د. عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: غلطة شعب (2)

نستكمل الحديث عن سمات مرحلة ما بعد استقلال سورية, ما بين عامي 1946م, و1963م:

3- الحزبية البراجماتية

سيطرت الحزبية البراجماتية في سورية, بآفاقها الضيقة، وتسفلها الحضاري، وطيشها وحمقها، وعدم ارتقائها إلى المستوى المطلوب، وطنياً، وقوميا، ودينيا. والمعروف أن أسلوب المهاترات غلب على التعقل والحكمة، في المواقف السياسية كافة، وأن التناضل بالجنازير كان أسلوبا متبعا بين الأحزاب وغلب عليهم عدم احترام الآخر وهذا بدوره قاد إلى نمو المشاعر العدائية بين السوريين. وماكادت تقوم ثورة الثامن من آذار حتى برزت نظرية الحزب الواحد، وبدلاً من أن يضرب القوم بعضهم بالجنازير في الساحات، أصبحت الجنازير تلف العنق والرجلين في السجون والمعتقلات وبذلك عدمت سورية وحدتها الوطنية، وأصبحت على شفا جرف هار في علاقتها الداخلية، وأصبح السني كبش الفداء في ذلك النهج الحزبي، الذي وجد فيه الطائفيون ضالتهم المنشودة، التي مكنتهم من السيطرة على نظام الحكم.

4- اللامبالاة الشعبية

المجردة من الأبعاد الثلاثة؛ الوطنية والقومية والدينية، وغير العاقلة، في تعاملها مع الظواهر الاجتماعية والسياسية التي كثرت في مرحلة مابعد الاستقلال من 1946 إلى 1963م. وقد كانت الطائفية السياسية الظاهرة الأكثر اتساعا في ذلك الوقت، وكان السكوت الشعبي عن الخطر الطائفي، هو الذي أطمع الطائفيين وزاد في غطرستهم. وقد كان قتلهم عدنان المالكي وبناؤهم التنظيم الطائفي في الجيش, وقيام دولة الوحدة وسقوطها والتناضل المزري مابين 28/9/1961 و8/3/1963 كافيا لمواجهة ذلك الخطر شعبيا، وعدم ترك الحبل على غاربه للطائفيين ليبنوا نظامهم الطائفي الذي كان السبب في كل مايجري في سورية اليوم.

ثالثا- مرحلة حكم حزب البعث: وهي الأطول في التاريخ السوري الحديث، وتمتد من سنة 1963 إلى 2011م, وقد مثلت حالة من البعث الطائفي المنظم، الذي أدى إلى دمار سورية، وإتاحة الفرصة للقوى الأجنبية لتكون صاحبة القرار فيها، وحرمان شعبها من السيادة فيها، أو أن يجد طريقا للخلاص، أو يحقق أهدافه التي يتطلع إليها, وقد كان اللاعب الرئيس في هذه المرحلة ثلاثة:

أمين الحافظ: الذي يعرّف بأنه الشخصية الذي تكاد تُجمع الآراء حوله أنه المسؤول الأول والأخير عن إقصاء الضباط السنة من الجيش, وقد تصدر المسؤولية الأمامية في الدولة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الثنائي (جاسم علوان ومحمد الجراح) في 18 تموز/يوليو سنة 1963م) وقد كان وقتها يشغل منصب ووزير الداخلية, وأدت مواجهته الانقلابيين والحكم على أكثرهم بالإعدام إلى ارتقائه منصب القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وعزل الفريق لؤي الأتاسي الذي كان وصل إلى منصب القائد الأعلى  بعد عزل سلفه زياد الحريري في 11/6/1963، ضمن مسلسل تصفيات, للجنة العسكرية يدٌ فيه.

واعتبارا من 18 يوليو/ تموز دخلت سورية في ديكتاتورية مغلّظة، ووقعت بين فكي كماشة؛ أحدهما الفريق الحافظ، والثاني يتمثل باللجنة العسكرية التي يتزعمها (الأسد وجديد)، وكانت مهمتها الأولى إقصائية خالصة. وعَبْرَ رئيس الجمهورية, مضت قوائم التسريح تترى، وأخذ السنة يفقدون مكانهم في الجيش والقوات المسلحة، ليحلَّ محلَّهم الطائفيون وكان ذلك ديدنهم منذ فجر الانقلاب في 8/3/1963م.

وعندما صحا الفريق الحافظ من غفلته وجد أن القطار قد فاته، وأن المواقع العسكرية الرئيسة قد خلت من أنصاره، وكان عليه أن يواجه مصيره وحيدا، دون أن تراق عليه دمعة من مواطن شريف, وذلك في 22/2/ 1966م.

حافظ الأسد: الشخصية التي تكاد تجمع الآراء أنه يتحمل وزر ماحدث في سورية منذ 1963 إلى اليوم، وأن كل الدماء التي أريقت أو ستراق، يتحمل مسؤوليتها كاملة، فضلا عن النظام الطائفي، الذي وضع لبناته الأولى، والذي رعاه طوال ثلاثين سنة من حكمه، ومن كونه صاحب القرار الرئيس فيها.  وقد مر في حياته السياسية والعسكرية بست محطات:

1- الانسحاب من الجولان وتسليمه لإسرائيل سنة 1967م: وكان  وقتها وزيرا للدفاع, وإليه ينسب شخصيا إذاعة البيان رقم (66) الذي يعلن سقوط القنيطرة، قبل أن يصل الجيش الإسرائيلي إلى مشارفها  بأربع وعشرين ساعة. وقد أتبع ببيان لاحق يصدر الأمر فيه للقوات العسكرية بالانسحاب الكيفي من الجولان, وهذا البيان جعل العقيد أحمد المير قائد الجبهة ينسحب من الجبهة على حمار, دون أن يؤاخذ على ذلك من وزير الدفاع. وقد أحصينا الخسائر البشرية في تلك الحرب فوجدنا أن تقديراتها تراوح بين 130 و125 قتيلا. وقد راج بعد ذلك كلام كثير حول لقاء عقده حافظ أسد في وزارة الدفاع البريطانية سنة 1966، مع ضباط إسرائيليين، وأنه قبض في ذلك الاجتماع (300) مليون دولار ثمن منطقة الجولان بالكامل. وهذه الصفقة ذكرها مصطفى خليل البريز في ملفات الجولان، وإسماعيل فهمي وزير خارجية مصر في مذاكراته وذكرها ضباط أمنيون سوريون كثيرون,  منهم المقدم توفيق برو الذي هرب من البلاد بسبب هذه المعلومة الخطيرة.

2- مؤامرة التصحيح والوصول إلى المسؤولية الأمامية في الحزب والدولة: وكان سيناريو المؤامرة يقول بخلاف ناشب بين القيادتين العسكرية والحزبية، وكان قطبا الصراع الثنائي المتشاكس( صلاح جديد وحافظ أسد) وحول كل منهما قادة عسكريون وحزبيون, وقد نجح الحزبيون، بالفوز في الانتخابات. و بعد إصدار قرار إعفاء وزير الدفاع من منصبه، أذيع على الفور البيان رقم واحد، وتم اعتقال  القيادة الحزبية كلها، في 16/11/1970، وقد أطلق على هذه المؤامرة في حينه اسم ( الحركة التصحيحية). واقتضى السيناريو فيها مسرحية هزلية يكون أبطالها إمعات من المقربين، أعقبها خلال مدة قصيرة انتخابات رئاسية ودستورية فاز فيها حافظ الأسد برئاسة الجمهورية، التي كانت عرفا وقانونا من نصيب السنة، ولم يكن يصح بحال من الأحوال أن تكون من نصيب وزير الدفاع المسؤول عن هزيمة حزيران، وبيع الجولان وعن إغراق سورية بحمّى الطائفية القذرة منذ أيامه الأولى بعد انقلاب 1963م.

3- مسرحية حرب التحريك في 6/10/ 1973م : والمتوافر من المعلومات عن هذه الحرب أن وزير الخارجية الأمريكي في حينه هنري كيسنجر هو الذي أشار على الرئيس المصري أنور السادات أن يحرك المسألة بعمل عسكري محدود ضد إسرائيل تتدخل بعده أمريكا، وتحلّ المسألة بطريقتها، وقد كانت  المصلحة الأمريكية تقتضي مثل ذلك, من أجل إعادة فتح قناة السويس التي كانت مغلقة منذ حرب 1967م, وكذلك من أجل تبييض وجهها أمام العرب الذين عدّوها حليفا إستراتيجيا للصهاينة في حرب 1967م. وكان لابد للسادات أن ينسق مع حافظ أسد ليضع إسرائيل بين فكي كماشة وفعلا تم التنسيق ووقعت الحرب وكانت الخسارة أكثر من ألف دبابة، فضلا عن ثمان وثلاثين قرية احتلتها القوات الإسرائيلية. أما حافظ أسد فإنه في مساء اليوم الأول من الحرب طلب رسميا من ألكسي كيسجين رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي التحرك الفوري عبر مجلس الأمن من أجل وقف الحرب التي أشعلها السادات على حد زعمه.

وقفت الحرب لتبدأ بعدها رحلات كيسنجر المكوكية بين القاهرة ودمشق، ولتوضع ترتيبات كامب ديفيد، وفض الاشتباك مع السوريين،  وعُدّ ذلك انتصارا رائعا اختص به حافظ أسد نفسه, وقد عزز نظامه بجوار آمن، وبداخل مسيطر عليه!

4- مواجهته ثورة الشعب السوري التي كانت طليعتها الطليعة  المقاتلة للإخوان المسلمين، والتي دامت من 1975 إلى 1982م وامتدت إلى مناطق كثيرة من سورية. وقد كانت كبرى مصائبها في مدينة حماة التي دمرت تدميرا شبه كامل بالمدفعية والدبابات وبالأسلحة الصاروخية وفقدت أكثر من (40) ألفا من أبنائها. وعبر هذه المواجهة استطاع الدكتاتور بالإمعات من الأتباع أن يستصدر سنة 1980 القانون رقم (49) الذيعرف باسم قانون العار، الذي يحكم بالإعدام على الإخوان المسلمين وجعل من ذلك القانون مبررا لمواجهته المعارضين طوال مدة حكمه، وقد بوّأته مواجهته هذه مكانة دولية رفيعة، وقرّبته جدا من إيران التي كانت تتطلع بشغف إلى مد نفوذها إلى سورية ذات التوجهات الطائفية فضلا عن الدول الكبرى الواقعة تحت هيمنة الصهيونية الدولية، والتي وجدت في النظام حليفا قويا لها بالرغم من ممانعته العتيدة التي اشتهر بها، والتي  سوقتها له دوائر إعلامية مختصة.

5- التدخل في الأزمة اللبنانية، واللعب على وتر التناقضات الطائفية فيها، وإتاحة الفرصة أمام حزب الله الذي كان قد بدأ نشاطاته مع بداية الثورة الإيرانية من أن يكون أكثر قوة، بل يكون اللاعب الرئيس في لبنان وظهيرا للنظام السوري، في توجهاته الطائفية، وفي مواجهته الشعب السوري، وتحجيم الوطنيين اللبنايين, وتصفية المخيمات  الفلسطينية ( تل الزعتر وصبرا وشاتيلا) شاهد على ذلك, وكذلك قضاؤه على انقلاب الأحدب وعلى حركة الملازم أول أحمد الخطيب, وكلاهما من وجهة نظره يقوّي السنة في لبنان.

6- تحويل سورية إلى دولة طائفية، يقوم نظام الحكم فيها على الوراثة، وتهيئة أسباب ذلك، مدنيا وعسكريا وبما يضفي الشرعية القانونية, فما إن أعلن موته سنة 2001 حتى دعي البرلمان لاجتماع طارئ، وبالإجماع وخلال بضع دقائق أقرّ تخفيض سن رئيس الجمهورية إلى (34) سنة، وهو عمر الابن يومئذ وبذلك تحولت سورية إلى دولة جمهورية وراثية. وقد تكون هذه التجربة, التجربة الأولى في التاريخ السوري القديم والحديث.

بشار الأسد: الابن الذي ورث الحكم عن أبيه وهو لم يتجاوز بعد عامه الرابع والثلاثين, وفضلا عن ذلك فهو لايخلو من ضعف، وضعفه أوقعه في أسر عتاولة النظام من ناحية وفي أسر التدخلات الأجنبية من ناحية أخرى، وبالتالي أدى به إلى فقد القرار والانجرار بقوة وراء تلك التدخلات، ومنها التدخلات الإيرانية، التي أرادت لسورية أن تكون خصاصاً طائفيا محضا، والتدخلات الروسية، التي أرادت أن تجد لمصالحها القومية موضع قدم في سورية الحديثة. وهذا التدخل انعكس سلبا على رئيس النظام، الذي كان عليه بدلا من أن يواجه التدخلات الأجنبية, أن يواجه الشعب بقصف المدن، ومهاجمة المدنيين العزل، وكان سلاحه الأكثر شهرة ( البراميل المتفجرة) التي وصفت بالعمياء، وغير الموجهة. وكان حصار المدن، وترك المدنيين العزل ( النساء، والشيوخ، والأطفال، والمعوقين) يموتون جوعا تحت وطأة الحصار, السمة التي امتاز بها دون سابقيه، وقيل ماقيل عن بشار الأسد فهو الذي يتحمل مسؤولية مايجري في سورية اليوم، وماقد يؤول إليه أمرها بعد, ومن ذلك أن تفقد هويتها الوطنية والقومية والإسلامية. وهو مانحذر منه ونخشاه, وماكان له أن يكون لولا استهتار السوريين بقضاياهم المصيرية، وعدم التعامل معها من واقع المسؤولية, والركون إلى الإمعات الذين كانوا بمثابة الظهير الأكبر للنظام الطائفي، الذي فعل مافعله في سورية عن علم ودراية، وعن  مخططات معدة مسبقا، وبشكل تقني ومدروس.

وهذا الكلام يقودنا إلى ثلاثة نتائج:

1- الاستخفاف بالشعب: والاستخفاف بالشعوب يجعل الحكام متعالين على شعوبهم وقتلة ومجرمين ولامبالين بهم, رضوا أم سخطوا, ففي مرحلة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، اتهمت غالبية الشعب بالرجعية، والاقطاعية والامبريالية واتهمت النخب المثقفة بثقافتها التي لقنتها، ولم يعد أمامها من خيار، إما أن تكون بعثية، ترى مايراه البعثيون أو أن تُهضم وتُقصى وتُتهم, وحتى بالنسبة للبعثيين كان عليهم أن يسيروا بأعين مغمضة، وأن ينفذوا مايطلب منهم، وهذا بدوره قاد إلى الفساد العريض، الذي كان عليه النظام وبالتحديد من 8/3/1963 إلى15/03/ 2011م.

2- المضي قدما في السياسات الطائفية: حسب المخطط المرسوم لها، وعدم المبالاة بالشعب الذي استخف به سلفا والمعروف أن السياسات الطائفية في سورية بدأت مع الاحتلال الفرنسي سنة 1920 واستمرت إلى الآن, والثورة السورية وظروفها ومآلاتها، ومايحدث على الساحة السورية اليوم نتاج طائفي بامتياز, وما وجود الميلشيات اللبنانية والأفغانية والباكستانية والإيرانية والعراقية على الأرض السورية إلا دليل على الطائفية, وماهي عليه من قوة في مواجهة الشعب السوري الذي لم يدرك خطرها ولم يتخلص منها في مراحلها الأولى.

3- التمادي في العدوان وعدم الوقوف عند حد مانع، مهما كان ذلك الحد المانع. فتسريح الضباط السنة من الجيش لم يتوقف عند حد التسريح وإنما تعداه إلى الملاحقة والمحاربة بلقمة العيش, وبناء النظام الطائفي على أسس طائفية بحتة، لم يجعل قادة ذلك النظام يتوقفون عند حدود ذلك وإنما توسعوا في المفهوم، ليجعلوا من السني تابعا للطائفي، دون أن يفكروا بغضب السنة الذين كانوا يعدون أنفسهم حماة الديار، كما لم يحسبوا حساب الإسلاميين الذين كانوا أكثر هضماً وإقصاء من كل الفئات الأخرى، والذين سبق أن لقنوهم في الثمانينيات درسا لم ينسوه بعد.

……………………………….

رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …