قد برح الخفاءُ.. إنها المؤامرة العميقة على الأمة الإسلامية.
نعم، الأمة الإسلامية وعلى دينها الإسلامِ بالذات بعيداً عن المصطلحات الممجوجة أو الغبيّة أو المصنوعة أو العبثية التي راحتْ تلوكها ألسنةُ الساسة والأحزاب المادية والشخصيات (الوطنية) منذ عشرات السنين، ولاسيما في هذا العصر قبولاً بالمؤامرة أو انخداعاً.
ولقد بدأتِ المؤامرةُ منذ مئات السنين على عُنصر القوّة في هذه الأمة، وهو الدين, والدين وحده، فأوحوا إيحاء الشياطين للعصبيات الجاهلية داخل الأمة الواحدة من عربٍ وكُرْدٍ وتُرْكٍ، أنّ هذه الرابطة التي تربطكم بمجتمعٍ واحد ونسيجٍ واحد هي التي تُسبِّبُ لكم المشكلات، وتحجبُ عنكم عُنصر القوة والتفرُّد بالسلطان بوصفكم قوميّاتٍ ذاتَ شأنٍ. ففُكُّوا هذا القيد عن أنفسكم تتحرّروا ويرتفعْ شأنكم، وتكونوا من بعده قوماً صالِحينَ. للعربِ دولتهم المستقلة وللترك سلطانهم الذاتي وللكرد كذلك. ونَجَحَتِ المؤامرة على يد الأغبياء أو بالأحرى الخَوَنَة والعملاء.
أما نحنُ العرب فقد قيل لنا – في الوقت الذي كانت تُطبَخُ فيه المؤامرة على يد دول الغرب والمؤسسات الصهيونية، وعينُهم على فلسطين ليجعلوها وطناً قومياً لليهود ويفصلوها عن بُعدِها الإسلامي، بعد أنْ يفصِلوا العرب عن دولة الوحدة الإسلامية – نعم قال لنا المتآمرون: تعاونوا معنا لنُمكِّنَ لكم في الأرض، فتعاوَنّا نحنُ الموحِّدين بالله مع الأنجاس المشركين على هذا الأمل الواهي. وعندما طَلَعَ الصباحُ، إذا بنا نقبِضُ على الريح، وإذ لا وحدة ولا وطن موحَّداً ولا سلطان، بل تقسيم لأقطارنا ووضعها تحت سلطات الانتداب الغربية، ومنح فلسطين الغالية وطناً قوميّاً لليهود!
وفي هذه الأثناء؛ أي ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما بعدهما وقد وُضِعَ على الأمة تحت عين الغرب والشرق زعماءُ ربَّوْهُم على أيديهم، ولقَّنُوهم في مدارسهم أو مواخيرهم، من رجعيين وتقدُّميين، وعسكريين ومدنيين ملؤوا الجوَّ ضجيجاً وعجيجاً بوعودهم الكاذبة في خدمة الأوطان والشعوب واحترام إراداتها وحفظ حقوقها، بينما هم في الحقيقة يُعْمِلُون مبضع الجرّاح القاتل في أحشاء هذه الأمة، ويجزُّون رِقاب أبنائها بسكاكينهم المسمومة لمجرَّد معارضتهم لسياساتهم المأفونة.
وفي ظلال هذه السياسات المشبوهة التي لا تقبلُ بتاتاً أنْ يتدخَّلَ الإسلام في أيِّ أمرٍ من أمور الحياة، ضاعتْ فلسطين وأجزاءٌ أضعافُها من البلاد العربية إثر حروب صورية أو مفتعلة في وقتٍ كانت الشعارات الوطنية والقومية وحتى الإلحادية تملأ البلاد ويُوسَّدُ لها. أما الدين – وعند جميع الزعماء رجعيين وتقدميين – فخطٌّ أحمر رفعُهُ والمطالبة به. واللافت للنظر أنّ كل هذه الحروب الصورية كانت بشكلٍ أو بآخر تسوقُ شيئاً فشيئاً إلى التقرُّب من سياسة التعاون مع اليهود والقبول بهم.
وفي غمرة المؤامرة الكبرى على الأمة التي قادها الغربُ واليهود لفصْمِ عُراها وتفكيك أوصالها وهدْمِ بُنيانها، تنبَّه بعض العارفين بالله، الفاقهين للواقع، المُدركين لأبعاد الخطر الذي يُداهم المسلمين. ولا مِراء أنّه كان على رأس هؤلاء جميعاً حسن البنّا الذي نهضَ كالرِّئبالِ ليُوقِفَ المؤامرة الخبيثة، ولكنْ بتؤدَةٍ وتمهُّل، ورَوِيَّةٍ وتفكُّر بناءً على تربية إسلامية وطيدة، بعيداً عن التحزُّب والتنطُّع والتعجُّل. فأنشأ جماعته لتأخذ على عاتقها – ولو طال المدى – أنْ تعيد للأمة هيبتها، وتستعيد خِلافتها.
وعندها أدركَ الغربيون واليهود؛ أصحابُ المؤامرة الحقيقيون خطورة هذه الجماعة على مخططاتهم وشُؤْمِ سياستها عليهم، وأنّ كل مخططاتهم ستبوء بالخيبة إنْ كُتِبَ لهذه الجماعة وأفكارها النجاح والانتشار، وخاصةً أنهم رأوا أفكارها تنتشر في الداخل والخارج انتشار النور في الظلام، وخبروا أعمالها في حرب فلسطين وغيرها، فلْيُوقفوا زحفها ويقتلوا قادتها ويُشوِّهوا صورتها ويُخُوِّفوا عملاءَهم في بلاد العرب من خطورتها على كراسيِّهم ولْيُلصقوا بها التهمة الرائجة؛ تهمة الإرهاب، مما راح يُطْلِقُه عليها حتى مَنْ كان يُظَنُّ فيهم بعضُ الخير من رافعي شعار التوحيد وسيف النبوّة.
لقد كان أهم ما يَشْغَلُ البنّا وجماعته أنْ يحاربوا اليهود المحتلين ويطردوهم من بلادنا. وها هو رحمه الله، يقول لمجاهدي الإخوان في فلسطين سنة 1948م: اعلموا أنّه ما بَقِيَ يهوديٌّ واحدٌ في فلسطين، فلنْ تنتهي مهمّتكم. وإزاء ذلك، وفي هجير هذه السياسات المُستوردة في البلاد العربية، تساوقتْ نظرة زعمائها مع زعماء الشرق والغرب واليهود على حرب هذه الجماعة التي تجعل اتجاه بوصلتها وجلَّ اهتمامها لتحرير فلسطين، وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى.
وحتى يُرضي أولئك الزعماء سادَتَهم في الشرق والغرب والذين على رأس أجنداتهم أنَّ (إسرائيل وُجِدَتْ لتَبقى) فلْيُسارعوا إلى التقرُّب من الكيان الغاصب ولْيَعقدوا معه الاتفاقيات؛ من كامب ديفيد إلى أوسلو إلى مدريد إلى وادي عربة إلى واي ريفير إلى المبادرة العربية الداعية إلى اعتراف جميع العرب باليهود مقابل سلطة مهينة، إلى مطالبة هذه الدول وفي مقدمتها بعض دول الخليج ومصر إلى مقاطعة أيّة دولة تُؤوي حماس أو الإخوان المسلمين الذين ما زالوا وسيبقون، يرفعون شعار مقاومة اليهود.
الله أكبر، دول عربية تدَّعي الإسلام، وتعيش على خير المسلمين، وهي تدَّعي أنها في بلاد المقدّسات، تحارب الدعاة إلى الله والمجاهدين في سبيله، وتُرسل ببعض رجالاتها إلى الكيان الغاصب للتطبيع معه والتقرُّب منه! ما هذا التناقض؟ وأين الإسلام هنا؟ بل أين العروبة وشهامتها؟ وبالأمس واليهود الغاصبون يُقدمون على خطوة تُحرِّك كل مَنْ كان في ضميره ذَرَّةٌ من إيمان، بإغلاق المسجد الأقصى في وجه المصلين من أبنائه، فلا ترفع هذه الدول المطالِبة بحرب حماس والإخوان والمدعية حُبَّ فلسطين عقيرتَها ولو بكلمة واحدة ضد ما أقدم عليه اليهود من عَمَلٍ يَمَسُّ العقيدة ويؤذي نفوس مليار ونصف المليار من المسلمين في العالم!
وإنّني إذ أقول لليهود الأنجاس: إننا قادمون لتحرير بلادنا إنْ عاجلاً أو آجلاً، ولن تنفعكم كُلُّ هذه الأعمال الهمجية التي تُقدمون عليها ويُنكرها كل دينٍ وخُلُقٍ وإنسانية ومنطق، أُحيِّي وِقفة أهلنا البطولية في فلسطين وإصرارهم على إقامة صلاة الجمعة على أبواب المسجد المُشرَّف بعد منعها في داخله، وأُحيِّي الأحرار والحرائر من إخواننا وأخواتنا هناك، وأُحيِّي بشدة أهلنا وراء ما يسمّى بالخط الأخضر وأُمِّ الفحم (أم النور) بالذات وأبطالها الشهداء الثلاثة من آل الجبارين الكرام على ما أقدموا عليه من قتْلِ جندِ الصهاينة المحتلين. وإذا كنتُ أنوِّه باستنكار الدول الأربع؛ قطر والكويت وتركيا والأردن من مسألة إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين، فإنني وكل مسلمٍ في هذا البلد الكريم لا نكتفي من الأردن خاصةً بهذا الاستنكار، إذ أنَّ أقلَّ ما يُطلب منها وهي المسؤولة عن إدارة المقدسات في فلسطين وحمايتها، طردَ السفير اليهودي من على ثرى عمان الطاهر. كما وأنّني لأنظر باستهجان إلى التصريح الصادر من مصر والمتمثل بعبارة: نشعر بالقلق إزاء ما يحدث في الأقصى. فما هذه العبارة الرِّخْوة التي لا تصدر عن أصغر دولة عربية بَلْهَ عن أكبر دولة عربية وإسلامية؟
والآن أعَرَفْتم يا سادتي حقيقة هذا الواقع المهترئ الذي تعيشه البلاد العربية بعد تخليها عن الإسلام نظام حُكْمٍ ومنهاج حياة؟ إنها المؤامرة التي قَبِلَ بها العربُ عارفين أو غير عارفين والتي قادتْ بداياتها اللئيمة إلى نتائجها الخبيثة وبالتالي إلى هذا الوضع الشائن في واقعنا العربي من الخنوع والاستخذاء أمام شراذم الأُمم من اليهود.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات