صحيحٌ أنها تقع في أقصى جنوب شرق آسيا، وأنها تبعد عن فلسطين آلاف الأميال، وتفصلها عنها بحارٌ ومحيطاتٌ، وجبالٌ ووهادٌ وقفارٌ وأنهارٌ، وأنها تختلف في طبيعتها عن بلادنا العربية، ولا تماثل فلسطين بسكانها شكلاً أو لوناً أو لساناً، ولا تنطق العربية إلا تلاوةً للقرآن الكريم أو خلال أداء الصلاة، والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، رغم حبهم للغة العربية وحرصهم الشديد على تعلمها، وتفاخرهم بمعرفتها وإتقان بعض كلماتها، خاصةً أن الكثير منهم عمل أو درس في بلادنا العربية، فتعلموا فيها ما استطاعوا من كلماتٍ بقيت في ذاكرتهم، يستعيدونها مع كل ضيف، ويرددونها في كل حديثٍ.
لكن شعبها المسلم الذي يزيد في تعداده عن مائتي مليون نسمة، يتوزعون على أكثر من سبعة عشر ألف جزيرة، تشكل في مجموعها الأرخبيلي العجيب, الدولة الأندونيسية، يميزون فلسطين عن غيرها من البلاد العربية، ويحبونها وأهلها، ويرونها جزءاً من عقيدتهم، وبعضاً من دينهم، إذ فيها القدس الشريف، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماوات العلى، ويعتصرهم الألم أنها والقدس وفلسطين كلها محتلة، وأن العدو الإسرائيلي يغتصب أرضها ويضطهد أهلها ويقتل رجالها، ويدمر بنيانها ويعيث فيها فساداً.
الأندونيسيون شعبٌ مسلمٌ عريقٌ في أصله، وعظيمٌ في دينه، وصادقٌ في وعده، وثابتٌ على عهده، لهفتهم على فلسطين كبيرة، وصدقهم لافتٌ، وإخلاصهم بادٍ، واستعدادهم صادق، وهمتهم جاهزة، وعزيمتهم حاضرة، يؤمنون يقيناً أن فلسطين أرضٌ مباركةٌ، وأن القدس أرضٌ قد باركها الله عز وجل وطهرها بالأقصى وما حوله، وستبقى فلسطين في أعناقهم أمانة، وفي قلوبهم وصيةً إلى قيام الساعة، ولن يألوا جهداً أو يتأخروا عن واجبٍ إذا دعتهم فلسطين لنصرتها، واستصرختهم لنجدتها.
كثيرون هم المصطافون العرب والسائحون إلى أندونيسيا، ولكنهم لا يثيرون انتباه الأندونيسيين ولا يحركون مشاعرهم، ولا يستوقفهم أحدٌ من رعاياها كما يستوقفهم الفلسطيني إذا عرفوه، فيلتفون حوله ويتحلقون، ويبتسمون له ويبشون، وكلهم يريد استضافته في بيته أو محله، أو دعوته إلى مدرسته ومؤسسته، أو مسجده وجمعيته، يريدون الاستماع إليه والتبرك به، ظانين أن الفلسطينيين خلقٌ آخر، ينتسبون إلى الدوحة الشريفة بانتمائهم إلى فلسطين، وفي هذا صغار الأندونيسيين كما كبارهم، ونساؤهم كما رجالهم، وخاصتهم كما عامتهم، كلهم يحبون فلسطين وأهلها.
إنهم لا يعرفون اللغة العربية، ولكن ألسنتهم إذا التقوا مع فلسطيني تنطلق من عقالها، وتفلت من إسارها، ويباشرونه مع التحية الكريمة بالابتسامة البشوشة، والسؤال عن القدس وأهلها، وعن المسجد الأقصى وعمّاره، وعن المرابطين فيه وأسراره، وعن الصخرة المشرفة ومسرى رسول الله إليها، وعن معراجه وبراقه. عن غزة وأهلها يسألون، وعلى أحوالهم يقلقون، فيحزنهم ما آلت إليه أوضاعهم من حصار الشقيق والعدو لهم، ولكنهم يزهون بغزة وانتصاراتها، ويحفظون مقاومتها وأهلها، ويرون أن النصر التام على العدو الإسرائيلي سيتحقق اليوم أو غداً، وأنه سيندحر يوماً عن فلسطين كلها، التي ستغدو حرةً أبيةً، عزيزةً كريمةً في كنف الإسلام العظيم الذي إليه تنتسب وتنتمي.
الأندونيسيون فقراء وليسوا أغنياء، حياتهم عادية، وشوارعهم هادئة، وبيوتهم متواضعة، ورواتبهم قليلة، وديونهم كثيرة، وهمومهم عديدة، ومشاكلهم مختلفة، لكنهم يصرون على أن يكون لهم في فلسطين دورٌ، وفي مقاومتها نصيب، وفي جهادها سهم، وأن يكون لهم في فلسطين أثرٌ وعلى أرضها علامةٌ، وبين شعبها ذكرى ومكانة، فيجمعون من بيوتهم ما يستطيعون، ويقتطعون من قوتهم ما يقدرون، ويوفرون من رواتبهم أقصى ما يستطيعون، ويقدمونها لفلسطين وأهلها، وكلهم أمل أن يكون لهم دورٌ في صمودهم وثباتهم، ومساهمة في جهادهم وقتالهم.
يسأل الأندونيسيون بحرقةٍ وأسى، لماذا يختلف الفلسطينيون، ولماذا يتشاجرون ويتسابون، وهم جميعاً أبناء شعبٍ واحدٍ وأهل وطنٍ كريمٍ، وكلهم يخضع للاحتلال ويعاني منه ويقاسون، وأبناؤهم جميعاً يقتلون ويسجنون، ويعذبون ويضطهدون، والعدو لا يفرق بينهم ولا يميز، فلماذا يختلفون، ومتى سيتفقون، فقد أوجعهم ما رأوا من خلافٍ بينهم، فرفعوا الصوت يطالبونهم بالوحدة، ويدعونهم إلى اللقاء، ويرون أن فرقتهم جريمةً، واختلافهم معصية، ولقاؤهم فرضٌ وواجبٌ، والسعي بينهم بالصلح والاتفاق ضرورة.
الشعب الأندونيسي يعرف قسوة الاحتلال، ويدرك معاناة السكان، ويستشعر حجم الألم الذي يتركه الاستعمار في نفوس وقلوب الشعوب التي يحتل أرضها، ويغتصب حقوقها، فأندونيسيا خضعت للاستعمار الهولندي مدة ثلاثمائة عامٍ مريرةٍ قاسيةٍ، عانوا فيها من الظلم والاضطهاد، ومن الجور والجوع والحرمان، وقاسوا من الجهل والفقر والتهميش، وقدموا في سنوات الاستعمار السوداء عشرات الآلاف من أبنائهم شهداءً، الذين ضحوا من أجل الوطن، وفي سبيل حريته، لكنهم تمكنوا من طرد الاستعمار الهولندي ومن بعده اليابان التي حاولت احتلال أوطانهم مدة ثلاث سنوات، إلا أنها أمام صمود وإصرار الشعب الأندونيسي رحلت ولم تستطع البقاء.
الأندونيسيون شعبٌ مكافحٌ جلدٌ صبورٌ، واثقٌ مؤمنٌ وغيور، يصدقون فلسطين النصح، ويتوجهون إليها بالدعاء، ويغدقون عليها بالعطاء، ويؤمنون أنها ستتحرر وستعود إلى أصحابها وسيعود إليها أهلها، تماماً كما تحررت أوطانهم ورحل الاستعمار عن بلادهم.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات