تفاجئ الرأي العام المصري وهو يتابع هزلية ما يسمى “انتخابات الرئاسة المصرية في 2018” وتشكيل سلطات الانقلاب الهيئة الوطنية المعنية بإدارة انتخابات الرئاسة في 2018، بطرح نواب في برلمان “التحية العسكرية” تعديل دستوري يمدد الفترة الرئاسية، وسط تأييد يتقدم على الرفض داخل البرلمان، وصمت رسمي.
مطلع الأسبوع الماضي، كرر النائب المؤيد للانقلاب العسكري؛ إسماعيل نصر الدين، رغبته في التقدم بتعديل دستوري مع معاودة انعقاد جلسات البرلمان بعد العطلة الصيفية في أكتوبر المقبل بزيادة فترة الرئاسة إلى 6 سنوات بدلا من 4 سنوات.
أتى ذلك بالتزامن مع توجيه رئيس المجلس؛ علي عبد العال انتقادات للدستور الذي شارك في وضعه، وتأييد إعلامي وبرلماني وسياسي متصاعد.
هذا التلميح إلى مد فترة الرئاسة واجه معارضة أيضا، كانت أبرزها من رئيس اللجنة التي أعدت الدستور الحالي؛ عمرو موسى، الأمين الأسبق لجامعة الدول العربية (2001 ـ 2011). الذي يرى أن الحديث المعاد عن تعديل الدستور في عام انتخاب الرئيس يثير علامات استفهام، واصفا هذه الدعوات بأنها إشاعة للتوتر.
بالون اختبار .. وقراءتان
ووفق أحاديث منفصلة أجرتها وكالة “الأناضول” للأنباء مع خبراء، بينهم قانوني، فإن احتمال تعديل الدستور له قراءتان، الأولى هي أنه نتاج رغبة فعلية لمؤيدي عبد الفتاح السيسي بمد فترة حكمه في إطار جس نبض أو بالون اختبار شبه رسمي.
فيما ترى القراءة الثانية أن هناك ثلاثة عوائق ستواجه هذه الخطوة، تتنوع بين سياسي واقتصادي ودستوري، وبحسب دستور سلطة الانقلاب، تلزم موافقة خُمس أعضاء مجلس النواب (120 عضوا من إجمالي 596) على مقترحات تعديل الدستور قبل مناقشتها والتصويت عليها، بموافقة ثلثي الأعضاء، على أن تصبح نافذة بموافقة الأغلبية في استفتاء شعبي.
وفي 7 أغسطس الجاري، صدّق السيسي على قانون بشأن الهيئة الوطنية للانتخابات لتتولى تنظيم انتخابات الرئاسة المقبلة.
والسيسي (62 عاما) الذي لم يعلن موقفه من الترشح لولاية ثانية وأخيرة، اغتصب السلطة في 8 يونيو 2014 لمدة 4 سنوات، إثر فوزه بانتخابات رئاسية, كانت مهزلة بكل المقاييس.
وكان السيسي قد خان رئيسه الدكتور محمد مرسي الذي عينه وزيرًا للدفاع, ودبر انقلابًا عسكريًا عليه يوم 3 يوليو 2013، بعد عام واحد من ولايته الرئاسية.
وفي فبرايرالماضي، دعا النائب إسماعيل نصر الدين إلى تعديل الدستور لمد فترة الحكم إلى ست سنوات، لكن لم يتقدم فعليًا بهذا الطلب.
ثم كرر طلبه الأسبوع الماضي، معلنا عزمه التقدم به في بداية دور الانعقاد النيابي في أكتوبر المقبل، بعد انتهاء الإجازة البرلمانية.
وعبّر عضو ائتلاف دعم مصر (صاحب الأغلبية البرلمانية) النائب جمال عبد العال، في تصريحات صحفية مؤخرا، عن تأييده مقترح مد فترة اغتصاب السيسي لسلطة الرئاسة لأسباب قال إن بينها مواجهة الإرهاب.
ورأى أن «تعديل الدستور يتطلب موافقة خُمس النواب أي 120 نائبا فقط (من إجمالي 596)، لذا من السهل الموافقة عليه، على أن يتم بعدها استفتاء الشعب لإقراره».
وتوقع النائب المصري موافقة أغلبية الشعب على مد فترة الرئاسة «لأن العقلاء كثيرون»، على حد قوله، كما صرح رئيس مجلس النواب خلال ترؤسه مناقشة رسالة دكتوراه في كلية الحقوق جامعة المنصورة الأسبوع الماضي، بأن أي دستور يتم وضعه في حالة عدم استقرار، يحتاج إلى إعادة نظر بعد استقرار الدولة.
وأفاد بأن صلاحيات رئيس البلاد لا تستطيع تغيير وزير إلا بموافقة برلمانية، وهو أمر خارج عن المنطق!
وإن حصل مقترح التمديد على موافقة برلمانية وشعبية مزورة فستكون عودة إلى فترة الرئيس المخلوع حسني مبارك (1981 ـ 2011)، الذي أطاحت به ثورة شعبية، والتي تم تقليصها إلى 4 سنوات.
دعوات للرفض
ووسط معارضة خافتة وصمت رسمي، برز انتقاد عمرو موسى المرشح الرئاسي الأسبق في انتخابات 2012 بقوله: «مصر في حاجة إلى تعميق الاستقرار، وليس إشاعة التوتر».
وفي بيان صادر عنه أكد أن البلاد «تحتاج إلى تأكيد احترام الدستور وليس إلى التشكيك فيه».
وقريبا من هذا الطرح، قال النائب المعارض أحمد الطنطاوي إنه بات واضحا أن الحديث عن تعديل الدستور داخل البرلمان ليس رأيا فرديا، بل لعدد من الأعضاء، وهو ما أكدته تصريحات رئيس مجلس النواب.
وأضاف أن الدستور ملك الشعب الذي يملك وحده حق تعديله، ولا أعتقد أن هناك مطالبات شعبية بتعديل الدستور، بل إن المطالبات الشعبية في اتجاه مخالف تماما.
فالشعب، بحسب البرلماني المعارض، يريد صحة وتعليم، وفرص عمل، وضبط الأسعار، ويطالب بشيء، بينما يطالب النواب بشيء مختلف تماما.
إسقاط الدستور
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة، أن «الحلقة الناقصة في هذا الأمر: هل النظام هو الذي يوحي إلى هؤلاء الأشخاص باقتراح هذه الأشياء التي إذا ثبتت صحتها فسيكون نظاما خائفا؟».
وفي إفادته للأناضول، أضاف نافعة أنه لا يوجد أي مبرر لتعديل الدستور، والأولى تطبيقه أولا.
واستطرد: «لا أتوقع تعديلات دستورية، وإذا حدثت سيكون قصر نظر من جانب النظام».
ووضع نافعة عائقين أمام تنفيذ ذلك المقترح، أولهما سياسي لجهة أن «أي شيء من هذا القبيل سيعقّد المشهد أكثر مما هو مرتبك، ويؤكد أن الدستور لم يعد له أي احترام، ومجرد ورقة مكتوب عليها بعض القرارات، وهذا معناه إسقاط الدستور، وسيعني في عقلية جمعية إسقاط شعبية النظام».
ويؤيده في هذا العائق النائب المعارض أحمد الطنطاوي قائلا: «إذا حدث استفتاء شعبي على الدستور أشعر بالشك في مشاركة الشعب، خاصة أنه أصبح مشغولا بالبحث عن لقمة العيش».
وشدد على أن الدستور والذهاب إلى صناديق الاقتراع من مكتسبات الثورة، وهو ما يجب الحفاظ عليه.
أما العائق الثاني أمام التعديل المحتمل، وفق نافعة، فهو اقتصادي، حيث يفترض أن الدولة الآن تعد للانتخابات الرئاسية بعد أربعة أشهر، أما إذا حدثت تعديلات دستورية خلال هذه الفترة القصيرة، فسيعني هذا مزيدا من هدر الأموال في ظل أوضاع اقتصادية سيئة».
ويضيف الخبير في الشؤون البرلمانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عمرو هاشم ربيع، عائقا ثالثا، وهو دستوري، بقوله إن «مثل هذه الدعوات تمثل خرقا للدستور», موضحًا في حديثه للأناضول أن المادة 226 من الدستور تؤكد أن النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية أو مبادئ الحرية لا تمس.
وتنص هذه المادة الخاصة بتعديلات مواد الدستور على أنه «لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقا بالمزيد من الضمانات».
واعتبر أن كل هذه التصريحات بخصوص التعديل المحتمل هي جس نبض من قبل النظام، غير أنه عاد وأكد أن تعديل الدستور وارد.
الرأي القانوني.. لا حظر
د. صلاح فوزي أستاذ القانون الدستوري في جامعة المنصورة قال للأناضول إن الفقرة الأخيرة من المادة 226 تنص على عدم إعادة انتخاب الرئيس لفترة رئاسية ثالثة, لافتًا إلى أن الحظر هنا على مدد الولاية، أما عدد سنينها فلا يوجد أي حظر عليها.
وبهذه الحيثيات فإن السؤال اليوم حول صحة تطبيق التعديل حال حدوثه على ولاية السيسي التي تنتهي العام المقبل.
وفي معرض إجابته أوضح الخبير الدستوري، وهو عضو لجنة الخبراء التي صاغت مشروع تعديلات الدستور الحالي في عام 2013، أن المادة 226 تقول إن التعديل يعد نافذا اعتبارا من إعلان نتيجة الاستفتاء بالأغلبية المطلقة لعدد المشاركين، أي النصف زائد واحد.
وحول إمكانية الطعن على أن الشعب شارك في الانتخابات الرئاسية عام 2014 على أن تكون مدة الرئيس 4 سنوات، قال فوزي إن الأمر يتوقف على كيفية اقتراح التعديل.
وعندها يمكن أن تكون الصيغة التي تحصن المقترح، تعدل المادة 140 لتصبح مدة الرئاسة 6 سنوات بدلا من 4، على أن يسري هذا التعديل على المدة الحالية.
وعن رأيه في تعديل الدستور، قال فوزي إنه يؤيد إجراء التعديلات كون الدستور كُتب في ظرف استثنائي، وكانت هناك تظاهرات وضغوط مختلفة، أما الآن فالأوضاع أصبحت أكثر استقرارا. زاعمًا أنه ليس من المنطقي أن تكون فترة رئيس الجمهورية أقل من مدة الدورة البرلمانية وهي خمس سنوات.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات