د. عزالدين الكومي يكتب: الصحافة الصفراء ودورها الأمني

صحيفة “المصريون”, المتخصصة في مهاجمة الضحية دون الجلاد، يحلو لها الحديث عن انشقاقات الإخوان، وتروج لعدد من الأراجيف، وتتحدث عن ما اعتبرتها أول مراجعة لمواقف الجماعة منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 حتى يناير 2017, وأن المراجعة تتضمن خلاصات لدراسات وأبحاث وورش عمل، قام بها عدد من المتخصصين في علوم الاجتماع والسياسة والقانون والشريعة، بمشاركة بعض قيادات وكوادر الإخوان بالداخل والخارج، على حد زعمها.

وكان يتوجب على الصحيفة بالمقابل أن تذكر بيان المتحدث الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، الذى صرح بأن جماعة الإخوان المسلمين، تؤكد على أنه لم يصدر عن أي من مؤسسات الجماعة، أية أوراق بشأن مراجعات أو تقييم لأحداث، وتؤكد عدم صلتها بالبيان الصادر بهذا الخصوص، ما يعنى أن من أصدر البيان مجموعة منشقة لا صلة لها بالجماعة.

لكنها لم تفعل.

الصحيفة اعتبرت أن هذه تعد أول مراجعة فكرية وسياسية، لا لشيئ إلا لأنها تعتبر الجماعة فاشلة، وأن الفشل يصاحبها منذ نشأتها وحتى اليوم، مع علمها بأن الجبهة المزعومة ليس لها تواجد على أرض الواقع.

بل إن الصحيفة راحت تبشر كعادتها بأن هذه المراجعات ستكون بداية لصدام داخلي بين قيادات الجماعة، يمكن أن يشطرها لنصفين.

 والحقيقة أن من قرأ هذه المراجعات، أو تابع المنسق المزعوم على قناة الجزيرة، يستشعر لأول وهلة، بأن من كتب هذه المراجعات وأملاها هي هيئة الإرشاد القومي الهيكلية الناصرية، إبان الحقبة الناصرية البائدة أو الشؤون المعنوية لعسكر كامب ديفيد أو كل من أصابته الحمى القلاعية، وجنون البقر والبشر لما رأى من الصمود الأسطوري، وتماسك الجماعة أمام هذه الهجمة الكونية الشرسة، والتي يساهم فيها طغاة الأرض؛ من أمريكا، لأوربا، للكيان الصهيوني، لمشايخ البترودولار، والحاقدين من بنى علمان وبنى ليبرال، وكل مارق في الداخل والخارج، وأن المراجعات فرصة ذهبية لكل من هب ودب من الشخصيات السياسية ليساهم في تقطيع الإخوان، والتنكيل بهم.

وهي تدعو الإخوان للعمل السلمي, وكأنهم يمارسون العنف ويرفعون السلاح ويمارسون الإرهاب ضد من خالفهم، وكأن مرشدهم لم يعلن أمام العالم، من على منصة رابعة بأن “سلميتنا أقوى من الرصاص”.

 ولكن على ما يبدو أن هذه المهاترات التي سميت زوراً بالمراجعات حققت حلم الكثيرين، الذين يتطلعون لرؤية هذا الكيان مفككا ومنقسما على نفسه بعدما استعصى على مدار تاريخه، على ضربات الطغاة من عملاء الشرق والغرب، ولكن لسوء حظهم أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة واحدة وكيان متماسك رغم البلاء والمحن.

ولم تكتف الصحيفة بهذا القدر من التطبيل والتهليل والتزلف للنظام الانقلابي، بل راحت تطالب بمحاكمات داخلية وليس مراجعات فقهية، وزعمت أنها قدمت النصيحة لجماعة الإخوان المسلمين، لكن صلف وغرور الجماعة، حال دون قبول النصح والإرشاد، وتصرح بأننا تعودنا من “الإخوان”، بأنها تفهم كل الرسائل خطأ وتأتي تقديراتها للواقع على عكس منطق الأشياء وحركة التاريخ، وتسيء تقدير الموقف بشكل مذهل، ولأول مرة نرى في العالم جماعة سياسية، تقع في الأخطاء الاستراتيجية الكبرى، بشكل منظم وممنهج، وكأنها تستعذب وتتلذذ بالأخطاء والخطايا، ولعلنا نلحظ هنا أن خطأ المرشد الثاني حسن الهضيبي مع عبد الناصر هو صورة طبق الأصل من خطأ المرشد الحالي محمد بديع.

وكأن المطلوب، حتى ترضى هذه الصحيفة عن قيادة الإخوان الفاشلة من وجهة نظرها، أن ينصاع الاخوان لفساد الجيش والقضاء والشرطة والإعلام وكل أذناب الدولة العميقة!

فأي منطق يقول: يجب أن تذهب إرادة الشعب واختياراته إلى صناديق القمامة من أجل عيون عسكر كامب ديفيد! فلماذا لا تخبرنا الصحيفة وكتابها، بأنهم يعشقون بيادات العسكر، وبالتالي لا حاجة لكم بالحديث عن إرادة وحرية الشعوب الرافضة لحكم العسكر، والمتطلعة للحرية وللعيش الكريم؟

أم هل فات الصحيفة أن الصراع هو صراع بين المشروع السني ـ والإخوان في القلب منه وحجر الزاوية له ـ وبين المشروع الصفوي والمشروع الصهيوأمريكي والمشروع الروسي؟ وما لا تعلمه الصحيفة ، أو تعلمه وتتجاهله، أن الإخوان رفضوا أن يدفعوا بمرشح إخواني للرئاسة، وأعلنوا ذلك وعرضوا الترشح على شخصيات معتدلة، من خارج الإخوان، من أمثال المستشارين طارق البشري ومحمود مكي، ولكنهم رفضوا، فلم يكن أمام الإخوان إلا الدخول إلى هذا المعترك وهم يعلمون أنه مغرم وليس مغنما.

ولعلنا نتذكر ما قاله زعيم عصابة الانقلاب لصحيفة أمريكية: لو القضية أن حكم مرسي كان فاشل كنا صبرنا عليه ثلاث سنوات، ولكنه أراد تغيير هوية مصر، وسعى نحو تأسيس خلافة إسلامية. يعنى الرئيس مرسي لم يكن فاشلا ولا الإخوان كانوا فاشلين، كما زعمت الصحيفة، ولكن كان هناك مخطط شيطاني، شارك فيه فلول المخلوع، وقوى دولية وإقليمية، وعسكر كامب ديفيد برعاية أمريكية، وبالتالي فإن ما جرى من انقلاب على الرئيس مرسي هو تخطيط صهيوني موقع عليه أمريكيا، وتمويل خليجي، وتنفيذ عسكر كامب ديفيد!

وتقدم الصحيفة نفسها باعتبارها على علم ببواطن الأمور، وعلى دراية بالتحقيقات التي تمت مع الدكتور عبدالرحمن المرسي، بعد إلقاء القبض عليه، وأنه خضع لتحقيقات قاسية، إلا أنه تمت معاملته بشكل لائق، مع بعض التهديدات، وأن التحقيقات شملت خمسة محاور أولها علاقته بقضية تنظيم العسكريين المنشقين من الجيش ودوره السابق معهم، وحقيقة تبنيه لهذا الملف ومعلوماته عنهم. وتعلق المحور الثاني بالتشكيل الإداري التابع له في الداخل وأهم العناصر القيادية التي تديره، فيما تطرق المحور الثالث من التحقيقات عن الخلاف داخل الجماعة. وتعلق المحور الرابع بتشكيلات الإخوان خارج مصر وتوزيع الأفراد، والمسئولين عن ملفي التمويل، والاتصال الدولي، وشمل المحور الخامس من التحقيقات تصوراته ومقترحاته لحل الأزمة بين الدولة والإخوان. كما أدلى بأسماء عدد من القيادات التي تدير جبهة المكتب العام بالجماعة وعدد من مسئولي لجانها الفنية، ليصل إجمالي عدد القيادات التي تم الاعتراف على أسمائها من الجبهتين 61 قياديًا وكادرًا، فيما تركزت الأسئلة على محافظات الصعيد والإسكندرية وكفر الشيخ ودمياط.

وحول تصوره لأزمة الإخوان مع الدولة، طرح المرسي مبادرة لاحتواء الأزمة تقوم على قدرته على إقناع محمد بديع، المرشد العام للجماعة، وخيرت الشاطر، نائب المرشد، بمقابلة الرئيس الأسبق محمد مرسي في محبسه، للتشاور في حل للخروج من الأزمة الراهنة!

 وأنا هنا أقدر المكانة المتميزة للصحيفة في علاقتها الحميمة بأمن الدولة،  أو أنها المتحدث باسم أمن الدولة!

هلا اهتمت الصحيفة بالكشف عن الدولة العميقة من عسكر وقضاء فاسد وشرطة ظالمة وإعلام، أو تذكر حقيقة ما يدور في سيناء من تهجير قسري، وقتل وهدم للمنازل وتجريف للزراعات، ومخططات الكنيسة وساويرس، وطبيعة العلاقة بين النظام الانقلابي والصهاينة، وعن بيع الجزر، وحقيقة سد النهضة، والأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يحياها المواطن المصري بحثا عن رغيف الخبر؟

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …