لا يُغامر الأردن في حساباته الإقليمية والدولية عندما يهاجم ملكه؛ عبد الله الثاني إيران وسياساتها العدوانية في المنطقة, حين تحدث عن الهلال الإيراني وتدخلات طهران المدمرة في المنطقة، ودعمها للمليشيات التي تعيث خراباً ودماراً في جغرافيا المنطقة. وبالمناسبة هو لا يحاول لا إرضاء واشنطن ولا غيرها من خلال إطلاق هذه التوصيفات، كما جاء في رد الفعل الإيراني، فالأردن ليست دولة صانعة للتوتر.
وقد بدأت أبواق إيران الإعلامية تصدح بسمفونية عدم إمكانية تحمل الأردن لمثل هكذا تصريحات قد تفتح أبواب المواجهة عليه مع إيران مباشرة.
لكن ما قصة التوتر الحاصل في العلاقات بين عمان وطهران؟
قصة التوتر عبر عنها الأردن من دافوس، وعلى لسان رأس الدولة؛ الملك عبدالله مباشرة، وقد سافر إلى دافوس دون المرور بالمحطة الأمريكية والسعودية.
وخلال جلسة حوارية ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس, مع شبكة (سي إن إن ) اتهم الملك عبد الله إيران بتبني مشروع خطير عنوانه “الهلال الإيراني” بكل أدواته وصفاته، مثمناً الدور السعودي في انتهاج سياسة ردعية استباقية جديدة للوقوف بوجه إيران، وهنا أراد الملك الابتعاد عن التوصيف المذهبي قدر الإمكان، بعد أن كان قد وصف المشروع الإيراني سابقاً بالهلال الشيعي، وخرج المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ليردَّ بأن هذه الاتهامات غير صحيحة ولا واقعية، وأن الإدلاء بمثل هذه التصريحات في هذه الظروف الخطيرة في المنطقة لا تنسجم مع مصالح الشعوب، مؤكداً على دور إيران في إحلال السلام والأمن في المنطقة .
صحيح أن عمان تتحمل تبعات هذه التصريحات النارية، وهذا يحسب للأردن في وقتٍ تعاني فيه هذه الدولة الأمرين؛ فنار الأزمات المتفجرة تكوي الأردن من كل جانب، إضافة إلى برود غير مسبوق في علاقات عمان الإقليمية ما بين حلفاء تخلوا عن الأردن في أسوأ ظروفه، وبين خيارات التوجه نحو بناء مقاربة إقليمية عمادها نسج علاقات متطورة مع تركيا حفاظاً على دوره المهدد في قضية القدس، مع ما يجلبه ذلك من تداعيات على الأردن، واحتمالية تفجر الموضوع الفلسطيني الذي بات لغماً وطنياً أردنياً بامتياز، إلى جانب ظروف اقتصادية داخلية غير مسبوقة.
اللافت، أن طهران لم تستدعِ القائم بأعمال السفارة الأردنية في طهران لتسلمه احتجاجاً رسمياً, على خلاف عادة طهران، في الوقت الذي ما زال السفير الإيراني (مجتبى فردوسي بور) في عمان, رغم استدعاء عمان لسفيرها من طهران بعد مهاجمة السفارة السعودية في طهران.
مؤكدان وثابت في الموقف الأردني
المؤكد الأول: أن هناك أموراً ظاهرة وباطنة هي التي دفعت الأردن لانتقاد السياسة الإيرانية خاصة أن الدولة الأردنية ليست بعيدة عن تهديدات المشروع الإيراني، التي باتت قريبة منه؛ سواء من خلال محاولات طهران المتكررة اختراق الأمن الأردني، أو من خلال بوابات نار الأزمات المتفجرة؛ سوريا والعراق التي تصب إيران عليها الزيت بما أوتيت من قوة. وهو ما يعني أن الصواب في الخطوة الأردنية هو في تعريف أحد أهم مصادر التهديد للمصالح والأمن الأردني، واتهام طرفٍ كإيران بذلك بشكل مباشر، مما يخدم الأجندة الإقليمية والدولية التي باتت تشاطر الأردن هذا الرأي.
المؤكد الثاني: لا يجب نسيان العمليات الإرهابية التي وجهتها إيران، وكان آخرها قبل عدة أشهر، عملية ثغرة عصفور، التي دبرتها إيران للنيل من الأمن الداخلي الأردني، هذا بالإضافة إلى حملة التعبئة المذهبية المحمومة التي باتت تقودها إيران بلا هوادة، بدوافع غير مفهومة، حيث باتت تطال الأردن, والتشكيك بشرعية قياداته الهاشمية، وهذا له مغزاه ودلالاته في هذا التوقيت الدقيق التي تحاول فيه إسرائيل تهويد القدس، وسحب الولاية الهاشمية عنها، إلى جانب اعتبار آيات الله أن الجغرافيا الأردنية تعد دار حرب, بحجج وذرائع ما أنزل الله به من سلطان، على خلاف ما تحاول أن تظهره إيران من محاولات التودد للأردن.
تتزامن الطروحات الإيرانية، مع ما تطرحه إسرائيل كذلك من فكرة يهودية الدولة، بما فيها من مخاطر وجودية على الأردن، والتي تسعى إلى افتعال أكبر عملية (ترانسفير) في التاريخ الحديث، مما يسهل على إيران مهمة تدمير أرض وادي اليابس؛ “بلاد السفياني”، على يد إسرائيل ومن والاها، مما يحقق أرض المهدي الموعودة، ويسهل المهمة الإلهية الإيرانية!
أما الثابت: فالأردن اختار لنفسه أن يصطف مع المحور المناوئ للهلال الإيراني دفاعاً عن أمنه واستقراره، وهذا ليس معناه أن عمان تدور في فلك السياسات الإقليمية والدولية، بقدر ما هو اعتقاد لدى صانع القرار السياسي والأمني, بسبب تداعيات السلوك الإيراني غير المنضبط والمدمر من خلال مداخل الأزمات الإقليمية، وسوء التقدير الحاصل في التعامل مع قضايا المنطقة وإسرائيل، والتي تحاول إيران توظيفها للتأثير على الأمن والديموجرافيا والجغرافيا الأردنية.
منطق الرؤية الإيرانية للأردن أنها دولة ضعيفة غير قادرة على لعب دور مؤثر، هذا إلى جانب أهمية استغلال طهران لظروف الجغرافيا التي جعلت الأردن دولة مثقلة بمصادر التهديد والتوتر من كل الجهات لتوظيف هذا المتغير لجهة التأثير عليه، إلى جانب معاناة الأردن من دول إقليمية باتت لها أدوات تهديد مؤثرة، تستطيع من خلالها العبور إلى عمق الأردن بسهولة ويسر.
بموازاة ذلك اعتقاد إيران بأهمية استغلال عامل افتقاد الأردن إلى ظهير يُشكل عمقاً إستراتيجياً لجهة التأثير عليه وإضعافه.
بات الأردن يعيش من خلال موقفه الصريح من العبث الإيراني حالة أكثر توافقاً مع الواقع السياسي، وحساباته ورهاناته الإقليمية والدولية باتت أكثر انسجاماً مع رؤيته الإستراتيجية، خاصة أن هناك سوء تقدير إيراني لتفسير السياسات الأردنية التي يتم النظر لها بمنظور التابع الذي يسير بفلك الضغوط الدولية والإقليمية، وليس بدافع المصالح الوطنية الأردنية. كما أن وجود سخطٍ شعبيٍ ضد إيران وسياساتها العدوانية يُشكل رافعة مهمة لدعم صانع القرار الأردني، حيث ينسجم الخطاب الرسمي بشكل أساسي مع رؤية الشعب الأردني بل والعربي والإسلامي, وقد عبَّر ت مراراً عن إدانتها للسلوك العدواني الإيراني، خاصة بعد العام 2003، وبعد انقضاض إيران على العراق وابتلاعه، وتدمير مقوماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ونشر الطائفية في المنطقة بشكل غير مسبوق، بحيث بات العراق أحد أهم مصادر تهديد الأمن الإقليمي العربي.
النتيجة أن إيران تتحمل بشكل كامل مسؤولية صنع التوتر مع الأردن والعالم العربي برمته، مع وجود حاجة ماسة لتحقيق الاستقرار الإقليمي الداخلي والخارجي، والتفرغ لحل القضية الفلسطينية، التي باتت في ذيل الاهتمام الدولي بفضل السياسات الإيرانية التدميرية التي أدخلت المنطقة العربية في أتون صراع طائفي ومذهبي، واستنزفت قدرات العالم العربي، مقوضةً بذلك جهود التنمية والبناء، في ظل واقع جيوسياسي متأزم يُحيط بنا من كل جانب.
________________
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات