د. فتحي أبو الورد
د. فتحي أبو الورد

د. فتحي أبو الورد يكتب: ورحل صاحب الهمة العالية

الشيخ فؤاد الهجرسى من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين
الشيخ فؤاد الهجرسى من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين

ورحل صاحب الهمة العالية .. فؤاد الهجرسي. 

إذا جلست إليه شعرت أنك بين يدى أحد سلفنا الصالح الذين تؤثر فينا مطالعة سيرتهم وترجمتهم، حيث الهدوء، والصوت الخاشع، واليقين، ونور الوجه، وسكينة النفس، وجمال الروح، والتواضع الجم، وسلامة اللغة، وسلاسة التعبير، وروعة الأداء، وعظيم المعانى، وبساطة المبانى، واعتزازه باللغة العربية الفصيحة العذبة، حديثه يأخذ بلبك، ومنطقه يأسر قلبك .

إنه المربى الفاضل الأستاذ فؤاد الهجرسى.
شاءت لى الأقدار أن أجلس بين يديه مرات عديدة، وسعدت بصحبته إحدى المرات، وشرفت باستضافته فى بيتى المتواضع تبركا بالصالحين، وتلمسا لغفران ذنوب أهل البيت مع خروج الضيفان كما ورد فى بعض الآثار.

وإننا اليوم إذ نبكيه ونرثيه وننعيه، ويصلى بعضنا عليه صلاة الجنازة، والبعض الآخر صلاة الغائب، ونترحم عليه، ونطلب له الشفاعة، لنقول له فى مرقده: جزاك الله خيرا عن أجيال تربت على يديك، ورّثتهم صفاء الدعوة ونقاءها، وصفات الدعاة وسيرتهم التى يجب أن يكونوا عليها، وأخلاق المربين التى لا تنفك عنهم.

وهم صحائف بيضاء فى ميزان حسناتك حين تعرض الصحف على الله غدا بإذن الله، نحسبك كذلك، والله حسيبك ، ولا نزكى على الله أحدا ( وما شهدنا إلا بما علمنا) وستلاحقك دعواتهم الصالحة فى قبرك، وسيرافقك ذكرهم لمحاسن فعالك فى مضجعك، ويلازمك أثرك الطيب فى نومتك .

وأذكر هنا بعض المواقف التى وقفت عليها فى سيرة الأستاذ فؤاد الهجرسى لننتفع بها على النحو الذى نرتضيه لأنفسنا .

التضحية بالمال الخاص دفعا لضرر الغير

لعل الكثيرين يتذكرون بكثير من الإكبار والإعجاب والإجلال والانبهار قصته القريبة المشهورة مع البنك الأهلي في المنصورة، بدلتا مصر, حين رد 5 آلاف جنيه كان قد سحبها من حسابه الخاص، فلما عاد إلى البيت وعلم أنه ممن طالهم التحفظ على الأموال، عاد مرة أخرى للبنك وسلم المبلغ للموظف حتى لا يُخصم من راتبه؛ وهو الأمر الذى أصاب موظفي البنك بالذهول.. لقد ضحى بماله الخاص حتى لا يتضرر الموظف.
لعل الكثيرين يتملكهم الانبهار من هذه الحادثة؛ ولكنها الأخلاق التى تربى, ويتربى عليها الإخوان.

عندما يغيب العائل الأصغر يتولاهم العائل الأكبر

حكى – رحمه الله – أنه عندما كان فى السجن أيام حكم عبد الناصر، كان معهم أحد الإخوان يطلب منهم الدعاء لابنه فى الثانوية العامة فيدعون له، ثم فى عام آخر يطلب منهم الدعاء لابنته لأنها تختبر امتحانات الثانوية العامة فيدعون لها، وكذلك فى عام ثالث يطلب الدعاء لابن ثالث، ثم شاءت الأقدار أن يخرج الإخوان من السجن، وتمر الأيام ويذهب الأستاذ فؤاد للمراقبة فى اختبارات الثانوية العامة، فى إحدى محافظات الصعيد؛ فيلتقى بصديقه هذا ورفيقه فى السجن والمحنة، فيطمئن على أحواله، ويسأله عن أبنائه الذين كانوا يدعون لهم وهم فى السجن؛ فيبشره بأنهم بخير ونعمة، وكلهم قد تخرج في كليتى الطب والهندسة، وتبوؤوا مراكز اجتماعية مرموقة، ثم يقول: كانت أياما مباركة, رباهم الله لنا فى غيابنا، ولكنه يأسف ويقول:

رزقت بعد السجن بابن تربى في وجودي وحضوري لكن للأسف (مش نافع)، فكان يحكي هذه الواقعة مثالا على الثقة بالله، واليقين فى حكمته، والتسليم لحكمه، وأن من ضحى لله عوضه الله خيرا مما ضحى به، ثم يعقب علي ذلك بقوله: عندما يغيب العائل الأصغر يتولاهم العائل الأكبر .. وهى حالة يمر بها كثير من أصحاب الدعوات، خاصة فى زماننا هذا .

بصمة المربى

ذكر يوما أنه كان يساعد إحدى التلميذات من ذوات الاحتياجات الخاصة ( تمشى على عكازين ) فى المذاكرة، وأهداها يوما هدية بسيطة على تميزها فى حل أحد التدريبات، كانت هذه الهدية ممحاة (أستيكة)، ثم دارت الأيام، والتقى بها بعد سنين، فسلم عليها واطمأن على أحوالها، فأخبرته أنها بخير حال، وأنها تخرجت في كلية الصيدلة ، ثم فاجأته بأنها لا زالت تحتفظ بالممحاة التى أهداها لها قبل سنين.

وهذا ما يجب أن يحرص عليه كل داعية، أن يترك بصمة إيجابية فيمن حوله.

الهمة العالية

دُعِى يوما إلى محاضرة بعنوان ” الهمة العالية ” فى إحدى المحافظات، وفى الوقت المحدد اتصل مرافقه بمنظم المحاضرة يبلغه بأنهما قد وصلا، فخرج لاستقبالهما، ثم يفاجى بعد عدة محادثات هاتفية بأنهما قد ذهبا إلى محافظة أخرى غير المحافظة المقصودة، فشكر المستضيف للأستاذ فؤاد جهده، واعتذر له على اللبس الذى حدث، مع عبارات من نحو ” وقع الأجر وجزاكم الله خيرا”، و” أجرتم بالنية “.

 انتهت المكالمة عند هذا الأمر، وكان الوقت متأخرا وأوشك المغرب أن يُرفع أذانه, وعاد منظم المحاضرة إلى الحاضرين, وكان معظمهم من الشباب، وأوضح لهم اللبس الذى حدث، وغير مسار المحاضرة إلى فقرة أخرى، وعندما أوشكت الفقرة البديلة على الانتهاء، بعد ما يقارب ساعة ونصف ساعة، إذا بالمضيف يستقبل مكالمة من مرافق الأستاذ فؤاد بأنهما قد وصلا! .. كانت مفاجأة أذهلته؛ فخرج لاستقبالهما، وكان الوقت قد تأخر بعد ما يقارب ثلاث ساعات من السفر، وقد تجاوز الرجل السبعين من عمره حينها، وكانت فاجأةً للحضور حين رأوا الأستاذ فؤاد فى قاعة المحاضرة، ليحاضر الجمهور عن ” الهمة العالية ” ، فكان درسا عمليا لا يُنسى فى الهمة العالية، وقد أغنى موقفه عن كثير من الكلام، وصدق من قال: عمل رجل فى ألف رجل خير من كلام ألف رجل فى رجل.

رحم الله الأستاذ فؤاد الهجرسي، وغفر له، وتقبل جهده وعمله فى سبيل الدعوة، وتقبله فى الصالحين، وجمعنا به فى مستقر الرحمة ودار الكرامة، “فى مقعد صدق عند مليك مقتدر”.

 

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …