ترفع أمريكا وإسرائيل من مستوى تهديداتهما ضدّ إيران وحزب الله على حدٍّ سواء .
فقد أصدر الرئيس الأمريكي ترامب إستراتيجية توعّد من خلالها بمواجهة نظام الملالي، وحزب الله على حد سواء، وكان آخرها ما كتبه على صفحته في “تويتر”: لن ننسى أبداً 241 جنديا أميركيا قتلوا على أيدي حزب الله في بيروت، في حين اتهم نائب الرئيس؛ مايك بنس, حزب الله بتدبير هجمات المارينز بدعم وتوجيه مباشر من إيران، متعهداً بالثأر لدماء هؤلاء. في الاتجاه نفسه اتهم وزير الدفاع الإسرائيلي؛ أفيجدور ليبرمان, أمام أعضاء بالبرلمان, حزبَ الله بتدبير عمليات قصف عبر الحدود في مرتفعات الجولان بهدف إشعال حرب بين سوريا وإسرائيل.
الوسطُ السياسي والأمني الإيراني مشغولٌ الآن بموضوع الاتفاق النووي، وترجيح عدم إمكانية انسحاب إدارة ترامب منه، مع تعهد “خطابي ناري تعبوي” بالمواجهة. العارف ببواطن السياسة الإيرانية يدرك أن ذلك يندرج ضمن سياق الخطاب الراديكالي للثورة التي عودتنا أبواق إيران الإعلامية دوماً عليه، في حين هناك سلوك براجماتي للدولة, له كلمة الفصل في كل ما يجري برعاية المرشد وتوجيهه.
تتحدّث بعض وسائل الإعلام الإصلاحية عن خطّ متوازٍ يقوده المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية الذي يرأسه وزير الخارجية السابق؛ كمال خرازي إلى جانب الدور الذي يضطلع به وزير الخارجية الحالي جواد ظريف للدخول مباشرة على خط الحوار المباشر مع واشنطن لحلّ الأزمة معها، مع تسريبات إعلامية تتحدث عن استعدادات لتقديم إيران تنازلات مهمة في البرنامج الصاروخي، وفي الموضوعات المتعلقة بحجم النفوذ الإيراني المتصاعد، وفي ملفات أخرى عديدة.
بموازاة ذلك تتحسب طهران من التسريبات المتعلقة بالحرب المقبلة مع حزب الله، وتحاول تقديم رؤية قائمة على أساس استبعاد اشتعال الحرب، من زاوية التهويل من صعوبة اتخاذ قرار سياسي إسرائيلي بشنها، إلى جانب عدم قدرة الجبهة الداخلية هناك على تحمل كلف هذه الحرب الباهظة، بعد عمليات التسلح الواسعة التي أسهمت بها إيران لتهيئة القدرات الصاروخية والدفاعية لحزب الله، وتعزيز قدراته على المواجهة.
تدرك طهران ت أن قراراً بالمواجهة مع حزب الله سيمرّ عبر بوابة الموافقة الأمريكية، وأن قراراً بهذا الخصوص معناه تأجيل المواجهة مع طهران؛ على اعتبار أن خطوة المواجهة معها ستكون ضمن إطار رفع مستوى التهديدات اللفظية والتوسل بالعقوبات الاقتصاديّة والسياسيّة.
تعزي إيران شعبها بأنها تمتلك شبكة الأمان في المنطقة؛ أي الحلفاء القادرون والمهيئون ليكونوا ” كميكاز” تحت الطلب ليتحركوا بكبسة زر للدفاع عن المشروع الإيراني برمته، وفي الوقت نفسه الترويج لمقومات القوة الفائقة التي استطاع حزب الله اكتسابها سواء من خلال الخبرات القتاليّة خلال الحرب في سوريا، أو القدرات الصاروخيّة التي استطاع مضاعفتها إلى أكثر من 20 ضعفاً منذ العام 2006، وبطريقة تشعرك أن طهران تضخم من قدرات الحزب لا لإظهار قدراته الردعية، بل لدفع إسرائيل لافتعال حرب جديدة!
الإيرانيون يجمعون عموماً على أنه لا مفرّ في نهاية المطاف من الاعتماد على الحروب بالوكالة للدفاع عن المجال الحيوي الإيراني، كأحد الخيارات الإستراتيجية لمواجهة التهديدات، وأن الاشتباك في بعض الساحات الساخنة ربما يكون فرصة مواتية لخلط الأوراق، والهروب من الوضع الراهن الذي تعاني منه طهران، والذي يسمح لها بتوظيف الأزمات المتفجرة كمتغير مهم للحوار والجلوس مع واشنطن، ولكن وعلى الرغم من كل الخطوط الحمراء التي تعلن عنها إيران دوماً، وكذلك تهديدها بالمواجهة العسكريّة الشاملة، وتعهدها بالدفاع عن حلفائها، لكن كل ذلك مجرد شعارات فارغة استناداً على فرضية الشعارات الإيرانية وعنوان تطبيقها، والأبطال الذين ستوكل لهم المهمة؛ لأنّها ستفكّر ألف مرّة قبل البدء بالانخراط في هذه الحروب بشكل مباشر .
وهنا يمكن اختصار الموقف الإيراني تجاه ما سيجري من تطورات بعد العقوبات الأمريكية المتوقعة، والتهديدات التي تمَّ إطلاقها ضد حزب الله بجملة من النقاط:
أوّلاً : تدرك المؤسسات الإيرانية، العسكرية والأمنية والسياسيّة، حجم الضرر الذي سيلحق بالمشروع الإيراني في الحرب القادمة، ولاسيّما أنّه في حال اندلاع الحرب، ستحرص طهران أن لا تكون محصورة فقط بالشريط الحدودي اللبناني الإسرائيلي والهجوم ضد حزب الله، بل ربما تلجأ طهران إلى فتح الجبهة السوريّة في الجولان على مصراعيها لتخفيف الضغط عن حزب الله، ولضمان استمرار هذه الحرب، ثم دخول إيران على خط التفاوض وفق نظرية تخادم الملفات التي تبرع بها دوماً على حساب الدماء والأشلاء، وهذا حتماً سيؤدي إلى رد فعل إسرائيلي كبير، وربما يؤجل أو يُبعد المواجهة مع إيران حسب الفهم الإيراني.
ثانياً: برزت خلال هذا الشهر أصوات إيرانية، يتزعّمها الرئيس السابق أحمدى، ونائبه رحيم مشايى، إلى جانب بعض الأصوات الإصلاحية، التي تتهم المرشد وأقطاب الجناح المحافظ بالزج بإيران في أتون مواجهة غير متكافئة مع أمريكا، وتحذر من تبعات ذلك على الثورة، وطالبوا بوقف السياسات التي ينتهجها المرشد خامنئي، ووقف محاولاته الزجّ بمستقبل الدولة في صراعات داخلية وخارجية، متخوفين من أمرين:
الأول: محاولة نقل الدولة والثورة إلى مواجهة شعبية داخليّة معها بعد أن آتت العقوبات فعلها المدمر على الاقتصاد والبنية الاجتماعية، نتيجة فشل إيران في سياساتها الخارجية، وهو أمر قابل للحدوث في أية لحظة، خاصة بعد زيادة وتيرة الاحتجاجات الشعبية اليومية في الجغرافيا الإيرانية.
ثانياً: إدراك المعارضة الإيرانية الداخلية أنّ الدول الضامنة للاتفاق النووي، وفي مقدمتها روسيا والصين، لن تستطيع منع أمريكا من التصعيد مع إيران، وربما سيكون هناك رضًى من بعض الدول الأوروبية إزاء أيّ تحرّك اقتصادي وسياسي بل وحتى عسكري ضد إيران في حال حدوث صفقة مع الأمريكيين في نهاية المطاف؛ لأنها باختصار لا تمتلك الخيار سوى الانحناء أمام عاصفة ترامب، استناداً إلى تجربة أمريكا في احتلال العراق في العام 2003م، إلى جانب الاعتقاد السائد بأن ملف مواجهة حزب الله قد مُنح لنتنياهو حتى تتفرّغ واشنطن لمواجهة إيران.
المؤشرات تشي بأنّ هناك حربًا مدمّرة قادمة بفضل سياسات إيران العبثية التي أوصلت المنطقة إلى ما آلت إليه، وساسة طهران يعلمون جيداً أنهم سيختفون عن المشهد السياسي، كما حدث مع من قبلهم، وأن مليشياتها ومرتزقتها هالكة لا محالةَ.
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات