رضا حمودة يكتب: كم خاشقجي قتُل مغدوراً لا نعرفه؟!

ليس تقليلاً من حادثة القتل الشنيعة بحق الصحفي البارز المقتول غدراً “جمال خاشقجي” داخل قنصلية بلاده في مدينة “اسطنبول” التركية ، في سابقة خطيرة في تاريخ الاغتيالات السياسية العربية ، بل جرس انذار لجرائم ربما تكون أبشع مما حدث مع” خاشقجي” بتوجيه مباشر وغير مباشر من أعلى سلطة في بلادنا المنكوبة بحكامها، ويتم التعتيم عليها لأن الضحايا لا يتمتعون بالشهرة الكافية سواء أكانوا صحفيين أو معارضين سياسيين.

قضية “خاشقجي” والذي باب أكثر صيتاً وشهرةً بعد مقتله ، ليست ظاهرة بقدر ما هي حالة متفشية في الأنظمة القمعية البوليسية التي لا تتحمل إسداء رأي مخالف أو حتى تقبل النصح بغرض الاصلاح كما كان ديدن الصحفي الراحل، حيث أن الرجل لم يكن يوماً معارضاً لنظام الحكم السعودي أو النظام الملكي من حيث المبدأ، بل كان كاتباً إصلاحياً ناصحاً أميناً، ومعاتباً رقيقاً، ذلك أن القضية لم تفضح فقط أسلوب وإدارة الحكم في النظام السعودي في عهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للبلاد، والذي لم يعد يسانده على ما يبدو إلا ترامب والسيسي ومحمد بن زايد بحكم المصلحة المشتركة، والذي أثبت أنه أقرب لعصابات المافيا، بل كشفت الوجه الزائف للغرب المتشدق باحترام الحريات الشخصية وحقوق الانسان، حيث قلب الدنيا ولم يُقعدها على جمال خاشقجي منذ اختفاءه قبل الاعلان عن مقتله ،على نحو يُراد له أن يُنسينا تستره(أي الغرب) على آلاف الجرائم في مناطق مختلفة من العالم لحاجةٍ في نفسه أخفاها.

وعلى الجانب الآخر، فقد غض الطرف بكل خسة إلى حد التواطؤ عن كل الجرائم التي حدثت في عالمنا العربي خاصة ودول العالم الثالث عامة، لا سيما مئات المعتقلين المعروفين بالاسم من علماء ورجال أعمال وقادة رأي رجالا ونساءً في المملكة تحديداً، فضلاُ عن آلاف الموتى في السجون السعودية ، وكذلك الإماراتية ، ولا ننسى هنا جرائم التحالف السعودي الاماراتي في اليمن، والتواطؤ الأكبر كان على جرائم السيسي منذ انقلابه على شرعية المصريين في صيف 2013، حيث عنوانها الأكبر مذبحة رابعة والنهضة التي راح ضحيتها المئات قتلاً وحرقاً وقنصاً عبر الشاشات وعلى الهواء مباشرة ، فضلاً عن جريمة سيارة الترحيلات التي راح ضحيتها 37 خنقاً بالغاز، وما بعدها من جرائم قتل خارج القانون وإخفاء قسري ومصادرة للأموال، ورغم ذلك لم نسمع الحديث عن عقوبات دولية أو حصار دولي على نظام السيسي أو النظامين السعودي والاماراتي ، اللهم إلا نداءات خجولة ذراً للرماد في العيون ، رغم إدانات منظمات حقوقية دولية مستقلة كانت ولازالت صوتاً للمستضعفين في الأرض.

هناك عشرات الصحفيين ومعروفين بالاسم يقبعون في سجون السيسي ، سلمان ، بن زايد ، ولا أحد يتحرك ، ولم نسمع صوتا لقادة الغرب في أمريكا وأوروبا ، هل لأن جمال” خاشقجي” يحظى بشهرة عابرة للقارات ، أم أن المباديء تتجزأ حسب الحاجة والمصلحة وأولوية الابتزاز، وكلامي ليس دفاعاً عن الدولة السعودية بطبيعة الحال، فكاتب هذه السطور يختلف قلباً وقالباً مع توجهات الدولة السعودية، بقدر ما هو رفضاً للاستخفاف بعقولنا مرة بعد مرة، وإيهامنا بأن الغرب حريص على حقوق الانسان في العالم العربي بهذا الشكل المبالغ فيه، لذا فالمطالبة بفتح كل ملفات انتهاكات حقوق الانسان والحريات أصبح واجب الوقت حتى نكون أكثر اتساقاً مع الذات، إذا كان الغرب حريصاً بالفعل على استجلاء الحقائق كما يزعم.

لست ضد الحملة التي يقودها الغرب والشرق سعياً وراء حقيقة ما جرى للصحفي الحر الراحل” خاشقجي”، لكن أرفض بشدة الكيل بعدة مكاييل فيما يتعلق بنفس الجريمة مع صحفيين آخرين، ونشطاء سياسيين معارضين في أي مكان بالعالم شرقاً كان أو غرباً، ذلك أنه لو فتحنا الملفات السرية والمعلنة لوجدنا ألف بل مليون” خاشقجي” منسياً خلف القضبان أو تحت التراب منذ سنوات ولا يُعرف عنهم شيء، ذلك لأن ما يُعرف بالعالم الحر لم ينتفض غضباً انتصاراً لقضيتهم أو التزاماُ بالقيم والمباديء  بغض النظر عن اعتبارات اللون أو الجنس أو الشهرة، بيد أن ثمة توجهاً يؤمن به الغرب مفاده أنه ليس ضد القتل بحد ذاته بقدر ما هو ضد طريقة اخراج وتنفيذ الجريمة على النحو الذي يفضح دعمه للقتلة المستبدين في المنطقة ، وكأنه يطبق مقولة الشاعر التي تقول ” قتل امرئٍ في غابةٍ جريمة لا تُغتفر، وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …