تعتبر تصريحات الطالبة ملك عبدالفتاح _الأولى على الثانوية العامة بمصر _ والتي قالت فيها : “اعتمدت على الدروس الخصوصية بشكل كامل ، ولم أكن أذهب للمدرسة لا أنا ولا زملائي ، لأني مش هعرف أوازن بينها وبين الدروس ، فالمدرسة فيها جزء من تضييع الوقت الكتير بين الحصص”.. تعتبر هذه التصريحات شهادة وفاة للتعليم بمصر .
فقد كشفت هذه التصريحات النقاب عن حقيقة التعليم في مصر ، وأن علاقة الطالب بالمدرسة مجرد جواز مرور لدخول الامتحانات فقط لا غير ، وذلك لعدم قيام المعلمين بدورهم في شرح الدروس أثناء الحصص ، وكذلك عدم قيامهم بدورهم التربوي بتحبيب الطلاب في التعليم وربطهم بمؤسساته ، فنتج عن ذلك عزوف الطلاب عن الحضور للمدارس ، والاستعاضة عن ذلك بالدروس الخصوصية ، وهذا يتم تحت سمع وبصر إدارات المدارس !! .
والغريب أنه لم يعقب أحد من المسؤلين على كلام الطالبة ، ويبدو أن الجميع مقر بالفشل !! .
هذه التصريحات من طالبة الثانوية أعادت للأذهان تصريحات قائد الانقلاب قبل أربع سنوات تقريباً عندما قال “يعمل أيه التعليم في وطن ضايع”.!!
وإذا أردنا أن نعرف مكاننا على خريطة العالم التعليمية فإن لغة الأرقام لا تكذب :
فقد احتلت مصر المركز 139 في جودة التعليم من بين 140 دولة فى العام الماضى 2021 بحسب مؤشر دافوس لجودة التعليم !! .
وهذا التدني في جودة التعليم يأتي في ظل تقدم مصر في احتلال مراتب متقدمة جدا في الظواهر السلبية !.
فقد احتلت مصر _للأسف _ المرتبة الأولي من حيث سوء أحوال المعيشة وزيادة الفقر والأمية والطلاق والإصابة بفيروس «C» وتلوث الهواء وحوادث الطرق .
والمرتبة الثانية في التحرش والإتجار بكافة أشكاله في البشر والجسد والنساء .
وهو ما يعكس حالة الفساد والفشل في منظومة التعليم في البلاد بالرغم من تصريحات وزير تعليم الانقلاب عن الاهتمام بجودة العملية التعليمية .
فهو لا يكف عن الحديث عن المنظومة الناجحة ، وأن المؤسسات الدولية تشيد بمنظومته الخارقة ، وأن الدول المتقدمة تسعى لاقتباس هذه المنظومة الخارقة!! .
ولكن تصريحات طالبة الثانوية أظهرت مأساة التعليم في مصر ، حيث معلم لا يتقي الله ، ولايراعي ضميره ، ويتحجج بالراتب القليل ، والأسرة مشغولة في السعي والكد من أجل لقمة العيش ، وطالب عصر الإنترنت الذي يريد الانعتاق من قيود المدرسة والحضور المبكر ، ومن وراء هؤلاء نظام عسكري فاشل جرّد البلاد من كل الكفاءات منذ انقلاب يوليو المشؤوم في 1952 وحتى اليوم !! .
حتى أصبحت العملية التعليمية مجرد مسرحية هزلية تشارك فيها الوزارة والمدارس والطلاب وأولياء الأمور !! .
يقول المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة : “عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان ، بنوا سور الصين العظيم واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه ، ولكن ! …
خلال المائة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات ! وفي كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية في حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه ..! بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب !! .
لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس .. ! فبناء الإنسان .. يأتي قبل بناء كل شيء ، وهذا ما يحتاجه طلابنا اليوم .
يقول أحد المستشرقين : إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فهناك وسائل ثلاث هي :
1- هدم الأسرة
2- هدم التعليم.
3- إسقاط القدوات والمرجعيات .
ولكي تهدم اﻷسرة : عليك بتغييب دور (اﻷم) اجعلها تخجل من وصفها ب”ربة بيت”
ولكي تهدم التعليم : عليك ب(المعلم) لا تجعل له أهمية في المجتمع وقلل من مكانته حتى يحتقره طلابه.
ولكي تسقط القدوات عليك ب (العلماء) اطعن فيهم ، شكك فيهم ، قلل من شأنهم ، حتى لا يسمع لهم ولا يقتدي بهم أحد .
فإذا اختفت (اﻷم الواعية) واختفى (المعلم المخلص) وسقطت (القدوة والمرجعية) فمن يربي النشأ على القيم؟؟؟
ويقول د. مصطفى كمال حلمي وزير التعليم العالي الأسبق : “إن مسرحية مدرسة المشاغبين كانت واحدة من أسباب كثيرة أدت إلى انهيار منظومة التعليم في مصر وتدنيه لأنها أفقدت المعلم الاحترام والهيبة نتيجة السخرية والاستهزاء والنيل من المعلم والعملية التعليمية” .
وقال آخر : إذا أردت أن تدمر بلداً فليس عليك أن تشن عليه الحرب ولا عليك أيضا أن تغرقه بالمخدرات ولا حتى أن تطلق عليه فيروسات سامة ، كل ما عليك هو أن تدمر التعليم فيها فتصنع أجيالا جاهلة باسم العلم .
فيموت المريض على يد طبيب نجح بالغش..!
وتنهار البيوت على يد مهندس نجح بالغش..!
ونخسر الأموال على يد محاسب نجح بالغش..!
ويموت الدين على يد شيخ نجح بالغش..!
ويضيع العدل على يد قاضٍ نجح بالغش..!
ويتفشى الجهل في عقول الأبناء على يد معلم نجح بالغش..!
فهل توقظ هذه التصريحات المسؤولين من سباتهم ليضعوا أيديهم على المشكلة ووضع حلول عملية لها بعيدا عن التطبيل وأحاديث المصاطب ؟؟ .
فهل من الممكن تبني النموذج السنغافوري مثلاً؟
فقد خصصت سنغافورة خُمس ميزانية الدولة للتعليم ، كما دفعت الطلاب إلى مناهج عالية المستوى ، واهتمت بوظيفة المعلم وجعلتها من الوظائف المميزة ، وذلك بعد رصد رواتب كبيرة لها ، وتوظيف المعلمين المتميزين الذين يملكون الرغبة والكفاءة مع إخضاعهم لعملية تقييم مستمرة .
فبذلك نهضت سنغافورة ، وبذلك تنهض أي أمة تريد النهوض .
فها نحن ندق ناقوس الخطر .. فهل من مجيب؟؟؟ .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات