د. نبيل العتوم يكتب: تفجيرات طهران الثلاث .. مجرد تساؤلات

تشكل ممارسة  الإرهاب إحدى الأدوات المهمة الذي تتوسل بها إيران على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيثُ تشكل إستراتيجية تلجأ لها طهران لإخضاع أو نقل تصفية الحسابات مع خصومها وأعدائها وحتى ضدّ شعبها، ومن ذلك محاولات طهران ممارسة العنف والإرهاب ضد القوميات والشعوب وحتى ضدّ من كان يوماً أحد نخبها التي قادت العملية السياسية والأمنية هناك. إنه إرهاب بفتوى تخرج دوماً من تحت العباءة المذهبية، وامتداد لتقاليد غارقة في الظلاميات الإرهابية، اصطنعت من الإيديولوجيا سلاحًا لتصفية خصومها، وأحد أبرز وسائل السياسة الإيرانية للنيل من غرمائها، أو تسويغ سياساتها، أو تبرير إجراءاتها، أو حتى تلميع صورتها.

السلوكُ الدمويّ لدى قادة الثورة الإيرانية لم تترجمه إيرانُ خارجيًا فقط، بل تمثّل بإقدام النظام على اغتيال الخصوم وإعدام المعارضين، دونَ رادع من ضمير أو رقابة من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وتتابعتْ هذه السلسلة لإعدام الربيع الإيراني الذي تجلّى باستهداف التيار الإصلاحي الذي قاده مير حسين موسوي، ومهدي  كروبي، وبعض الرموز الإصلاحية ، على الرغم من أن هذا التيار لم يخرج عن مبادئ الثورة الإيرانية وثوابتها.

نعم الثورة تحرق أبناءها، فثورةُ إيران وقودها الشعب، ودرع الشعب هو الحجارة، وساستها غلاظٌ القلوب، لا يعصون (ولي الفقيه) ما أمرهم.

هكذا كانت صورة المشهد السياسي كما رسمته عدسة الرقيب المتابع لتجليات جمهورية أفلاطون الثورية “الإسلامية” التي ضاقت ذرعاً بأبنائها التواقين إلى التغيير والإصلاح ومكافحة الفساد والاهتمام بالاقتصاد وبمطالب الناس.

مما قد يفتح المشهد السياسي الإيراني على كل الاحتمالات خاصة في ظل الأزمات الطاحنة التي تعاني منها إيران، نتيجة السياسات الخرقاء للنظام الإيراني.

إن فلسفة الإرهاب وقدسية العنف التي يتميز بها نظام حكام إيران تستمد جذورها من التاريخ، والمقاربة التي باتتْ تعتمد عليها تقوم على:

1- اعتماد العنف والانتقام كوسيلة أساسية لمواجهة الخصوم والأصدقاء المفترضين، أو حتى للتغطية على أهداف الثورة والدولة الحقيقية.

2- إتباع فكرة الموالاة والبراءة.

3- الفكر التوسعي عبر الاحتلال والضم القسري.

4- الإيمان بالغيبيات الخاصة بالمذهب والعمل على ترويجها، للنيل من الأعداء.

5- إعادة تعريف العلاقات الدولية وفق مفهوم صراعي محض، وإعادة بلورة مفهوم جديد في علاقات إيران الإقليمية والدولية وفق مبدأ تخادم الملفات، حتى ولو كان من خلال تقديم قرابين بشرية لتسويغ الأفعال، وبما يخدم إيران أولاً وآخراً .

تشكل هذه المرتكزات الخمس حجر الزاوية لنظام الولي الفقيه.

لا نسلّم بأن  تفجيرات (طهران) عمل قد  دُبّر، ونُفذ بأياد خارجية, ولا نستبعد أن تكون الأيادي إيرانية، وهي فرضية واردة جداً على ضوء مجموعة من الدوافع والمتغيرات، في الوقت الذي نجحت إيران طوال الأزمة العراقية ومن بعدها السورية في تحقيق انجازات استخباراتية مهمة داخل تنظيم (داعش)، ومن هنا لا يمكن استبعاد أن يكون التفجير مفتعلاً، ويرفع من صدقية هذه الفرضية، أن المتهم جاهز دوماً في إيران، وبسهولة يمكن أن يصدر بيان تحمل المسؤولية، فتنظيم داعش (الخط الإيراني) على استعداد لتحمل المسئولية .

لا شك بأن المسألة معقدة خاصة في توقيتها، فالتوقيت يثيرُ كثيرًا من التساؤلات في وقت كان من المفروض أن يتم مثل هذا النوع من العمليات أثناء وجود المرشد الإيراني خامنئي هناك قبل أيام، أو رموز النظام من السياسيين والعسكريين والأمنيين ورجال الدين الحريصين على زيارة مرقد الخميني بين الفينة والأخرى، إذا كان الهدف الاطاحة بالنظام، أو حتى التأثير عليه، وهو ما يثير كثيرًا من التساؤلات، وربما يؤكد  فرضية تورط النظام الإيراني في افتعالها، لتحقيق أهداف أخرى واردة في ذهن الولي الفقيه.
التفجيرات أيضاً معقدة خاصة في توقيتها، حيثُ جرت في ظل ظروف مثقلة بمصادر التهديد والتوتر الداخلي والخارجي، مستهدفة رموزا سياسية ومذهبية لرفع وتيرة ” الأكشن ” والإثارة لدى قطاعات المجتمع الإيراني، لتبرير أية سياسات سيئة  قد يتخذها النظام كما هي عادته.

الانفجارات  الثلاثة والداخل الإيراني

تبقى إمكانية تورط داخلي من جانب الجناح المحافظ الذي يمسك بخيوط القرار الأمني لإحراج حكومة روحاني، وحشرها في الزاوية الضيقة عن طريق إظهارها بالعجز عن الحفاظ على الأمن، وأن اختيار الجناح المحافظ لرئاسة الدولة كان هو الأسلم لحماية الشعب الإيراني.

بالإضافة إلى أن افتعال وتنفيذ هذا الانفجارات سيسهم في إيقاع مزيد من الإقالات بين قادة الأجهزة الأمنية، وتصفية الحسابات بين رموز النظام الذين انتهت فترة الصلاحية لهم، إلى جانب تعزيز القبضة الأمنية في مناطق الأقليات التي تشهد حالات من الحراك غير المسبوق رداً على سياسات إيران التعسفية والقمع إزاءها.
إلى جانب ذلك سيحقق التفجير وتداعياته تعبئة شعبية خلف قرارات الدولة،  وتُشكل محاولة لتعزيز قوة النظام الإيراني الذي تآكلت شرعيته أصلاً بفعل سياسات إيران المدمرة، ومضيها في مشروعها التوسعي ومحاولتها بناء مجال حيوي على حساب تنمية الدولة وحقوق الإنسان والأقليات والشعوب التي ذاقت نتيجة السياسات الهوجاء للنظام الإيراني.

التفجيرات والخارج

يلعب العامل الخارجي دوراً مؤثراً في رسم مقاربات الدولة الإيرانية وقرارتها؛ فالمنطقة تشهد حالة اصطفاف دولي وإقليمي غير مسبوق عقب قرارات قمة الرياض الثلاث التي رسمت مقاربة لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، ووضعت إستراتيجية هدفها عزل طهران نتيجة دعمها للإرهابين الإقليمي والدولي، إلى جانب ظروف داخلية عنوانها التأزم في مختلف المجالات.

على العموم؛ سواء كانت هذه التفجيرات متعمدة من صانع القرار الإيراني أو بالفعل قام به تنظيم داعش، فقد بات واضحاً أن هذه التفجيرات كشفت عن حجم ما تعانيه إيران رغم محاولاتها السابقة بالتعتيم على ما يجري في الداخل، أما إذا كانت اليد داعشية حقاً، وبعيدة عن القرار الايراني، فهذا يعني الكثير وأهمه تمكن تنظيم (داعش) من تحقيق اختراقات أساسية مهمة داخل إيران، وأن التعهدات التي قطعها الحرس الثوري بإبقاء الإرهاب بعيداً عن حدود إيران هي مجرد شعارات جوفاء، وأن سياسات إيران هي التي جلبت الويل والثبور لدول المنطقة أولاً، وأن الثوب الإيراني سيشتعل عاجلاً أم أجلاً، ولتذق إيران من نفس الكأس الذي أذاقته لشعوب المنطقة .

بالحالين ما حدث يعكس عمق وحجم المشكلة بالنسبة إيران التي تشهد تجاذبات سياسية داخلية وخارجية.

المؤكد أن طهران ستسعى لتوظيف هذه التفجيرات لمحاولة تلميع صورتها المشوهة أصلاً، على اعتبار أنها دولة تقف ضدّ الإرهاب، ولا تدعمه كما تدعي بعض الدول الإقليمية والدولية، وهي بالأساس إستراتيجية إيرانية، وستسعى طهران لإعادة الترويج لنفسها مجددا، ومحاولة تحقيق اختراق إلى المجتمع الدولي عبر أنها تشاطر دول المنطقة خطر الإرهاب وتكتوي به، وهو الكرت الأحمر المحروق أصلاً .

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …