت بعد.
  • حدث22شباط1966

يعد انقلاب22 شباط سنة 1966 الانقلاب رقم (2) الذي وضع عجلة الطائفيين على السكة بشكلها الصحيح. فبعد أن كان الطائفيون يتحركون في خفاء، بعيدا عن الأعين أصبحوا بعد نجاح الانقلاب بتحركون في علن، وقد أصبح الخلاف الناشب بين القيادتين القومية والقطرية مقدمة لإقصاءٍ أوسع شمل كثيرا من الضباط السنة كما أنه هيأ الفرصة للطائفيين أن يعمقوا خطهم أكثر ويبعدوا خصومهم عن مراكز القرار. ومن أجل ذلك تم التأكيد على مسألتين:

  1-  الإشتراكية العلمية، وقد أصبحت خيارا استراتيجيا للطائفيين الذين يحكمون سورية في ذلك الوقت, والقصد منها تضييق الخناق على الشعب السوري.

2- الحزب القائد الذي أريد له أن يحكم سورية من خلال  منظمات المجتمع المدني وقد برعوا في إنشائها، وفلسفتها وتوظيفها من أجل تحقيق الأهداف الطائفية المقنعة بالحزب وسياساته السرية والعلنية. وهنا أيضًا لم يتقبل الشعب السوري صورة الحزب القائد ولم يجر وراءها

ثالثًا مرحلة الأب والابن: 1970-2011

في هذه المرحلة بلغ التغول الطائفي قمته؛ ففي 16/11/1970 استطاع حافظ الأسد وفي حمّى الخلاف الناشب بينه وبين صلاح جديد أن ينقض على السلطة ويعلن عبر حركته التصحيحية إنهاء تحالفه؛ وهو خلاف على الزعامة مع تكتل اليسار المتمثل بـ( نور الدين الأتاسي، ويوسف زعين وإبراهيم ماخوس) ليصبح حاكم سورية المطلق، ورئيسا للجمهورية العربية السورية في 12/3/1971م.

ومهما قيل عن هذه المرحلة، فقد امتازت بمحطتين رئيستين؛ محطة الأب، ومحطة الابن.

أولا محطة الأب (حافظ الأسد) الذي أسس الدولة الطائفية في سورية، المقنعة بأقنعة حزبية، التي تتخذ من الحرية والديمقراطية, ومن الممانعة في مواجهة المشاريع الاستسلامية يافطة من شأنها أن تجذب إليها أنظار كثيرين ممن يدعون إلى المواجهة مع العدو الصهيوني, وقد غطت سياسته هذه على مشاريع الدولة الطائفية، التي كانت تفتك بالمجتمع السوري، أكثر من فتك الإرضة بالأديم المتعفن!

وقد كان من أهم مظاهر سياسته:

1) الصدام مع الإسلاميين, وكانت محصلته قتل أكثر من أربعين ألف إنسان في حماة و حدها.

2) التدخل في لبنان, حيث عمل مع الإيرانيين على إنشاء حزب الله، ودعمه وتمكينه, كما تمكن من إضعاف المقاومة وإخراجها من لبنان، وتصفيتها بالقوة المسلحة, ومافعله تجاه مخيمي صبرا وشاتيلا شاهد على ذلك.

3) ترسيخ قواعد الطائفية في الجيش والدوائر الأمنية والوزارات ذات الصفة السيادية.

4) إطلاق يد الطائفيين وأتباعهم بالكسب غير المشروع الذي أدى إلى تكوين طبقة رأسمالية من الطائفيين وأتباعهم, وإفقار الشعب وتجويعه بعامة, ويعد رامي مخلوف، ابن خال  بشار الأسد، أحد مظاهر ذلك.

لقد أمضى حافظ أسد في رئاسة الجمهورية الفترة من 12/3/1971 إلى 10/6/2000م, ولم يخل مقعده من كرسي الرئاسة إلا بعد أن مهد الطريق لعقبه بشار، الذي كان أكثر سوءًا منه؛ على وفق المعايير الوطنية والقومية، التي كان يزعم  أنه يتحلى بها.

ثانيا محطة الابن (بشار) من 2000-2011

استلم بشار رئاسة سورية إثر تعديل دستوري عبر أروقة البرلمان السوري الذي اتخذ قراره خلال دقائق قليلة بأن عمر رئيس الجمهورية السورية يجب ألا يقل عن (34) سنة.

ويمكن القول إن (الابن) ورث كل خصائص أبيه ومهامه، يضاف إليها:

1- إتاحة الفرصة للشيعة من أجل نشر التشيع في سورية, من خلال المدارس، والحسينيات وإقامة الشعائر الدينية الشيعية.

2- الوقوع في دائرة النفوذ السياسي الإيراني.

3- الخروج على الثوابت الدينية والقومية والوطنية.

4- توسيع دائرة الكسب غير المشروع.

الأمر الذي أدى بالشعب السوري إلى أن يقوم بثورته عليه ابتداء من 15/3/2011م.

رابعًا: مرحلة الثورة السورية2011-2017

مثلت الثورة السورية- منذ أيامها الأولى سلمية ومسلحة- حركة خلاص مقدس من براثن نظام طاغية، استطاع بدعم الخارج وتأييده أن يستقوي على شعبه، وأن يلعب على تناقضات ذلك الشعب، وأن يفتك به, سيما أن الشعب خرج ينافح عن ثوابته الوطنية والقومية والدينية فكان جزاؤه أن أُخذ على حد سكين، وأن تآمر عليه الأصدقاء والأعداء، في الداخل والخارج معا، وغدت سورية فريسة للمشروعين الصهيوني الصليبي والصفوي الفارسي، وتم استخدام القوات الأجنبية المتمثلة بالميليشيات الطائفية والتحالف الدولي، وعسكر بوتين، الذي يختزن في داخله مكر الشيوعيين وحقد الصليبيين، فكانت المعركة أكثر من شرسة وأكثر من خطيرة، وأكثر من موجبة للانبعاث للوقوف في وجه القوى الظلامية التي تتربص بسورية وشعبها.

 في ختام هذا العرض للمشكلة المتعددة الأبعاد والمراحل في سورية المعاصرة، لانرى بداً من ذكر المشاكل الأمهات التي تعرض لها شعبنا، منذ مطلع القرن العشرين إلى اليوم:

1-  الأقليات التي كانت قائمة منذ عهد الدولة العثمانية ثم عمل على توظيفها الصهاينة والصليبيون في المشاريع الإستراتيجية البعيدة والقريبة. وورقة هرتزل ومعاهدة سان بطرسبرج، واتفاقية سايكس بيكو، ووعد بلفور، واتفاقية سان ريمو، وسياسات جورو لاتخرج عن هذا السياق, بل يمكن اعتبارها أم المشاكل, فقد قيل عن حافظ أسد عقب انقلاب 1963: إنه جاء ليتم المشروع الفرنسي في سورية, وهو مشروع بناء الدولة الطائفية.

2- ضيق الأفق السياسي، الذي جعل فطاحلة السوريين يقبلون بقوات المشرق الخاصة التي أمر بتأسيسها جورو وهي خاصة بالأقليات لتصبح الجيش العربي السوري. وقد كان ذلك إيذانا بوقوع سورية كلها في أسر الطائفيين, وتاريخ سورية الدامي منذ 1916م وحتى 2016م لايخرج عن ذلك.

3- عدم الشعور بالانتماء للوطن والالتزام بقيمه ومبادئه؛ وعلة ذلك أنه سمح للموتورين والحاقدين والخارجين على الثوابت الوطنية والقومية والدينية، أن ينشؤا أحزابا لاتؤمن بهذه الثوابت ولا تقيم وزنا لها, ومنها الحزب الشيوعي السوري والحزب القومي الاجتماعي السوري.

4- أصحاب “الأنوات” الخاصة الشخصانية والمناطقية، وقد أمكنهم – مع عدم الانتباه لهم- أن يفككوا النسيج الاجتماعي السوري، وأن يعملوا على تعطيله ويجعلوا منه مهادا لقواهم المعطلة على الساحة السورية التي من شأنها أن تخرب وتدمر, وذلك كالذي حدث بعد،  منذ أربعينيات القرن الماضي وقد  اتجه كثير منهم اتجاها مرضيا ينطوي على كثير من الاستعلاء الاجتماعي, وعدم أخذ الأمور بماعونها الأوسع الذي يشمل السوريين جميعا؛ أرضا وشعبا.

يدل على ذلك نمو ظاهرتي الشخصانية والمناطقية في سورية كلها وهو أمر قاد إلى هلهلة النسيج الاجتماعي، وشرذمة العمل الثوري منذ الاستقلال وحتى اليوم ويعد واقع أمراء الحرب الذي تشهده سورية اليوم الدالة الكبرى على ذلك وقد أخذت القضية السورية على حد سكين بسبب من ذلك التصرف الأرعن.

5- رأس المال الإقطاعي والرأسمالي, وعدم الانتباه إلى مخاطر الإقطاعيين والرأسماليين وقد ثبت بالواقعة أن تجار دمشق هم الذين نثروا على جورو الورود والرياحين وهم الذين حملوا عربته على أكتافهم؛ بل جروها بسواعدهم بدل ( الخيول) التي كانت تجرها. فكان ذلك بمثابة الانصياع لقراراته وتأييدها، كما أن الاحتفاء برفعت الأسد سنة 1971 ودعوته إلى وليمة خاصة في الميدان في دمشق عرفت في حينها من حيث الكلفة بذات المليون، كان بمثابة الانصياع لمغامرة الأخوين- حافظ ورفعت ولذلك المشروع الطائفي الذي يتبناه كل منهما كما أن خذلانهم للثوار في مدينة حلب سنة 1981م، والتضييق عليهم- والكلام منقول بالمشافهة- قد عجل في نهاية تلك الثورة العظيمة، التي كان الانتصار عليها مقدمة لما يحدث في سورية اليوم من تدمير أو تغيير.

6- الأمية الثقافية والجهل الذي أصبح متفشيا في القطاعات المختلفة الفكرية والدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية,. وقد أدى ذلك إلى أن يقود الثورة الأميون وغيرالمؤهلين، وقد تخلل صفوفهم عملاء النظام وأتباعه يضاف إليهم المتسلقون والوصوليون والانتهازيون وركاب الموجة, الأمر الذي جعلنا نقرر أن المشكلة السورية مشكلة متعددة الأبعاد والمراحل وأن حلولها تتطلب نظرا عريضا, وهي مهمة النابهين من الأبناء الذين يشعرون بالانتماء حقيقة ويعتزون بالثوابت الثلاثة الإسلامية والقومية والوطنية، ويصطفون مع الثورة وقواها المسلحة في مواجهة النظام الطاغية, وذلك من خلال تجمع واعد يلم شملهم ويوحد كلمتهم ويمضي بهم قدما من أجل سورية حرة ومستقلة و ذات سيادة.

                                                                 

رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

 

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …