د.عزالدين الكومى يكتب: الشنقيطى والتحامل على الإخوان وإخوان الإخوان

شاهدت مقابلة الدكتور الشنقيطى ، مع قناة مكملين وقد تحدث خلالها عن الحالة الثقافية التى كانت سائدة في عشرينيات القرن الماضي ،وقال إنها لا تصلح اليوم ، وعن الإمام “حسن البنا”- رحمه الله-قال: كان عبقريا مجدداً ، ولكنه لم يبن مؤسسات بل بنى أتباعاً.

كما قال المرحوم “مصطفى صادق الرافعي: “ليس المصلح من فكَّر وكتب، ووعظ وخطب، ولكنه الحي العظيم الذي تلتمسه الفكرة العظيمة لتحيا فيه، وتجعل له عمرًا ذهنيًّا يكون مصرفًا على حكمها، فيكون تاريخه ووصفه هو وصف هذه الفكرة وتاريخها”.

وكما يقول الشيخ “محمد الغزالى “- رحمه الله- كان حسن البنا- رضي الله عنه- يلخِّص لسامعيه حقائق الدين والدنيا، ويوجِّههم بحبٍّ ورفق إلى ما يريد من خدمة الإسلام، وتجاوز المرحلة التاريخية الصعبة التي يمر بها، أو التي كبا فيها”.

فهناك مجموعة مغالطات وقع فيها الدكتور “الشنقيطي” بنسفه لتراث الحركة الإسلامية نسفاً، وهو ماأوقعه في التحامل والإجحاف بحق الحركة الإسلامية. 

ودلل على ماذهب إليه  بأن المرشد،في نظام الإخوان يبقى مدى الحياة، عندما حاولوا تعديل ذلك قالوا:بأنه يبقى مادام أهلاً، والحركة الإسلامية تركز على عبقرية القائد وليس على عبقرية المؤسسية!!

بداية نقول للدكتور الشنقيطى، أليست حماس التى يتغنى بها العرب والمسلمون ، هى نتاج حركة الإخوان المسلمين، وأحسب أن الشيخ أحمد ياسين صنع قادة، ولم يصنع أتباعاً-فقط- إلا إذا كانت حماس وقادنها بنظر الشنقيطى، لم يتخلصوا من إرث الماضى، ومازالوا مقيدين بثقافة العشرنيات  !!

ومالا يعرفة الدكتور الشنقيطى ، أويحاول تجاهله، أن لائحة الجماعة ، وضعت في عهد الامام البنا ،وتم تعديلها ، بعد ذلك ،وهى تقوم على المؤسسية.

وعلى سبيل المثال عندما تنازل الإمام البنا عن الترشح ، في انتخابات البرلمان ،وقف له أعضاء الهيئة التأسيسية لأنه لم يرجع لهم في قرار تنازله.

أما  عن فترة تولى المرشد ، بأن تكون دورتين لم تتم في عهد الشهيد “محمد عاكف –رحمه الله- ولكن تم تعديلها في عهد المرشد ، “محمد حامد أبو النصر”

والإمام البنا ومن بعده من المرشدين  لم يهتموا فقط بالأتباع دون صناعة القادة، فعندما سئل عن عزوفه عن تأليف الكتب قال- رحمه الله-:أنا مشغول بتأليف الرجال عن تأليف الكتب.فالإمام شُغل بتأليف الرجال وتخريج العلماء، وتكوين الرموز، فقد كان الإمام البنا حريصاً على صناعة رموز للأمة في مختلف المجالات .

إما بتوجيهاته، أو بتعهده للأشخاص، أو بتلمس عناصر القوة في الشخصية التي أمامه فيدلها على مكامن قوتها العلمية لتفيد ، ومن هذه النماذج ، الدكتور”توفيق الشاوى” الذي وجهه الإمام البنا لدراسة الدكتوراه في القانون في فرنسا بدلا من أمريكا.

 والدكتور حامد ربيع- رحمه الله- الذي يحكي أنَّ والده أخذه ليصافح الشيخ حسن البنا في صغره، فقال والد الدكتور حامد ربيع للشيخ البنا: ادع الله لإبني يا مولانا، وكان عمر ابنه اثني عشر عامًا، فقال حسن البنا: أسأل الله أن يجعله ممن يخدمون الإسلام في مجالِ السياسة،

  وكذلك الشيخ السيد سابق رحمه الله، فقد رأى الأستاذ البنا السيد سابق الطالب في كلية الشريعة، وقد جلس إلى شيخه حسن البنا، فشجَّعه على الكتابة في مجلة الإخوان المسلمين، ونصحه بأن يملأ الفراغ الموجود في الكتابة الفقهية، فكان كتابه (فقه السنة) الذي كتب مقدمته الإمام البنا.

 ومن هؤلاء الشيخ محمد الغزالي، فقد شجَّعه وهو طالب بالفرقة الثالثة في كلية أصول الدين، ليكتب في مجلة (المنار) التي تولَّى البنا رئاسة تحريرها خلفًا للشيخ رشيد رضا، وهو فى الثلاثين من عمره.

 والإمام البنا هو الذى صنع الدكتور السباعى، والدكتور الصواف، والشيخ محمد الحامد، والمستشار الهضيبى، والشيخ عمر التلمسانى، والأستاذ مصطفى مشهور وغيرهم كثير، فليس من الإنصاف أن يقال إن الإمام البنا  والإخوان صنعوا أتباعاً ولم يصنعوا قادة؟!!

ويكون الإبداع وتغير الوسائل حسب الزمان،  وهو موجود في كل كيانات الجماعة، والاستفادة من التقنيات الحديثة لتحسين  الأداء. والجماعة تحرص على ذلك ، وحماس خير دليل على ذلك!!

وقد قال روبير جاكسون في كتابه حسن البنا الرجل القرآني:

كان حسن البنا الداعية الأول في الشرق الذي قدم للناس برنامجا مدروسا كاملا، لم يفعل ذلك أحد قبله… كان مذهبه السياسي أن يرد مادة الأخلاق إلي صميم السياسة بعد أن نزعت منها وبعد أن قيل: إن السياسة والأخلاق لا يجتمعان.

“ومن أبرز أعمال هذا الرجل، أنه جعل حب الوطن جزءا من العاطفة الروحية فأعلي قدر الوطن وأعز قيمة الحرية، وجعل ما بين الغني والفقير حقاً وليس إحساناً، وما بين الرئيس والمرءوس صلةً وتعاونًا وليس سيادة، و ما بين الحاكم والشعب مسئولية وليس تسلطاً. وتلك من توجيهات القرآن، غير أنه أعلنها هو علي صورة جديدة لم تكن واضحة من قبل”.

وهذه شهادة أخرى منصفة للإمام البنا ومشروعه الإصلاحى ، وأن البنا لم يكن سجين ثقافة زمانه.

تقول الباحثة الألمانية “إيفيزا لوين” :”كانت لديه القدرة على تبسيط الأفكار المعقدة، وتقديمها إلى الجماهير بشكل مبسط، ولم يكن يدعو إلى قداسة معينة أو كهانة باسم الإسلام، وإنما كان يدعو إلى فهم الإسلام ببساطة دون وِصاية من المؤسسات الدينية.

وتضيف: “قام الشيخ “حسن البنا” بتعليم بناته على خلاف ما كان سائدًا في هذا العصر من عدم تعليم البنات؛ مما يؤكد أنه كان لديه نظرة متقدمة للنهوض بالمجتمع عن طريق الاهتمام بتعليم المرأة، وتضيف: لذلك أرى أن الشيخ “حسن البنا” كان لديه إستراتيجية إصلاحية شاملة، رغم ما يذكره البعض من اتهامات، فمنهج الشيخ “البنا” كان يشمل إصلاح الفرد، وتطهير النفس، ثم إصلاح الأسرة، وبعد ذلك المجتمع؛ مما يجعله مشروعًا إصلاحيًا بعيدًا عن النهج الثوري أو الانقلابي أو التغيير الفوقي، وكان “حسن البنا” يتحدث عن النهضة والرقيّ والتقدّم، وكان يسعى إلى تحديث المجتمع الإسلامي . والأدبيَّات التي خلَّفها “حسن البنا” تؤكد أن مشروعه الإصلاحي كان كاملاً.

 ويقول الدكتور ديفيد كومونز الأستاذ في جامعة ويكنسون الأمريكية في بحث بعنوان (الإخوان المسلمون في التراث الشعبي المصري ):-

“لذلك وضع الإمام البنَّا قواعد أساسية ممثلة في الأصول العشرين ؛ لتكون مرتكزًا لفهمٍ صحيحٍ، وإدراكٍ واعٍ، لتعاليم الإسلام الحنيف الذي جاءنا من عند الله تعالى، ولتكون قاعدةً للاتِّفاق والائتلاف بين المسلمين عامة، والعاملين للإسلام خاصة.

لذلك كانت حركة الإخوان المسلمين ومازالت أمل الأمة في مشارق الأرض ومغاربها ، فهي تزيد ولا تنقص وهي تقوي ولا تضعف ،  رغم الضربات الكثيرة ضدها  والتربص بها   .

وختاما  نسوق ماا قاله الشيخ الغزالى – رحمه الله- “إن الرسالة التي حمل لواءها حسن البنا يجب أن تبقى، وهي رسالةٌ يستحيل أن يكرهها مسلم مخلص لله ورسله، ولا تزال جماعة الإخوان المسلمين بعد عشرات السنين من اغتيال حسن البنا أعدلَ الجماعات الإسلامية، ولا يزال التاريخ الإسلامي المعاصر بحاجةٍ إليها، وأحسب أن الذين يهاجمونها إما أبواق لأعداء الإسلام، وإما جهلة لا يدرون شيئًا!!”.

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …