العلماء هم في الأمّة كواكبها الدراري ونجومها الزّواهر، وفي المجتمع هُداته وقادته. وهم في أيّ شعبٍ الرّقباء على حسن سيره وسلامة تحرّكه. صحيحٌ أنّ هذه الصّفات قد تنصرف أصلاً إلى الأمراء في البلد أو الحكّام، غير أنّ العلماء في الحقيقة هم المشرفون على الحكّام أو أمراءُ الأمراء، يأخذون على أيديهم إذا انحرفوا، دون أن تأخذهم في ذلك لومة لائم، لأنّهم هم المسؤولون بالدرجة الأولى أمام الله عن إظهار الحق والمطالبة بتنفيذه ومحاسبة السلاطين إن حادوا عنه، ولو أدّى ذلك إلى أن يدفعوا الثّمن غالياً، لأنّ ما عند الله مقابل ذلك أغلى وأبقى.
وفي منزلة العلماء وأنّهم أصحاب الزّكانة والفهم الدّقيق الذين تُوجّه إليهم آياتُ الله لاستيعابها وإدراك مراميها، ومن ثمّ التّمسك بها ودعوة النّاس إليها، جاء قوله تعالى: (ومن آياته خلْق السّموات والأرض، واختلافُ ألسنتِكم وألوانِكم إنّ في ذلك لآياتٍ للعالِمين) وقوله جلّ وعلا: (وتلك الأمثالُ نضربها للنّاس، وما يعْقِلُها إلاّ العالِمون) بل إنّه سبحانه قصر خشيته وتقواه من أصناف النّاس على العلماء، بقوله: (إنّما يخشى اللهَ مِنْ عباده العلماءُ) وقولُ رسوله – صلى الله عليه وسلّم –: (العلماء ورثة الأنبياء. وإنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً إنّما ورّثوا العلم، فمن أخذ منه بنصيب أخذ بحظّ وافر) وقوله: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم).
ومن هنا كان للعلماء في المجتمعات الإسلامية – يوم كان للإسلام أعمدته الرّاسية فيها، وللحكّامِ المتربَّيْنَ على مائدة القرآن سمْتُهم الكريم، وللرعية وعيها العميق لدينها عزيزاً عليها لا تستبدل به نهجاً آخر، ويوم كان العلماء لا يبحثون عن المنافع الذاتية من مالٍ وجاهٍ ومناصب، إذ هم الموقّعون عن الله في تأمين إنفاذ شرعه، ويوم كانوا مكتفين بما في أيديهم ممّا قسم الله لهم من رزق وبما عنده لهم من منازل عليّة – أجل في مثل هذه الأوضاع كان للعلماء كلمتهم النّافذة، فكان الحكّام يتطلّبون رضاهم، لأنّهم احترموا أنفسهم باحترام علمهم، ولم يدوروا به على الأبواب متكسّبين.
ولمّا رقّ الدّين في الحياة الإسلامية، ولاسيّما في هذا العصر الذي نعيش، وذلك بعد القضاءِ على الخلافة وإقصاءِ الدّين عن منصّة الحكم وإدخالِ القوانين الغربيّة إلى البلاد تلك الملموسة بلمسة الأجنبيّ الكافر، وتدخّل الحكّام في مرتّبات العلماء ومراتبهم، وسيطرة الحكومات العربية على الأوقاف الإسلامية والتّحكم في الأزهر خاصّة مناهجه التدريسيّة وشيوخه وأساتذته، قلّ العلماء الفاقهون ونَدَرَ الدّعاة الحقيقيّون ونزر الرّجال الملتزمون الذين يعدّون دينهم أعزّ عليهم من الدّنيا وما فيها ومن الحكّام أنّى بلغت سطواتهم الجاهلية وعلت أصواتهم الجعجعيّة، ممّا فاقم ظلم الحكّام واستبدادهم، حتى لقد غدوا كأنّهم الفراعنة، يقولون: ما أريكم إلاّ ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرّشاد!!.
وساد هذا الوضع في معظم البلاد العربية والعياذ بالله، فكان من مخرجاته كما يقولون، أنْ خَنَس العلماء إلاّ من رحم الله، وكثر المنافقون ممن يتسمّون باسم العلماء ويتزيّون بزيّهم، يتطلّبون رضى الطّواغيت ويتنظّرون علفهم ويَفْرَقُون من سياطهم حتى لقد وجدت من يفتي لهؤلاء الطّغاة بتطبيق حدّ الحِرابة على الدّعاة الصادقين الذين قضوا حياتهم بالدّعوة إلى الله وجهاد أعدائه ومن ثمّ يفتون لأمثال أولئك بجواز الاعتراف باغتصاب اليهود لأرض المسلمين أو ضرب المتظاهرين من الشّعوب المطالبين بحقوقهم من متجبّري الحّكام، نعم ضربهم بالمليان (أي بالرّصاص الحيّ)!!.
ولا يعني هذا أنّ أمتنتا الإسلامية وخاصّةً فيما نتحدّث عنه في هذا العصر من انحدار العلماء أو الدّعاة عن المستوى اللائق بهم، من الجهر بكلمة الحقّ في وجه الظّلمة والتّرفع عن المنافع المزرية والمطامع المذهبة للهيبة والمشوّهة للسمعة، نعم لا يعني ذلك أنّها عقمت عن ولادة العلماء الأعلام الذين كانوا مثال الشّهامة والإباء والصّدع بالحقّ والتعالي عن الدنايا، وإنْ كانوا قلّة. فلقد أنجبت هذه الأمّة في هذا العصر من كرام العلماء أمثال حسن حبنّكة في الشّام وأمجد الزّهاوي في العراق وعبد الحميد بن باديس في الجزائر وعبد الحليم محمود وأبا زهرة، رحمهم الله أجمعين.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ موضوع هذا المقال دفعني إليه ما كتبه السّيد بسّام ناصر في جريدة السّبيل يوم الثّلاثاء (22/5/2018م) تحت عنوان: (دعاةٌ يطيشون على شبر دعاية) بأنّ ثلاثةً مِمّن عُرفوا أنّهم من الدّعاة في مجتمعاتنا العربية، وهم: عمرو خالد وعادل الكلباني ومحمد العريفي قد ظهروا على الشاشات التلفازية في برامج دعائية للتّرويج لمبيعاتٍ من الدّجاج والشاي الأخضر والعطور لقاء مكاسب ماليّة، ممّا صغّر أقدارهم في أذهان من يستمعون إليهم، إذ اتّخذوا من علمهم سلعةً للتّكسب لتسويق عروض تجاريّة، وهم حملة هذا الدّين الذي يجب أن يعفّ صاحبه إكراماً له أن يهبط به إلى درجةٍ قميئة فيقترب من صورة بعض وُضّاع الحديث في العصور السّالفة لترويج بضائعهم قصد الحصول على المال ولو بطريقة الكذب على رسول الله.
وأقول – إذا كان بعض الدعاة يُعرف في الأوساط الإعلامية بوسامته أو هكذا يقال وهو لا يجلّ علمه –: ألا يخشى وهو ينظر إلى المرآة ويدعو بالدّعاء المأثور: اللهم كما حسنّت خَلْقِي فحسّن خُلقِي، أنْ يزري به الله في كلا خَلقه وخُلقه!! وعن أصحاب اللحى الذين يمالؤون الحكّام على فسادهم، ويتكسّبون بعلمهم أن يصدق عليهم ما قاله أحدهم يوماً: (ألا ليت اللحى كانت حشيشاً، ونعلفها خيول المسلمينا)!! ولقد أردت – وأنا أؤيّد الكاتب فيما ذهب إليه، أن أزيده والقرّاء، تأكيداً على عظمة من أشار إليه من هؤلاء العلماء الأجلاء الذين صانوا علمهم عن أن يدوروا به لتقميش الحطام من العوام أو الحكّام، وهو القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، صاحب كتاب الوساطة (ت392هـ) وذلك بذكر مجموعة أبياته التي أشار الكاتب إلى اثنين منها وهم الأخيران كما جاءت في كتاب معجم الأدباء لياقوت الحموي:
يَقُولونَ لِي فِيكَ انْقِباضٌ وإِنَّما
رأوْا رجلاً عَنْ مَوْقِف الذُّلِّ أحْجاما
أَرى النّاسَ مَنْ داناهُمُ هانَ عِنْدَهُمْ
ومَنْ أَكْرَمتْهُ عِزَّةُ النّفس أُكْرِما
وَمَا زِلْتُ مُنْحازاً بِعِرْضيَ جانِباً
مِنَ الذَّمِّ أَعْتَدُّ الصِّيانَةَ مغْنَما
إِذا قِيلَ: هذا مَشْرَبٌ قُلْتُ قَدْ أَرى
ولكِنَّ نَفْسَ الحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّما
وما كُلُّ بَرْقٍ لاحَ لِي يستَفِزُّنِي
ولا كُلُّ أهْلِ الأَرْضِ أرْضاهُ مُنْعِما
ولم أقْضِ حقَّ العِلْمِ إذْ كانَ كُلّما
بَدا طَمَعٌ صَيَّرْتُه لِيَ سُلَّما
ولم أبْتَذِلْ في خِدْمَةِ العلْمِ مُهْجَتِي
لأَخْدُمَ مَنْ لا قَيْتُ لكِنْ لأُخْدَما
أَأشْقَى بِهِ غَرْساً وأَجْنِيه ذِلّةً
إِذنْ فابْتِياع الجَهْلِ قَدْ كانَ أحْزَما
ولَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صانُوه صانَهُمْ
ولَوْ عَظَّمُوه فِي النّفُوسِ لعُظِّما
ولكِنْ أَذَلُّوه جِهاراً ودنَّسُوا
مُحيّاهُ بالأطْماعِ حتّى تَجهَّما
إلى أبياتٍ أخْرى له في هذا المعنى في الموضع نفسه. قلت: ولقد استوحيت من هذه الأبيات في العزّة الإسلامية والكرامة العلمية للقاضي الجرجاني، أن أنشأتُ قصيدة طويلةً بهذا المعنى، بينما كنت على مقاعد الدّراسة الجامعية في دمشق (1962-1966م). وفي الختام أكرم الله من أكرم نفسه، وصان علمه عن اللعاعات. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك…
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات