بالرغم من الرشاوى التى قدمها نظام الانقلاب إلى إيطاليا ، من خلال شراء صفقات أسلحة لاتسمن ولاتغنى من جوع ، سوى إسكات إيطاليا عن ملف ريجينى ، لكن أخيراً حانت الفرصة لمحاسبة هذا النظام المستبد .
فقد ظن هذا النظام القمعى ، أن جرائم التعذيب تسقط بالمماطلة أوالرشاوى ، أو دعم الفاشية الفرنسية ، أو غير ذلك من الأساليب ، التى يتبعها المستبدون في كل زمان .
لكن لابد أن يعلم هذا النظام البوليسى ، كما أن هناك جرائم تسقط بالتقادم ،يحددها قانون كل دولة.
فإن هناك جرائم لاتسقط بالتقادم، مهما تطاول الزمن، ومن ذلك جرائم التعذيب، فقد نصت المادة (5) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أنه: “لايجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة من الكرامة”.
وكذلك، نصت المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على نفس المبادئ .
كما أن محكمة القضاء الإدارى في مصر ، أكدت على ذلك في حكم لها فقد قالت في حكمها:
“التعذيب بجميع صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم، مهما طال الزمان، لمخالفته حقوق الإنسان.
ومع ذلك فإن النظام المصرى، يمارس التعذيب بكل صوره وأشكاله فى السجون والمعتقلات وأماكن الاحتجاز،وأقسام الشرطة.
واليوم تعود قضية ريجينى إلى الواجهة من جديد ، من خلال اتهام النيابة الإيطالية لأربعة ضباط مصريين بتعذيب وقتل ريجينى.
وقد حاول النظام إرضاء إيطاليا بقتل خمسة مواطنين أبرياء ، بزعم أنهم تشكيل عصابى كانوا وراء قتل ريجينى ، وأعلنت النيابة العامة يومها أنها توصلت إلى أدلة ثابتة على ارتكاب أفراد تشكيل عصابِي، واقعة سرقة متعلقات الطالب المجني عليه بالإكراه، حيث عثر على تلك المتعلّقَات بِمسكن أحد أفراد التشكيلِ.
والسؤال هنا للنيابة العامة ، التى تتستر على جرائم داخلية الانقلاب، لماذا تمت تصفية التشكيل العصابى -إذا كان فعلا متورطا في قتل ريجينى- قبل التحقيق مع أفراد هذا التشكيل، لمعرفة دوافع الجريمة؟ ولماذا لم يقدموا للمحاكمة؟
وبعد مرور أربعة أعوام على واقعة مقتل ريجينى، أكدت “النيابة العامة المصرية”، أن مرتكب واقعة قتلِ الطالب المجني عليه لا يزال مجهولا، وأَنها ستتصرف في ملف تحقيقات الواقعة بغلقه مؤقتا، مع تكليف جهات البحث والتحري بِموالاة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة، للوصول إلى مرتكب الجريمة .
ومن المسؤول- إذن – عن قتل الخمسة الأبرياء، الذين تمت تصفيتهم لإسكات إيطاليا؟!!
ولكن “ألاعيب شيحة”، التى مارسها النظام المصرى خلال أربعة سنوات ،لم تنطل على النيابة الإيطالية ، واستطاعت من خلال التحقيقات الوصول إلى القتلى الحقيقيين ، ووجهت لهم تهم الخطف والتعذيب والقتل، وهم الضباط: طارق صابر، وآسر كمال، وحسام حلمي ومجدي شريف.
و في جلسة لإحدى اللجان البرلمانية الخاصة ،أكد النائب العام الإيطالي وجود 5 شهود، أحدهم رأى ريجيني عند توقيف الأمن المصري له؛ وأوضح أن شاهدا آخر يعمل في فرع الأمن الوطني في لاظوغلي بالقاهرة، شاهد ريجيني مقيدا وعليه آثار التعذيب.
ومما لا شك فيه، أن اتهام النيابة الإيطالية للضباط المصريين المتورطين في تعذيب، وقتل ريجينى ، يعتبر وثيقة إدانة قضائية مهمة لأجهزة النظام الاستخباراتية والأمنية، وللقضاء المصري “الشامخ” الذى تستر على كافة الجرائم التى ارتكبت منذ الانقلاب العسكرى، وحتى اليوم.
كما أنها ستساعد على تعرية هذا النظام القمعى، باعتباره “مسجل خطر”، يمارس الإرهاب ضد الشعب، والقتل خارج إطار القانون، فضلاً عن التعذيب والتنكيل بالمعتقلين، وقتلهم بالبطيئ، والإخفاء القسرى، مع إفلات الجميع من المحاسبة.
زد على ذلك أن نفي السلطات الانقلابية، لمسؤوليتها عن مقتل ريجيني، رغم ما قدمه الجانب الإيطالي من أدلة دامغة، يضع علامات استفهام كثيرة، ويشكك في كافة الروايات التى ينشرها هذا “النظام” عبر إعلامه الفاسد، في كافة القضايا.
لقد ظل “النظام” المصرى يعطى الوعود، ويماطل لتمييع القضية،كعادته في التهرب من الإدانات الدولية، لكن مطالبة والدي ريجينى المستمرة، والضغط على الحكومة الإيطالية، وتبنى بعض أعضاء البرلمان الإيطالى للقضية، ومنظمات حقوق الإنسان، والإعلام الإيطالى،كل ذلك فضح الجانب المصرى ، وكشف عن عدم تعاونه للوصول للحقيقة، بل صمت وكذب وتهرب، ليستفيد من عامل الوقت.
وقد كشفت عائلة ريجيني عن تواصل أسر معتقلين مصريين معها، لإيصال أصواتهم إلى المجتمع الدولي أملًا في إنقاذ ذويهم من التعذيب والحبس والاختفاء.
وقالت أيضاً : قتل ريجيني أصبح مرآة للواقع في مصر، وكيف يتم انتهاك حقوق الإنسان هناك، وكشف لنا كثيراً مما لم نكن نعرفه، و كثير من الأمهات المصريات كتبوا لي بشكل مباشر، و تحدثوا ، لأجل أنهم لايستطيعون الحديث.
نقول للآباء و الأمهات المصريين: نحس بكم و نشعر بما تشعرون به، باعتقال واختفاء آبنائكم واختفائهم ونحن هنا لأجلكم ولديكم الحق في أن تروا ذويكم وهو أبسط حقوقكم كمصريين”.
وكان تصريح السنيور “ماسميو أونجارو” – عضو اللجنة البرلمانية للتحقيق في مقتل جوليو ريجيني، من أقوى التصريحات في هذا الموضوع حينما قال:
“بالطبع نريد الحقيقة و العدالة، لأجل مواطننا الذي قتل وعذب بشكل وحشي، ومعها نريد الحقيقة للآلاف من المصريين، ممن يتم خطفهم و اعتقالهم بشكل متسارع، و هذه الوقفة تعني الكثير للمطالبين بالحرية و الديمقراطية في مصر”.
أما محامية عائلة ريجيني “ندرا باليرني” فقالت” إنها لا تؤمن أن واقعة القتل اعتداء فردي، وإنما جاءت من أعلى المستويات في النظام المصري.
وفي النهاية، لعل قضية ريجينى، تضع حداً لإجرام النظام الدموي ،بحق الشعب المصري المغلوب على أمره.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات