د/ عزالدين الكومي يكتب :التحالف المستتر: كيف تحوّلت شعارات “الموت لأمريكا” إلى استثمارات أمريكية بتريليونات الدولارات؟

تظل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا في التاريخ السياسي المعاصر. وغالبًا ما تُسوَّق هذه العلاقة للرأي العام على أنها عدائية بحتة، قائمة على تصادم أيديولوجي وعداء معلن، إلا أن قراءة دقيقة للتاريخ السياسي والمواقف الاستراتيجية بين البلدين تكشف عن واقع مغاير كليًا.

واقع تحكمه المصالح، وتُدار خيوطه خلف الكواليس، في ظل غطاء إعلامي يُضخم العداء ويُخفي حقيقة التنسيق.
ويتجلى هذا الواقع اليوم في العرض الأمريكي المفاجئ باستثمار 4 تريليونات دولار في الاقتصاد الإيراني، وهو عرض يبدو مناقضًا تمامًا للخطاب العدائي المعلن من واشنطن، لكنه يصبح منطقيًا حين نعيد قراءة سجل العلاقة غير المعلنة بين الطرفين.
فعلى الرغم من أن الجمهورية الإسلامية رفعت منذ 1979 شعارات مناهضة لأمريكا – أبرزها “الموت لأمريكا” – إلا أن التاريخ يكشف أن هذه الشعارات كانت أداة للتعبئة الداخلية والإقليمية، بينما العلاقات مع واشنطن سارت في خطوط موازية من التعاون غير المعلن والتنسيق المرحلي، بما يخدم بقاء النظام وتوازنات المصالح الدولية.
أبرز المحطات التي تكشف طبيعة هذا التحالف المستتر:
1. فضيحة “إيران–كونترا” (1985–1987)
في ذروة العداء المعلن، عقدت إدارة ريغان صفقة سرية لبيع أسلحة إلى إيران عبر إسرائيل، رغم الحظر. تم استخدام العائدات لتمويل جماعات الكونترا في نيكاراغوا.
الصفقة كانت دليلاً فاضحًا على أن الشعارات الثورية لم تمنع واشنطن وطهران من التعاون، متى ما التقت مصالحهما.
2. التنسيق في غزو أفغانستان (2001)
بعد هجمات 11 سبتمبر، قدمت إيران معلومات استخباراتية للتحالف الأمريكي، وساعدت عبر “تحالف الشمال” في إسقاط طالبان.
أشاد دبلوماسيون أمريكيون بالدور الإيراني، وأقروا بأن طهران لعبت دورًا مفصليًا في دعم المشروع الأمريكي هناك.
3. تسهيل الغزو الأمريكي للعراق (2003)
إيران تعاونت مع القوات الأمريكية عبر دعم ميليشيات شيعية ساعدت في ترسيخ الوجود الأمريكي، بينما سمحت واشنطن بتمدد النفوذ الإيراني في بغداد بعد سقوط صدام.
تم تفكيك الجيش العراقي لصالح قوى موالية لطهران، وتحول العراق إلى ساحة نفوذ مشترك غير معلن.
4. الاتفاق النووي (2015): شرعنة النظام وتوسيع النفوذ
رعته إدارة أوباما، وكان أكثر من مجرد اتفاق نووي. فقد حمل في طياته اعترافًا بشرعية النظام الإيراني، ورفعًا جزئيًا للعقوبات، مما مكّن إيران من ضخ الأموال في أذرعها العسكرية والإقليمية.
الاتفاق لم يكبح التمدد الإيراني، بل وفر له غطاءً دوليًا.
5. فزاعة إيران: رافعة اقتصادية لواشنطن في الخليج
كل تصعيد إيراني في الخليج كان يُقابل بزيادة ضخمة في صفقات التسلح الخليجية مع الولايات المتحدة.
أشهر مثال: تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز، والتي أسفرت عن صفقات تسليح بأكثر من 100 مليار دولار للسعودية والإمارات، وهو ما حوّل إيران إلى فزاعة تخدم الصناعة العسكرية الأمريكية.
6. الصمت الأمريكي على التدخلات الإيرانية
رغم تزايد نفوذ طهران في لبنان واليمن وسوريا، لم تبادر واشنطن إلى مواجهتها فعليًا، بل اكتفت بتصريحات إعلامية.
التدخلات الإيرانية استُخدمت كمبرر لتوسيع الوجود العسكري الأمريكي، وتعميق الاعتماد الخليجي على واشنطن.
7. صفقة الـ4 تريليونات: بداية تحالف اقتصادي؟
العرض الأمريكي الضخم باستثمار 4 تريليونات دولار في الاقتصاد الإيراني يُعد خطوة مفصلية في العلاقة بين الطرفين.
فهو لا يعكس فقط رغبة واشنطن في إعادة دمج طهران اقتصاديًا، بل يُفهم أيضًا في سياق تسوية إقليمية أوسع، تشمل توزيع النفوذ وضمان استقرار النظام الإيراني في وجه تحدياته الداخلية.
واللافت أن الموافقة على العرض صدرت من أعلى المستويات في طهران، بما في ذلك المرشد الأعلى، في إشارة واضحة إلى حجم التنسيق غير المعلن بين الطرفين.
وأخيرا تؤكد جميع المحطات أن العلاقة بين إيران وأمريكا لم تكن يومًا قائمة على عداء جوهري، بل على توازن مصالح، وتبادل أدوار.
الخطاب العدائي الإيراني موجّه للاستهلاك الشعبي، أما الولايات المتحدة فتستخدم “الخطر الإيراني” كأداة لتسويق سياساتها في الشرق الأوسط.
وفي خضم هذا التحالف المقنّع، تبقى الشعوب العربية – خصوصًا الخليجية – ضحية لعبة كبرى يُراد لها أن تظل مشتعلة دون أن تنفجر.
العداء المعلن كان غطاءً، والتحالف غير المعلن كان القاعدة. واليوم، مع عرض الاستثمارات الأمريكية بتريليونات الدولارات، تسقط الأقنعة لتتكشف حقيقة العلاقة: شراكة تخدم النفوذ، وتُديم التوتر، وتستثمر في صراعٍ لا يُراد له أن ينتهي. 

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …