زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إيران، الأربعاء الماضي، بمناسبة انعقاد القمة الثلاثية التي جمعت كلاّ من روسيا وأذربيجان وإيران في طهران، التقى على هامشها المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، بالإضافة إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني.
جاءت الزيارة في ظل بيئة إقليمية ودولية عنوانها التوتر مع إيران، إلى جانب تصاعد الخلافات بين طهران وموسكو حول مرحلة ما بعد (داعش) وآفاق الحلّ السياسي، مع تصاعد الشكوك الإيرانية حول الخشية من صفقة روسية أمريكية على حسابها، مع تسريبات إعلامية إيرانية محسوبة على الحرس الثوري تتحسب من أن التدخل العسكري الروسي الكثيف في سوريا قد همش دور إيران بعد أن تكبدت خسائر بشرية ومالية للحيلولة دون إسقاط نظام بشار الأسد.
كانت تصريحات بوتين أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقده عامة وغامضة حيث قال ” تطرقنا إلى الوضع الأمني في المنطقة بالتفصيل وكذلك المسائل المتعلقة بالاتفاق الخاص بالملف النووي الإيراني، وبالطبع الوضع في سوريا. وأود الإشارة إلى أننا نعمل مع إيران بشكل مثمر للغاية. ونتمكن من تنسيق المواقف حول القضية السورية. وبفضل جهودنا المشتركة، وكذلك جهود تركيا، كما تعلمون، يتطور الوضع على الأرض في مجال مكافحة الإرهاب بصورة إيجابية جدا”.
جاءت الزيارة عقب إصدار إدارة ترامب الأمريكية إستراتيجيتها الجديدة للتعامل مع إيران، وتزامنت أيضاً مع دعوات إقليمية ودولية بضرورة سحب إيران لمليشياتها ومرتزقتها من سوريا والعراق؛ وفي مقدمتهم ميليشيا حزب الله وقوات الحرس الثوري، إلى جانب قرب انتهاء مهمة مكافحة تنظيم “داعش”، والبحث عن تسوية شاملة تنهي الصراع الدامي الذي تقوده إيران ووكلائها، كما تزامنت الزيارة مع تصاعد وتيرة التصعيد ضد مليشيا حزب الله، حيث أصدرت الولايات المتحدة ودول عربية محورية قرارات باعتبار حزب الله منظمة إرهابية، مما يجعل المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات.
بوتين وبلورة رؤية سياسية عقب إعلان الانتصار على داعش
ترغب موسكو بشكل حثيث في نقل العملية السياسية بخصوص الحلّ في سوريا إلى مرحلة جديدة؛ لأنّ مضيها ضمن سقف الخيار العسكري بلا حدود معناه الانتحار السياسي، وجرّ روسيا إلى مستنقع أفغانستان أخرى، وهو ما باتت تدركه وتتحسب له موسكو، بعد أن نجحت في تشكيل تحالف إقليمي يضم تركيا وإسرائيل والأردن ودولاً أخرى في المنطقة تحت عنوان محاربة داعش إلى جانب الدفع باتجاه بناء اصطفاف دولي ” مشروط ” لمواجهة داعش، يتبعه تعهد روسي بالسعي لدفع إيران ومليشياتها للانسحاب من الجغرافيا السورية، والإسهام في بناء الأرضية اللازمة للحل في سوريا، لتكون قمة “سوتشي” ربما أحد مؤشراتها بمعزل عن الاستانه وجنيف.
تتخوف إيران من أنَّ روسيا استطاعت تكوين تحالف بمعزل عنها لحماية نفسها، ولتكون هذه الدول بجانب روسيا لبناء مقاربة سياسية لحل الأزمة السورية كبديل عن إيران، وعلى حساب المصالح الإيرانية.
تُسابق موسكو الخطى سريعاً، فمنذ الجمعة الماضية، اتخذ مسار العمليات الحربية منحى جديدًا، إذ صعدت روسيا قصفها على مواقع المعارضة السورية، كما قامت قاذفاتها المدمرة في نفس الوقت بهجوم مكثف بعد المرور من الأجواء الإيرانية والعراقية، وهو ما بشرتنا به وسائل الإعلام الإيرانية بفخر واعتزاز قل نظيره!
الخلافات مع طهران قد تنفجر في أية لحظة
على الرغم من التنسيق الإيراني-الروسي الظاهري, في سوريا، إلا أن التحليلات والتصريحات الإيرانية بدأت تظهر إلى العلن, خاصة ما يتعلق منها بالتقارب الروسي الأمريكي، وتداعياته المتعلقة باحتمالية رفع وتيرة الخلافات حول تقاسم النفوذ والأدوار ومستقبل النظام السوري، ووضع عائلة الأسد في العملية السياسية، وبدأت بوادره تبرز على السطح، منذ أن أعلن أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام؛ محسن رضائي، عن جوهر هذه الخلافات، وذكر أنها تتمحور حول موقع إيران في التسوية النهائية في سوريا، وما يتعلق كذلك بمصير بشار الأسد ونظامه، وتنبأ بأيام عصيبة قادمة بين طهران وموسكو.
جوهر الخلاف بين إيران وروسيا بخصوص الأزمة السورية بات ينصب حول خشية إيران من هدف موسكو لإيجاد علاقات ثنائية مع مختلف أطياف المعارضة السورية بما فيها الجيش الحر وفصائل أخرى قد تكون ذات طابع عسكري سني، الأمر الذي تخشاه طهران، التي لا تريد فعلياً أي دور للمعارضة في مستقبل سوريا، كما أنها تُصر على بقاء شخص الأسد مهما كلف ذلك، على اعتبار أنه الضامن لمصالح إيران الحيوية هناك.
بالمقابل انتقد الحرس الثوري الإيراني الأسبوع الماضي، سياسة روسيا المزدوجة المعايير في سوريا، معتبراً أن موسكو ربما تسعى لعقد صفقة شاملة مع أمريكا، وقد لا تكون مهتمة لا بوحدة كيان الدولة السورية، ولا ببقاء الأسد في السلطة مثلما تحرص إيران، التي جاهدت في سبيل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي.
كما أعلن أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني؛ علي شمخاني أنَّ “سياسات روسيا العسكرية والاستخبارية في سوريا باتت تشكل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران تدرس كافة الخيارات والتداعيات المحتملة بسبب هذه السياسة الشائكة “، وذلك في إشارة واضحة إلى قلق إيراني رسمي غير مسبوق، خاصة مع تسريبات إعلامية إيرانية تتهم موسكو وتل أبيب بتنسيق مخابراتي وعسكري على حساب المصالح الإيرانية الحيوية، مما يضع العلاقات مع روسيا في مهب الريح.
بموازاة ذلك, تربط التحليلات الأمنية الإيرانية تصاعد حدة العمليات العسكرية في سوريا وقرب هزيمة داعش، بزيادة مستوى استهداف الأمن الإيراني، حيث أعلنت وزارة المخابرات الإيرانية عن تفكيك أكثر من 13 خلية إرهابية خلال أقل من شهرين، كانت تعد لعمليات داخل إيران، وتربط ذلك بضغط العمليات العسكرية الروسية في سوريا، ما دفع الأعداء لبذل جهود مضاعفة لزعزعة الأمن في إيران”، حسب ما تحدثت به وزارة المخابرات الإيرانية.
إيران تقدم التنازلات خطباً لود روسيا
وضعت إيران سماءها وأرضها تحت تصرف وزارة الدفاع الروسية، حيث أطلقت روسيا من بحر قزوين صواريخ بعيدة المدى عبرت الأجواء الإيرانية، وكان بعض تلك الصواريخ قد سقط في إيران، وقبلها قامت بوضع قاعدة همدان الجوية بخدمة القاذفات الروسية، على الرغم من معارضة بعض القيادات العسكرية وتحيرها من مغبة وتداعيات ذلك على الأمن القومي الإيراني، ونفوذها الإقليمي، لكن كل ذلك يبدو أنه لم يشفع لإيران في نهاية المطاف.
لقاءات بوتين مع المسئولين الإيرانيين لم تخلُ من مواقف المجاملة لطهران حيث تصدر الموضوع النووي العنوان البارز على طاولة الحوار الروسية الإيرانية؛ واعتبرت روسيا أن الاتفاق لا يمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية أي صلاحيات لتفتيش المنشآت العسكرية الإيرانية، واعتبرت العقوبات الأمريكية ضد الحرس الثوري غير قانونية، وأن أمريكا ستكون الطرف الذي يتحمل مسؤولية تمزيق الاتفاق النووي.
بالمحصلة فإنّ (أبو علي بوتين) – كما أطلقت عليه بعض المواقع الإيرانية – يحمل معه رسائل لإيران بشأن الأزمة السورية على وجه التهديد، هي أقرب إلى طلب تقديم تنازلات جوهرية متعلقة بالتخلي عن بشار، وسحب مليشياتها، وأنه لن يتم السماح لها لتحويل سوريا إلى قاعدة عسكريّة لها، لشنّ هجمات منها وتهديد الأمن الإسرائيلي، إلى جانب أنه لن يُسمح لإيران بالسيطرة والتفرّد بالقرارات وحصد ثمار الحرب وحدها في سوريا، مُستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع نظام بشار, كما أن أمريكا وإسرائيل لن تسمحا لإيران بإنشاء أيّ قواعد بحرية أو جويّة أو صاروخية؛ لأنّ من شأن هذا أن يُخل بميزان التوازن الإستراتيجي في المنطقة، ويدفع الأمور باتجاه المُواجهة العسكريّة الشاملة، خصوصاً أن إعطاء روسيا هامشاً متسعاً لإسرائيل لضرب أهداف عسكريّة إيرانية وتابعة لحزب الله إلى جانب نظام بشار في سوريا، كلها رسائل يبدو أنه لم تتم قراءتها بعناية في طهران.
لا شكّ أنّ بوتين يعتبر مصالح بلاده في سوريا والمنطقة تتصدر قائمة الأولويات قبل أي شيء آخر، وأن إيران بحكم الوضع الإقليمي والدولي ليست في موقع فرض الشروط حاليًا، وأن عليها الإصغاء بعناية لما بثه بوتين لها من رسائل مباشرة ، وإلا ستنزلق قريبًا في مُواجهة عسكريّة واسعة وحتميّة.
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات