د. مصطفى اللداوي
د. مصطفى اللداوي

د. مصطفى اللداوي يكتب: هيئة أهل الحل والعقد .. مبادرةٌ أندونيسية ودعوةٌ عالمية

لا يعني أنها تقع بعيداً في أقصى جنوب شرق آسيا، أنها لا تهتم بأمر المسلمين ولا تعنى بشؤونهم، أو لا تنشغل بهمومهم، أو أنها تمتنع عن التعاون معهم، لئلا يصيبها ما أصابهم، أو أنها تنأى بنفسها عنهم، وتبتعد عن مشاكلهم، وتنجو بمستقبلها من أزماتهم، وتقلق على مواطنيها مخافة العدوى منهم، أو تتحالف عليهم مع أعدائهم، أو تؤيد خصومهم.

بل عكس ذلك هو الصحيح، فالأندونيسيون قلقون على المسلمين، ويهمهم أمرهم، ويحزنهم مصابهم، ويفرحهم فرحهم، ويحرصون على الاقتراب منهم والعمل معهم، فهم الدولة الإسلامية الأكبر سكاناً في العالم الإسلامي، ولهذا فقد انبرت فيها ثلةٌ من علماء الأمة الإسلامية الكبار، ورجال الفكر والثقافة وقادة الرأي العام، وتداعت على اختلاف أطيافها إلى “باليمبانج” بأندونيسيا، والتقت في رحابها، لتتصدى بجرأةٍ وشجاعةٍ لشؤون الأمة الإسلامية، وتحاول أن تجد حلولاً لمشاكلها، ومستقبلاً واعداً لأجيالها.

يشعر المسلمون في أندونيسيا الذين نجت بلادهم من فتن الإرهاب والتطرف، واعتدل مسلموها فكراً وممارسة، وصفت أجواؤهم من أفكار التخوين ودعوات التكفير ومساعي الإقصاء، والتقى علماؤها على مصالح شعبهم ومستقبل وطنهم، فساءهم كثيراً أن العالم الإسلامي تجتاحه الفتن والخلافات، وتسوده المشاكل والصراعات، وتعم فيه الفوضى والاضطرابات، وقد مزقته حروبٌ ومعارك، وخربته فتنٌ ومصالح، وسالت دماء المسلمين فيه ظلماً وعدواناً، وأحزنهم ما يتعرض له الإسلام من تشويهٍ وإساءة، ومحاولاتِ وصفه ظلماً بالإرهاب، وربطه قصداً بالعنف والتطرف، وما يراد للمسلمين بقصدٍ من انحرافٍ في عقيدتهم، وجاهليةٍ عن دينهم.

وقد حركهم لهذه الغايةِ الألمُ والأملُ، واستحثهم على الاجتماع، الظلمُ الواقع على المسلمين، ومحاولاتُ الاستعمار للنيل منهم والتفرد فيهم، استشعاراً منهم بالخطر الذي يحدق بالأمة، ويستهدف الإسلام عقيدةً وأهلاً، وديناً ومنهجاً، وانتصاراً للقرآن الكريم الذي يتعرض للإهانة والتشويه، والتدنيس والتحريف، ونصرةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتطاول عليه المجرمون.

أولئك المجتمعون في أقصى جنوب الشرق، فكرهم نيَّرٌ، وعقلهم رشيدٌ، ومقياسهم سليمٌ، ووزنهم دقيقٌ، وعلمهم وافرٌ، وغيرتهم كبيرةٌ، وحرصهم شديدٌ، يرفضون الانحراف والتشدد والتطرف والغلو، ويدعون إلى السماحة والاعتدال والحنيفية والوسطية التي أرادها الله، ويسعون إلى بسط الخير الذي قصده سبحانه وتعالى للبشرية، والسلام للإنسان، والعدالة للشعوب، والنجاة للخلق يوم القيامة.

وقد رأى المجتمعون وأغلبهم من الأندونيسيين أن على الدول التي كانت خاضعة للاحتلال والاستعمار الأوروبي، ومنها بلادهم أن تستيقظ من غفلتها، وتصحو من سكرتها، فالاستعمار الذي خرج بعساكره وجيشه مكسوراً يطمح أن يعود، ويتطلع أن يرجع، ويسترد ما يزعم أنه كان له، وهو لهذا يخطط ويعمل، ويفسد ويتآمر، ولا يكل من محاولاته ولا ييأس.

لهذا فقد رأوا ضرورة أن يكون في الأمة الإسلامية هيئةٌ ناظمةٌ مفكرةٌ عاقلةٌ صادقةٌ مخلصةٌ، تعنى بشؤون الإسلام والمسلمين وتهتم بقضاياهم، وأن تكون هذه الهيئة قريبة من شعوب الأمة وملتصقةً بهم، تعرف همومهم ومشاكلهم، وتعلم طبيعتهم وأفكارهم، وتكون قادرة على التمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وبين الأصيل والدخيل، والسليم والسقيم، والمستقيم والمعوج، إذ يريدون تخليص الإسلام مما علق به من تشويه، وتنقيته مما ألحقه به الضالون والمفسدون، ورد الأمة إلى الأصول والثوابت، وإعادتها إلى النبع الصافي الخالد؛ كتاب الله وسنة رسوله الكريم.

دعا المجتمعون على اختلاف أطيافهم وجنسياتهم إلى تشكيل مرجعيةٍ إسلامية جامعةٍ، تكون حكيمةً وعاقلةً، ومسؤولةً ومحاسبة، تخشى الله وتراقبه في أعمالها وأقوالها، وتحرص على المسلمين عامتهم قبل خاصتهم، وبعيدهم قبل قريبهم، وترسي في الأمة قواعد صلة الرحم بين البلاد والشعوب الإسلامية، وتنهي القطيعة والاختلاف بينها، وتضع حداً للحروب والقتال، فلا يعود بين المسلمين خصومة، ولا يدوم بينهم قتال.

دعا المجتمعون الأمة الإسلامية للمشاركة في هذه الهيئة، التي أطلقوا عليها اسم “هيئة أهل الحل والعقد” ، إذ الأمة كلها مدانة ومحاسبة إن قصرت في القيام بهذا الواجب أو تأخرت في القيام به.

وقد دان الأندونيسيون ومن شاركهم مؤتمرهم تخلي العلماء عن واجبهم، وهروبهم من مسؤوليتهم، مما يتسبب في فراغٍ يشغله الجهلة، ويستغله المعادون، الذين يتربصون بالإسلام سوءاً ويرومون به شراً، بل إنهم يسهلون لبعضهم الانحراف، ويجملون لآخرين المعصية، ليسهل عليهم التدخل والمحاسبة والعقاب، والتضييق والحصار والحرمان، فالعلماء يتحملون كامل المسؤولية عما أصاب الأمة وما قد يصيبها إن تأخر العلاج واستعصى الحل.

أما الذين يتصدرون لهذه المهمة ويشكلون هيئة أهل الحل والعقد، فهم علماء الأمة المخلصون الصادقون، العالمون العاملون، المفكرون المجتهدون، ممن لا يُتهمون في دينهم، ولا يشك في صدقهم، ولا يمارون في علمهم، ولا يفتنون الناس بكلامهم، ولا يحرفون في قولهم، ولا يخالفون بأعمالهم علومهم، ولا يفتون بأهوائهم.

وهم ممن يقولون كلمة الحق ولا يخافون، ويفصلون القول ولا يترددون، ولا يقبلون على أنفسهم أن يُستخدموا أداةً لغيرهم، أو بوقاً لسواهم، أو مذياعاً للسلطة، ولا يقبلوا على أنفسهم أن يكونوا ممن يروجون للفتنة، ويدعون إلى الفرقة، ويفسدون في الأرض بعلومهم، ويسيؤون إلى الإسلام بتصرفاتهم، ويشوهون مفاهيمه بأحكامهم وتفسيراتهم، ويضلون الأمة بانحرافاتهم.

وينبغي أن تتسع الهيئة للكثير من العلماء العاملين، فلا إقصاء إلا لمعلومٍ بالفساد، أو ساعٍ بالفتنة، أو محبٍ للخراب، أو منافقٍ معلوم النفاق، أو جاهلٍ يدعي العلم ويبدي جرأةً على الفتوى، أو مرتهنٍ للغير وعاملٍ للآخرين، وموظفٍ في غير صالح وطنه وشعبه، ولا يكفي أن تفسح المجال للمتنورين من العلماء، والصادقين من الفقهاء، بل إن عليها أن تجهد وتجتهد في البحث عن الطاقات المغمورة، والكنوز المدفونة، ممن لا يجدون من يقدمهم، ولا تخدمهم الظروف فتبرزهم، أو تغول عليهم القادرون فأقصوهم.

الترغيب والترهيب والأمر والنهي، لا يكونان بالقوة والعنف، والإكراه والقهر، والزجر والتعزير، إنما يلزم استخدام العقل والحجة الحسنة، التي أمرنا الله بها، والحجة الحسنة لا تكون سيفاً ولا عصا، إنما هي قدرة على الإقناع والتأثير، ولكن دعاة التطرف وسدنة الإرهاب، ممن يتحدثون باسم الدين وينصبون أنفسهم علماء فيه، قد جروا الأمة نحو الضياع، وتسببوا لها بالهلاك، وألحقوا الضرر بالبلاد والعباد، فكان لا بد من هيئةٍ تسكت الأبواق الكاذبة، وتطمس العقول الفاسدة، وتقضي على الأفكار والدعوات الباطلة.

صفات أهل الحل والعقد ليست سهلة ولا بسيطة، ولا يقوى عليها إلا فئةٌ قليلة من علماء الأمة، ممن يتصفون بالصدق والإخلاص، والعلم والإنصاف، والمهنية والتجرد، والصفاء والنقاء، وممن تخلصوا من العصبية والحقد والكره والغل والحسد، وممن يستطيعون التمييز بين المقاومة والإرهاب، فيقفون مع المقاومة ويدعمونها، وينبذون الإرهاب ويهاجمون مرتكبيه ورعاتهم ومموليهم، وممن يتحملون الشدائد، ويصبرون في المحن والمصائب، ويثبتون عند المواجهة، ويصمدون إذا ضيق عليهم، فلا تضعفهم السجون، ولا تحرفهم عن قول الحق تهديدات السلطان واعتداءات زبانيته.

يجب على هذه الهيئة ألا تكون أداةً طيعة بيد حاكم، فلا تقف على أبوابه، ولا تنتظر إحسانه، ولا تكون وسيلة للسلطة لبسط سيطرتها على الشعوب، وكما أن عليها أن تُقوِّم سلوك الأمة، فإن عليها أيضاً الوقوف في وجه الحاكم إن طغى وبغا، وضل وانحرف، وفسد وظلم.

نريد من هيئة أهل الحل والعقد أن تكون على قدر المسؤولية، وأن تحسن اتخاذ القرار، وأن تنظر في شؤون الأمة بإخلاص، وأن تقدم النصح للحاكم بصدق، وألا تداهنه بضلال أو تنافقه بكذبٍ، أو تخاف من سطوته، فالعلماء ورثة الأنبياء ووصيتهم، فهل يقدرون على أن يفوا بعهد الأنبياء، ويحافظوا على وصيتهم النبيلة وتعاليمهم الشريفة؟.

نريد هيئةً لأهل الحل والعقد تقوم بالاهتمام بنشئ الأمة وأبنائها، وتحرص على شبابها وأطفالها، لينشأ جيلٌ مسلمٌ واعٍ ومستنير، وتقوم بالنظر في كل القضايا الإسلامية الطارئة والمستجدة، المحلية والدولية، ويكون لها رأي في كل ما يعصف بالأمة من تحديات ومواجهات، وعليها أن تتصدر للإجابة على كل التساؤلات المطروحة، وأن يكون لها كلمة الفصل والحسم فيما يخص قضايا المسلمين العامة.

ونريد أن تكون الهيئة قادرة على متابعة التطورات في الحياة, وألا تقف جامدةً إزاء ما يحدث، ذلك أن القرآن الكريم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى للإنسانية كافةً إنما هو لكل الأزمان والأوقات، ويناسب كل العصور والدهور، شرط أن يكون في الأمة من يحسن الاجتهاد والاستنباط والقياس والحكم، فكتاب الله العظيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنما الباطل هو سلوك البشر وتصرف الناس.

نريد هيئةً للحل والعقد مرنة وقابلة للتطور، فلا تتحجر على قديم ولا تجمد على جديد، هيئةً تنهض تدريجياً وتتصدى للتحديات حسب خطورتها وأهميتها، وتنتقل ضمن منهجيةٍ علميةٍ هادفةٍ، وفق لجان متخصصة عاملة، قادرة على دراسة وتمحيص الظواهر قبل تحويلها إلى الهيئة المركزية لأهل الحل والعقد لاتخاذ القرار المناسب بشأنها.

صورة الإسلام العظيم تعرضت للتشويه، ودخل إليه ما ليس منه ولا فيه، وتطاول عليه الجهلاء والحمقى، وقليلو الثقافة وعديمو التجربة، فأسأوا إليه بقصدٍ أو عن جهلٍ، وألحقوا به الضرر بحسن نيةٍ أو سوء نيةٍ، وتسببوا في تشويه صورة الإسلام الناصعة في أصلها بسلوكهم وتصرفاتهم، ولهذا فإننا نريد هيئةً للحل والعقد تحفظ حقوق المسلمين وتضمن حريتهم وكرامتهم، فلا يتعرض المسلمون في بلادهم للظلم والاضطهاد، والحرمان والتهميش، ولا تستعبدهم السلطة الحاكمة وتتحكم في حياتهم، وتسترقهم برغيف الخبز ونفقات الحياة.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …