من طبيعة الجماعات والأفراد، مراجعة حساباتها والوقوف على الخسارة والربح فيها. والخسارة و الربح بصورة عامة حصاد عمر، وجه الفائدة في مراجعته، أنها تجعل الإنسان يعرف خطأه وصوابه، فيتجنب الخطأ الذي وقع فيه في مرحلة ما من حياته, وما أكثر التجارب التي قد تكون خاطئة، أو تلحق ضرراً, وما أكثر المتضررين الذين لم تغنهم تجاربهم، وقد جعلوا من حياتهم تجربة غير ناضجة، بما اقترفوا فيها، فكانوا عبرة لمن جاء بعدهم، بالرغم من حذقهم ومهارتهم وادعائهم العريض.
وقوله تعالى:” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل”, لايخرج عن السياق”, فالخلق كله مبدأه ومنتهاه مقيد بالسنن الربانية، ومحكوم بالنتائج التي كل مايقال عنها إنها “بماكسبت أيدي الناس”, وعليها يعود قوله تعالى:” من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها” وهذا هو القول الفصل في هذا الغلط الذي نتحدث عنه.
و(الغلط) الذي تكرر ويتكرر في سورية، استهلك قرنا من الزمان من حياة السوريين، دون أن يستنهض منهم حمية رجل عارف من أصحاب القرار، فيؤدي استنهاضه إلى استنهاض حقيقي لأمة بأكملها، وقد كان ذلك هو المطلوب في حينه، وإن كان لم يحدث! وكل الذي حدث أن استمر الغلط وتتابع، وتراكم بعضه فوق بعضٍ على شكل تجارب فاشلة، وكل واحدة من هذه التجارب الفاشلة كانت مقدمة لسابقتها, وهذا أخطر مايكون في هذا الغلط التاريخي الذي تجاوز حددوده الإقليمية، وأصبح خليطا من واقعٍ معقد يحار فيه أهل الرأي، لكثرة مافيه من مشاكل يصعب فهمها وتمحيصها.
وقد اتصفت الأخطاء التي وقع فيها السوريون بصفات ثلاث:
أولها: أنها كانت ظاهرة وملحوظة: ومعنى ذلك أنها معروفة من العامة والخاصة، وغير خافية على أحد. وقد كانت قرارات الفرنسيين في مرحلة الاستعمار صريحة وواضحة, بل وعلنية, ومنها: تقسيم سورية إلى دويلات طائفية، وإنشاء جيش المشرق على أسس طائفية، كما كانت سياسة الانقلابيين بعد 8/3/1963 طائفية أيضا, ومنها: تسريح الضباط السنًّة من الجيش، وقصر العدد الأكبر من طلاب الكلية العسكرية على الطائفيين وقد استمرت تقاليد ذلك, ولم تكن غير مفهومة بحال من الأحوال!
ثانيها: أن فيها غبنًا كثيرا: وهذا الغبن لاحق بالأكثرية المطلقة من أبناء الشعب الذي حُكم عليه بالإقصاء، وهضم حقوقه، والاجتراء على مقدساته، وإطلاق يد الحزب الواحد في مقدراته، وقد استوى في ذلك المستعمرون والانقلابيون بعد الاستقلال وقبله، إذ إن النهج الطائفي كان متواصلاً، والهضم والإقصاء مستمراً وكذلك العدوان على المقدسات، وقد كانوا يهدفون إلى جر الشعب إلى المواجهة المسلحة قصد تصفية حسابات طائفية بعضها من موروث العصور الوسطى، وبعضها حديثة.
ثالثها: أنها مرتبطة: ومعنى ذلك أنها محصلة صفقات مشبوهة؛ للمصالح الأجنبية يد فيها. وانقلاب الزعيم وهو من صنع مخابراتي بحت، وكذا صفقة التابلاين لاتخرج عن ذلك, وهي تقيم الدليل على تلك الصفقة، التي امتدت لتصبح حقيقة واقعة، فالمصالح الروسية اليوم هي التي تجعل من الروس يتبعون سياسة الأرض المحروقة في سورية، قصد القضاء على الثورة المسلحة فيها، وإعادة الشعب إلى حظيرة النظام، الذي تعهد لروسية بمصالحها الإستراتيجية. وتعد المصالح الروسية اليوم امتداداً لمصالح روسية القيصرية التي كانت تشكل خطرا مباشرا على المنطقة الشرق أوسطية كلها. والقاعدة البحرية في طرطوس، والقاعدة الجوية في حميميم مقدمة أولية لحزمة من المصالح الخفية والمعلنة، التي يريد الروس تحقيقها في سورية.
المراحل التي مرت بها سورية مابين 1920-2011م
أولاً- مرحلة الاستعمار: وتمتد من سنة 1920 إلى سنة 1946, حتى التاريخ المعلن للاستقلال, وإن كانت أولياتها قد تعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد كانت العثمانية التي كانت تمثل الخيمة التي تظلل العرب والأتراك معا، والجامعة الإسلامية التي تجمع كلا الشعبين العربي والتركي تتعرضان لمخاطر كثيرة, وكان رأس الحربة في تلك المخاطر، بعث الأقليات، وإثارة النعرات وقد كان ذلك جزءًا من السياسة الاستعمارية التي اتبعتها فرنسا في سورية طوال مدة احتلالها لها. ويوميات الأحداث في سورية طوال ربع قرن تحكي قصة الاستعمار الفرنسي الذي ما ادخر جهدا من أجل تمكين الطائفيين وتهيئتهم للمراحل القادمة, وقد كان ذلك ينحصر في إجراءين:
الإجراء الأول يتعلق بالتعليم: فقد عملت فرنسا منذ وقت مبكر على نشر التعليم في مناطق الأقليات, ومثل ذلك في حينه امتدادا للمدارس التبشيرية التي عرفتها المنطقة قبل أكثر من قرنين, وكان من نتيجة ذلك ظهور النخب المثقفة، التي يمكن أن يُعتمد عليها في قطاعات العمل المدني.
الإجراء الثاني يتعلق بالجيش والقوات المسلحة: وقد عملت فرنسا منذ احتلالها سورية على افتتاح المدارس العسكرية التي تؤهل المتدربين السوريين وفق التقاليد العسكرية الفرنسية، ليصبحوا ضباطا في قوات المشرق الخاصة، التي أعدتها فرنسا لتصبح الجش العربي السوري بعد الاستقلال! وهذا ما حدث؛ إذ ماكادت فرنسا تبدأ جلاءها عن سورية حتى برز ضباط كبار في الجيش السوري بعضهم برتبة اللواء، وبعضهم برتبة العميد وماأكثر العقداء منهم, وكلهم لُقنوا الثقافة العسكرية الخاصة المشبعة بالثقافة الفرنسية، وتربوا عليها، فضلا عن كون أكثريتهم من أبناء الأقليات.
ثانيا: مرحلة مابعد الاستقلال: وتمتد من سنة 1946 إلى سنة 1963، وتعد حقبة الخمسينيات الأكثر أهمية فيها, ولايزال السوريون يذكرونها بشغف ظاهر بسبب ماتوافر فيها من مظاهر الحرية والديمقراطية وقد اتسمت بسمات أربع:
1- الانقلابات العسكرية
وقد كثرت كثرة ظاهرة، وتخللها دخن كثير، واضطراب وفوضى، وعبث في المسائل الوطنية والقومية والأخلاقية, سياسية وعسكرية. وقد كان منها:
- انقلاب حسني الزعيم الذي وقع فجر30 /3/1949 ولم تتجاوز مدته أربعة أشهر ونصف الشهر, وقد وصف بأنه انقلاب طائش، ومن صنع المخابرات الأمريكية، وللمصالح الأجنبية يد فيه.
- انقلاب سامي الحناوي فجر14 /8/ 1949م وكان يهدف إلى إعادة الحكم المدني، وإقصاء الجيش عن السياسة، والحد من جموح العسكر الذين أخذوا يتدخلون في الشؤون السورية كلها.
- انقلاب أديب الشيشكلي الأول: 19/12/1949, وكل مايقال عنه إنه أعاد البلاد إلى الحكم العسكري وراح يتدخل بكل صغيرة أو كبيرة من شؤون البلاد.
- انقلاب أديب الشيشكلي الثاني في 30/1/ 1951 وقد عمل على ترسيخ جذور الدكتاتورية وترسيخ الحكم العسكري, وكان واجهته فوزي سلو الذي تم تعينيه رئيسا للدولة, وإن كان الشيشكلي هو الرأس المدبر لذلك.
- انقلاب تجمع القوى الوطنية في 25 /2/1954 وقد قامت به ثلة من صغار الضباط وغالبيتهم من البعثيين، ونتج عن ذلك الانقلاب عودة الحكم المدني لسورية وإن كان للجيش تأثير كبير فيه.
- حركة مجلس القيادة العسكرية، التي تبنت مشروع الوحدة مع مصر، التي أعلن عنها رسميا في 22 /2/ 1958. وقد عدت هذه الحركة انقلابا، كون مايسمى بالمجلس العسكري، هو الذي أجرى اتصالاتها ووضع بروتوكولها، بل وأجبر يومئذ رئيس الجمهورية شكري القوتلي على السفر إلى مصر من أجل توقيع اتفاقية الوحدة وقد حدث ذلك فعلا.
- انقلاب الانفصال الذي وقع في 28 /9/ 1961م وقامت به ثلة من الضباط الدمشقيين الذين انقلبوا على دولة الوحدة، وآثروا العودة بالبلاد إلى ماكانت عليه في خمسينيات القرن.
ومابين 1961 و1963 كانت البلاد السورية تنام وتستيقظ وهي تترقب حركة عسكرية يقوم بها بعض الضباط من أجل العودة بالبلاد إلى حظيرة الوحدة, فيما كان الطائفيون يرقبون الأوضاع بعيون حذرة، ويتطلعون إلى ساعة الصفر، التي ستمكنهم من السيطرة على البلاد، وتحقيق أهدافهم الطائفية الخاصة بهم التي كل مايقال عنها إنها لا وطنية ولا قومية ولا دينية ولا حضارية كذلك.
2- الاغتيالات الشخصية
وكانت على درجة كبيرة من الأهمية، وتمثّلت باغتيال ثلاثة من الضباط القادة وهم: المقدم محمد ناصر؛ آمر سلاح الطيران السوري سنة1950، والضابط الأعلى رتبة من أبناء الطائفة العلوية, والمقدم غسان جديد المتهم, بإنشاء تنظيم طائفي في الجيش والمتهم بقتل عدنان المالكي سنة 1955. والعقيد عدنان المالكي معاون رئيس الأركان وأحد الشخصيات البارزة، في الجيش السوري وقد اتُهم بقتله الحزب القومي السوري، وبسبب من ذلك حُظرت نشاطات الحزب رسميا ولوحق، وقد نتج عن تلك الملاحقة قتل غسان جديد في لبنان، واستِعار المشكلة الطائفية بين العلويين والسنة، وقد مثلت (ثورة الثامن من آذار) الانتصار الحقيقي للعلويين الذين عرفوا كيف يثأرون من السنة في الجيش والقوات المسلحة، وأصبحوا غير مرغوب فيهم في ذلك الوقت.
3- الحزبية البراجماتية
بآفاقها الضيقة، وتسفلها الحضاري، وطيشها وحمقها، وعدم ارتقائها إلى المستوى المطلوب، وطنياً، وقوميا، ودينيا. والمعروف أن أسلوب المهاترات غلب على التعقل والحكمة، في المواقف السياسية كافة، وأن التناضل بالجنازير كان أسلوبا متبعا بين الأحزاب وغلب عليهم عدم احترام الآخر وهذا بدوره قاد إلى نمو المشاعر العدائية بين السوريين. وماكادت تقوم ثورة الثامن من آذار حتى برزت نظرية الحزب الواحد، وبدلاً من أن يضرب القوم بعضهم بالجنازير في الساحات، أصبحت الجنازير تلف العنق والرجلين في السجون و المعتقلات وبذلك عدمت سورية وحدتها الوطنية، وأصبحت على شفا جرف هار في علاقتها الداخلية، وأصبح السني كبش الفداء في ذلك النهج الحزبي، الذي وجد فيه الطائفيون ضالتهم المنشودة، التي مكنتهم من السيطرة على نظام الحكم.
4- اللامبالاة الشعبية
المجردة من الأبعاد الثلاثة؛ الوطنية والقومية والدينية، وغير العاقلة، في تعاملها مع الظواهر الاجتماعية والسياسية التي كثرت في مرحلة مابعد الاستقلال من 1946 إلى 1963م. وقد كانت الطائفية السياسية, الظاهرة الأكثر اتساعا في ذلك الوقت، وكان السكوت الشعبي عن الخطر الطائفي، هو الذي أطمع الطائفيين وزاد في غطرستهم. ويعد قتلهم عدنان المالكي وبناؤهم التنظيم الطائفي في الجيش, أمرا لا يجب السكوت عنه, وفضلا عن ذلك فإن قيام دولة الوحدة وسقوطها والتناضل المزري مابين 28/9/1961 و 8/3/1963 كان كافيا لمواجهته شعبيا، وعدم ترك الحبل على غاربه للطائفيين ليفعلوا فعلتهم، في سورية كلها، وليبنوا نظامهم الطائفي الذي كان السبب في كل مايجري في سورية اليوم.
……………………….
رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات