قلةٌ أولئك الذين تنبأوا بمستقبل يحيى عياش إبان دراسته في جامعة بيرزيت، وقليلٌ هم الذين كانوا يعرفون كنه هذه الشاب الصامت الرزين، البسيط المغمور، المتلفع بثيابه البسيطة، المنطوي على نفسه، الهادئ في طبعه، والمتأمل في صمته، المتسك برأيه، إذ لم يكن يميزه عن بقية الطلاب شئ، إلا ورعه وزهده، وتواضعه وميله للبعد عن بقعة الضوء اللافتة، حيث لم يكن يتقدم الصفوف، أو يقود الجموع، ويكاد لا يعلو صوته، بل تسكن شفتيه البسمة الصامتة، والهدوء الواعي، والتفكير العميق.
يوماً في ربيع عام 1985 رأيته في مسجد بلدة بيرزيت، يلهث وهو يحمل حذاءه تحت إبطه، وقد بدا عليه التعب والإعياء، فاستوقفته سائلاً إياه، وقد كنتُ يومها رئيساً للكتلة الإسلامية في الجامعة، مستغرباً حاله، فقال لي بثباتٍ وبكلماتٍ لا أنساها ما حييتُ، وقد حفظتها ونقلتها عنه قبل أن ينخرط في مقاومته، ويُعرف اسمه، ويشتهر عمله: “أنت أصدرتَ لنا أمراً بالتجمع في المسجد، فما كان لي أن أتأخرَ عن الاستجابة والالتحاق بالاجتماع”، وعلمت بعدها أنه حضر من بلدة أبي قش القريبة من بلدة بيرزيت مشياً على الأقدام، فقطع المسافة بينهما ركضاً وهرولةً حتى وصل إلى المسجد متعباً مرهقاً.
منذ ذلك اليوم ما نسيتُ وجهه، ولا غاب عني شكله، بل أخذت أبحث عنه دوماً بين جموع الطلاب، إذ رأيت فيه مثال الجندي الصادق، الذي يطيع الأمر ولا يتأخر، وينفذ التكليف ولا يتردد.
كنت أتابع وإخواني نشاط طلاب وطالبات الكتلة الإسلامية في بلدة أبي قش، بصفتي رئيساً للكتلة وأميناً عليها، فكنت أجد يحيى مع كثيرٍ من الطلاب غيره، يجلس على الأرض، مكباً على بعض الأوراق المقواة، التي تحمل شعارات الكتلة الإسلامية في الجامعة، يهيئها لترفع، ويسوي من وضعها لتكون لافتةً مميزة، وقد رأيته مراتٍ عديدةً يحمل بعض هذه الأوراق ويثبتها بنفسه، أو يتعاون مع زملائه عليها، ويبدو عليه الفرح أنه يعمل ويجهد، ويشارك ويساهم، وقد كنت أشعر بفخر الانتماء إلى هذه الكتلة في ظل هؤلاء الطلاب، الذين نرفع بهم الرأس مباهاةً وفخراً، ونتيه سعادةً وفرحاً أننا منهم وعشنا ودرسنا معهم، ويشرفني هنا أن أذكر في يوم استشهاد المهندس يحيى عياش رفيق دربه ورفيقنا معه، الشهيد الصموت النحيل المتقد حميةً وحماسةً، الشهيد صالح التلاحمة، وإن التحق به متأخراً، وأدركه لاحقاً، ولكنه كان له صديقاً ومعه رفيقاً، وقد صدق الله ما عاهده عليه، فقضى نحبه إليه سبحانه وتعالى شهيداً.
وإلى جواره؛ كان رفيق سكنه في البلدة ورفيقه في الساعات الأخيرة من حياته، ابن بلدتي وجاري في مخيم جباليا، الذي كنت أحرص عليه وأتابعه، وأرعى صداقتي له وأحافظ عليها، وإن اختلف عنه عنفواناً وقوةً، واندفاعاً وحماسةً، وجرأةً وتحديا، إلا أن الأيام قد جمعتهم، وقرية أبي قش قد آوتهم، والدراسة قد نفعتهم، ليكون لهما فيما بعد مستقبلٌ واحدٌ، ودورٌ واعدٌ، دفع فيه صديقي من عمره أياماً قاتمةً السواد في سجون السلطة الفلسطينية بغزة، إذ في بيته قبل استشهاده أقام يحيى طويلاً، والتقى زوجته التي حملت، فجن جنون العدو وصعق، وهو الذي لا يفتأ يبحث عنه في كل مكانٍ، فلا يصل إلى معلومةٍ تشير إليه أو أثرٍ يدل عليه.
أذكر يوم استشهاد الأخوين الكريمين جواد أبو سلمية وصائب ذهب, في العام 1986، كيف خرجت جامعة بيرزيت بكل طلابها وأطيافها الفكرية والتنظيمية، تؤبن طالبي الكتلة الإسلامية الشهيدين، وتزف إلى نفسها نبأ استشهادهما، فكان يحيى عياش من أوائل الذين تلقوا الخبر، فالتحق صامتاً بالجموع التي التقت في كافتيريا الجامعة، وكان الخبر قد تناهى إلى أسماعنا بينما كنا نصلي العصر جماعةً، فاستعرت الحماسة في القلوب، واندفع الطلاب كالليوث، كلٌ يريد أن يثأر وينتقم، أو أن يلحق بالشهيدين اللذين كانا أول شهداء الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت، وكان لشهادتهما دورٌ كبير في تأطير العمل الوطني الطلابي في الجامعة.
يحيى عياش؛ الطالب النجيب النشط، المتفوق المبدع النهم، الغيور على قضيته الجلد، المهندس الكهربائي المتقد، لم يكن ثعلباً كما وصفه ضباط العدو، بل كان مؤمناً بقضيته، مخلصاً لوطنه، صادقاً في مقاومته، متطلعاً إلى النصر والتحرير، أدرك أنه قادرٌ على المساهمة من خلف الجدران، وعلى العمل داخل المعامل وبين قارورات المختبرات، وشعر أنه قادرٌ على الفعل الموجع والعمل المبدع فآثر الالتفات إلى التصنيع والإعداد، وقد علم أن هذا السلاح موجعٌ ومؤلمٌ، فانطلق سابقاً الكل، مدهشاً الجميع، مخيفاً العدو، ودوى اسمه مع كل انفجارٍ، وصدح صوته مع كل عمليةٍ ينفذها المقاومون، حتى باتت أعماله تصول وتجول في كل أرجاء فلسطين، وتترك آثارها في كل مكانٍ، حتى أرعب العدو وأخافه.
إنه لشرفٌ لي عظيم أني كنتُ أحد الذين عاصروا يحيى عياش ردحاً من عمره، وفترةً من حياته، ولا غرو أنني كنتُ واحداً ممن جهلوا هذا الساكن بين جنبيه، الثائر بأصغريه، ولكني لا زلت أذكر صمته المهيب، ونظراته العميقة، وهدوءه المستفز، وكأنه كان يخفي قَدَراً سيُكتب، وبركاناً سينفجر، فطوبى لك أبا البراء حيث أنت اليوم، وهنيئاً لك المجد الذي حزتَ، والشرف الذي نلتَ، فقد كنتَ رائداً وما زلتَ، وفريقاً قاد الأمة ورفع اسمها، بعث فيها الحياة من جديد، وأعاد الأمل إلى قلوب أبنائها، الذين حفظوا اسمك وأبقوا على رسمك، نجماً في السماء، وعلماً في الحياة، وفرطاً سابقاً الأمة إلى جنان الخلد.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات