الحقيقة الساطعة الآن في دولة السيسي، هي انتهاج سياسة “كيد النسا” أو “كيد العوالم”؛ أحدهما أو كلاهما، المهم هو المكايدة السياسية للدول والأنظمة المعارضة للانقلاب بشكل بدا فجاً ومثير للاشمئزاز، بعدما خرج من طور الخلاف السياسي إلى دائرة “الردح والسوقية” ضد الدولة التركية تحت حكم حزب الرئيس رجب طيب أردوغان، في مقابل الوداعة والتودد الكامل للمملكة السعودية وشركائها الخليجيين عدا (قطر) في الأسابيع الأخيرة على الأقل من أجل تدفق (الرز) الخليجي لإنقاذ خزينة الدولة – الخاوية – من الإفلاس.
دولة السيسي تعلم جيداً أن سياسة كهذه لا تستقيم وسياسة الدول، لكنها تصر على الجنوح نحو “السوقية” بما يضمن انضمام الغوغاء والرعاع وأسافل العوام لحملة تشويه وإهانة تركيا ممثلة في أردوغان تحديداً انتقاماً من منه لمواقفه الثابتة والصارمة تجاه نظام السيسي، والانقلاب العسكري بوجهٍ عام, فلطالما عانت تركيا لعقودٍ طويلة من الانقلابات العسكرية.
في مصر السيسي صار رفع العلم السعودي في مظاهرات تأييد بيع الأرض دليلاً جديداً وفريداً على الوطنية، وتناسى هؤلاء كيف قاموا بتشويه التيار الإسلامي بوجهٍ عام بعد ثورة 25 يناير لأن بعض المتطرفين, منهم (حزب النور) رفعوا علم السعودية تحديداً في ما سمي وقتها ” جمعة قندهار”، واتهموهم بالخيانة الوطنية والعمالة للوهابية السعودية من أجل دولارات النفط، والآن بلع العبيد ألسنتهم عندما باع سيدهم تراب “تيران وصنافير” هكذا ببساطة للسعودية ومن أجل الدولارات أيضاً، ويريدون من الجميع ابتلاع الإهانة، بل ورفع العلم السعودي، في الوقت الذي يُتهم من رفع علم بلاده بأنه خائن وعميل وممول من أجهزة مخابرات غربية وشرقية!
طرأت في الآونة الأخيرة قضية هامشية على سطح الأحداث، لكنها تدخل ضمن إطار المكايدة السياسية بحق تركيا، وهي اثارة قضية إزالة شارع سليم الأول (العثماني)؛ أهم شارع في حي الزيتون بالقاهرة لمجرد أنه تركي، وقاد الحملة وزير الثقافة العلماني بالفطرة “حلمي النمنم” بدعوى أن “سليم الأول محتل وغاصب، نكايةً في الدولة التركية، وعقاباً لها على مواقفها التي انتصرت لشرعية الشعب المصري, وبغض النظر عن الاتهامات التي طالت الخليفة العثماني؛ فقد قُتلت بحثاً وتحليلاً فليس مجالها الآن.
وانضم للحملة أحمد المسلماني مستشار عدلي منصور الأسبق, في برنامجه على قناة دريم, بدعوى أن السلطان سليم الأول مجرم حرب، ودعى محافظ القاهرة ووزارة التنمية المحلية ورئيس الوزراء إلى سرعة التدخل وإزالة الإسم من شارع الحي القاهري العريق.
وحيث أن هذه الأذرع الإعلامية لا تتحرك من تلقاء أنفسها، إذ تأتيها الأوامر الفوقية بالتصعيد أو بالتهدئة أو بالصمت المطبق، فقد بلع “النمنم” لسانه عن كلامه السابق عن الغزو “الوهّابي السعودي البدوي” بالتوقيع على عدة اتفاقيات ثقافية مع الجانب السعودي (كفيل نظامه), وبالأمر المباشر خلال زيارة الملك سلمان الأخيرة للقاهرة، وكأن شيئاً لم يكن، ولتذهب المباديء إلى الحجيم أمام سطوة الدولارات، ولو جاءت الأوامر بالتهدئة أو بكيل المديح لتركيا لفعلوا, فلا حرج لأن المصالح تحكم، والعبد يسمع ويطيع سيده، فلو طلب منهم “عباس كامل” القيام بحملة تلميع لأردوغان لفعلوا، ولطالبوا بإطلاق اسمه على أهم شوارع القاهرة، في حالة إذا ما كان هناك وفاق وتحالف بين الطرفين.
فأين كان هؤلاء منذ سنوات طويلة؟، ولماذا تذكرتم جرائم سليم الأول الآن بعد مئات السنين وأردتم تحرير مصر من احتلال العثمانيين؟!
والمفارقة المثيرة؛ السكوت على شارع “طومان باي” المجاور لشارع “سليم الأول” رغم أن الأول سلطان مملوكي شركسي محتل أيضاً، فلمصلحة من يتم تزييف الوعي الجمعي للأمة وتشويه المفاهيم والثوابت واختلال معايير الوطنية حسب الحاجة؟!. قطعاً المستفيد الوحيد هو الحاكم المستبد بغرض التأبيد في السلطة.
لم يزعجهم حي الظاهر (بيبرس) وهوعبد مملوك مُختلف في أصله ويُرجح أنه تركي رغم أنه قائد عظيم حكم مصر مع مماليك عبيد آخرين لقرون طويلة، ولم تزعجهم مدينة الإسماعيلية (نسبةً إلى خديو مصر إسماعيل حفيد محمد علي باشا الجندي الألباني التابع للجيش العثماني والذين حكموا مصر تحت راية الخلافة العثمانية)، ولم يزعجهم شارع “شامبليون” بوسط القاهرة وهو أحد علماء الحملة الفرنسية الهمجية التي احتلت مصر ثلاث سنوات والمعروف بفك رموز حجر رشيد، لكنه موسم شيطنة تركيا الأردوغانية بنهضتها وتاريخها واعتزازها بهويتها الإسلامية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات