لاشكّ أن عبادة جبر الخواطر من العبادات الهامة التى ربما يغفل عنها كثير من الناس لما فيها من المواساة والرحمه والشفقة.
وأحوال الناس لاتخلو من حزين يحتاج لمن يواسيه ولو بكلمة حانية، ومظلوم فى أمسّ الحاجة إلى من يعينه فى مظلمته، ومُبتلى بحاجة لأخ صادق يربت على كتفه ليصبِّره في بلائه، ومهموم أثقلته الهموم ينتظر من يفتح له باب الأمل، ويبشره بقرب الفرج،ومريض أقعده المرض ينتظر من يعوده ويخفّف عنه آلامه.
فعن ابن عمرَ رضي اللهُ عنهما:أَن رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ:المسلمُ أَخو المسلم، لايَظلِمُه، ولا يُسْلِمُهُ ، ومَنْ كَانَ فِي حاجةِ أَخِيهِ كانَ اللهُ فِي حاجتِهِ، ومَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسلمٍ كُرْبةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبةً مِنْ كُرَبِ يوم القيامةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ الْقِيامَةِ.
لذلك قال أهل العلم : مِن جبر الخواطر حين تقصد الشراءَ من البائع البسيط الذي يكد في طلب لقمة العيش الحلال، ولا تبخسه بضاعته؛ بل ربما تعطيه أكثر من قيمة بضاعته.
قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ*وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ [الضحى: 9، 10]. إنها صورة من أرقى صور جبر الخواطر، فلا تقهر أحدًا، ولا سيما من هذا حاله، كاليتيم والسائل.
فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : (أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ . قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالُوا : يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي , وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ , وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ , وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ ، إلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ : ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً . قَالَ أَبُو صَالِحٍ : فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ ، فَقَالُوا : سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا ، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) .
وعن أبي هريرة رضى الله عنه ،أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فقال: السلام عليكم، دار قوم مؤمنين، وإن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أنا قد رأينا إخواننا ، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، قالوا : كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غرٌ محجّلة بين ظهر خيل دُهم بُهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون غرًا محجّلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض).
وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقصد جبر خواطر الذين آمنو به ولم يروه.
وجبر الخواطر أحيانًا لا يحتاج منك إلى بذل المال، أو الجهد الكبير، ولكن يمكن أن يكون موقفاً لا يُنسى.
فلم ينس النبي عليه الصلاة والسلام موقف المطعم بن عدي حين أدخله في جواره يوم عودته من الطائف حزيناً أسيفاً فقال يوم أسر أسرى بدر :لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النّتنى لتركتُهم له.
كما لم تنسَ عائشة-رضي الله عنها- ما فعلته لأجلها تلك الأنصارية، مع أنها لم تذكر إلا أنها جلست تبكي معها.
وكذلك كعب بن مالك -رضي الله عنه- حين هروَل طلحة رضى الله عنه لاستقباله في المسجد حين تاب الله عليه، فقال كعب:”والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره،ولا أنساها لطلحة”!
وإذا كان جبرالخواطر عبادة عظيمة فإن كسر الخواطر، خلق سيئ وتصرف ذميم ، وكسر الخواطر لا ينجبر؛ لأن جبر الخاطر بعد كسره يصعب إعادته كما كان؛ لأنه يحدث جرحاً لا يندمل فى نفس الإنسان .
وهناك أناس يتكلمون في كل شيء وينتقدون كل شيء حداد الألسنة كلماتهم مؤذية جارحة وإذا قيل لهم: اتق الله أخذتهم العزة بالإثم.
لكن عندما يتحول الأمر لنوع من الاستخفاف بالعقول فهذا ليس من جبر الخواطر فى شيء فى ظل انتشار الظلم والقهر والقمع والفقر والجوع واستشراء الفساد، كما قال الزعيم الملهم:” الشكر والتقدير لجميع المصريين…تحملكم الأوضاع الاقتصادية الصعبة فيه جبر خاطر كبير ليا أنا شخصيا”.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التى يستخف فيها الجنرال بعقول الشعب المطحون.
فعند زيارته للدقهلية خاطب الناس قائلاً :”أنتم جبرتم بخاطري النهاردة في كل مكان روحته، أنا بقول إن أهل الدقهلية جبروا بخاطري النهاردة في كل مكان روحته، خلي بالك أنا راجل بسيط أوي خالص، وربنا إللي أراد إن أنا أبقى هنا”.
وبعد استفتاء 2019 ، على ترقيع دستور” النوايا الحسنة” وتزوير إرادة الشعب للبقاء فى السلطة إلى 2030، قال:”إنتوا جبرتم بخاطري وخاطر مصر”. كم أنتِ مظلومة يامصر؟!
فهل العبث بالدستور وترقيعه، والبقاء فى السلطة حتى 2030؛ يعتبر جبرا لخاطره وخاطر مصر؟!
جبرالخواطر، لايكون بالاستخفاف بعقولنا، إنما يكون بالسهر على مصلحة الشعب، وتفقد أحواله، وليس بإرهاقه وإذلاله وتكميم أفواهه!
جبرالخواطر يكون بالحفاظ على مقدرات الشعب، وليس التفريط فيها والحفاظ على تراب الوطن، وليس ببيع الأصول.
جبر الخواطر يكون ببناء المصانع وزيادة الإنتاج لابتكبيل الشعب بالقروض والدّيون!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات