“بعت عفش بيتي”، “عايشه على التبرعات”، “بعت شقتي”، “بنتي باعت لي شبكتها”، “مدفعتش مصاريف المدرسة للأولاد”، “حولت لابني من مدرسته علشان نوفر حق الزيارة”، هذه الكلمات ممزوجة بالدموع أدلى بها ذوو المعتقلين في السجون المصرية، معبرين بها عن حالتهم المادية التي تدهورت بسبب الزيارات التي يقومون بها لزويهم والتي أصبحت تكلفهم مبالغ طائلة لا يستطيعون على توفيرها.
ويري مراقبون أن زيارة ذوي المعتقلين أصبحت، “سبوبة”، (تجارة)، للقائمين على إدارة السجن، فهم يتربحون من خلال فرض الإتاوات على الأهالي حتى يمر طعامهم الذي يحملونه بدون إهانة أو إفساد، وإتاوة أخري مقابل مرور النساء بدون تحرش منهم خلال التفتيش، علاوة على رفع أسعار الطعام داخل السجن على المعتقلين.
وتكلف الزيارة الواحدة للأسرة أكثر من ثلاثة آلاف جنيها مصريا، فى ظل غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار الذي يضرب مصر بجميع طبقاتها في ظل النظام الحالي.
خمسينى يقول في تصريحات خاصة لـ “علامات أونلاين”، أنه لا يستطيع توفير قيمة الزيارة الواحدة لنجله المعتقل في سجن العقرب، وأن أخاه – يعمل في دولة خليجية – هو من يقوم بإرسال المال له حتى يستطيع تجهيز الزيارة ومطلباتها، مندفع أجرة للسيارة التي تقلهم، وترك أموالا لأبنه داخل السجن، والرشاوي التي يتم دفعها لأفراد الشرطة حتي يمرروا لهم زيارتهم.
ويتابع “ص ح”، والذي رفض أن يكتب أسمه خوفا على حياة ابنه وعلى حياته، والدموع في عينيه، “أنا صعبان على ابني المتغرب وبيخسر عمره علشان يكون فلوس الزيارة، وابني التاني الى في السجن وبيموت جو السجن”.
وعن مراحل الزيارة يقول الأب، “نستيقظ قبل الفجر، ( الساعة الثالثة صباحا)، وننتظر حتى يأتي سائق السيارة الأجرة ويأخذ منا ما جهزناه للزيارة ويضعه داخل السيارة، ونمر على جيران لنا لهم ثلاثة أخوة معتقلين أيضا، ونبدأ رحلة العذاب على أبواب السجن، منذ وصولنا حوالي الساعة الرابعة والنصف، ويكون معنا أطفال ونتلقي من الإهانات ما لا يتخيله أحد، ثم في السابعة صباحا، يأتي إلينا أحد أفراد الشرطة ويقول: “الزيارة اتلغت”، ثم نتوسل إليه وننتظر، وعلى هذا الحال حتى الساعة العاشرة صباحا، ونصطف طوابير كبيرة حاملين زيارتنا بالساعات، وندفع لكل فرد نمر عليه، عشرون جنيها، حتي يأذن لنا بالدخول ونشاهد المعتقلين من خلال زجاج، مدة لا تتراوح الخمس دقائق”.
وعن تكلفة الزيارة الواحدة، يقول الأب، “أكثر من 4 آلاف جنيها والله يا ابني”، من تجهيز الطعام ودفع ثمن السيارة الأجرة والرشاوي، حني تصل الزيارة إليه.
رواية أخري:
“سارة الألفي، من عائلة أحد المحتجزين في سجن طرة شديد الحراسة “العقرب” تقول عن السجن: “فاتحينه سوق وبيستفيدوا منه، عاملينها عملية تجارة، هو نظام إللي هُوه إحنا بنخدمك، بس بنخدمك بإيه؟ بزيادة، يعني بناخد منك زيادة، أنا مثلا ممكن أروح أجيبله ثلاثة وأربعة كيلو تفاح، بس لأ مفيش الكلام ده، هما يمنعوك إنك تدخل الحاجة في الزيارة ويقولوا عشان بتتباع في الكانتين”.
وأضافت سارة: “بس هما هناك بقا بيبيعوها إزاي. التفاحة لوحدها تعمل 5 جنيه. البرتقانة الواحدة تعمل 3 جنيه، إللي كان سعر الكيلو وقتها 5 جنيه. لما كان وقت رمضان، بعد ما منعوا إن إحنا ندخل البلح، البلحاية لوحدها إللي هوه التمر إللي كانوا بيفطروا عليه، الواحدة بس بـ 2 جنيه. يعني حتى البلح إللي كنتي بتجيبيه بالكيلو، لأ، بقى بيتباع بالواحدة والأهالي إللي بتتحمل العبء”.
وتابعت: “يعني كأن بقى عندك بيتين تصرفي عليهم، 1 بيتك الشخصي و2 بيتك اللي هناك، مكان ما جوزك معتقل يعني. وده بيت تاني خالص. ومصاريف تانية بقى ما لهاش حل يعني. تطلع لك من تحت الأرض. وهوه في الآخر مسجون فـإنتي لازم توفريها له”، وفق ما نشره موقع، “كاتب”.
وفي الخامس والعشرين من سبتمبر الجاري، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقريرًا بعنوان” للبيع في الكانتين: الإفقار العمدي في السجون المصرية – سجن العقرب نموذجًا”.
ويلقي التقرير الضوء على أحد الانتهاكات التي تمارسها سلطات السجون في مصر ضد المساجين بشكل منهجي ولكنها لا تلقى الاهتمام الكافي من النقاش العام، وهو الاستغلال الاقتصادي للمساجين من قبل سلطات السجون. يكشف التقرير عن الطريقة التي أصبحت بها حاجات المساجين اﻷساسية _التي يشترط القانون على سلطات السجون توفيرها_ تُباع بأسعار باهظة لصالح أرباح الكانتين، وكيف تضاعف هذا العبء الاقتصادي على أسر المساجين على أثر الموجات التضخمية الي تبعت قرار تعويم الجنيه في نهاية العام 2016 وما تلاه من قرارات التقشف الاقتصادي والتي ظهر أثرها بشكل غير متناسب على المساجين وأسرهم.
وتقول المبادرة أن تقريرها اعتمد على البحث الميداني والنظري، وعلى مراجعة قانونية وتحليل التشريعات المرتبطة باﻷمر محليًّا ودوليًّا.
وعبر التقري على حالة كانتين سجن “العقرب” والذي تتركز وتتكثف فيه الانتهاكات الموجودة في السجون الأخرى، يخلص التقرير إلى توصيات ﻹنهاء الاستغلال الاقتصادي في “العقرب” وإدخال ضمانات قانونية لمنع وزارة الداخلية من القيام بممارسات مماثلة ﻹفقار وتجريد المساجين عبر مختلف السجون.
وتحدثت منار طنطاوي، زوجة هشام جعفر، عن كيف بدأت الاعتماد على الكانتين كبديل، ولكن بسبب سوء طعام الكانتين، اضطرت للعودة مرة أخرى إلى إحضار الطعام: أنا كنت بحط فلوس في الأمانات بس عشان اللي سمعته عن نظام المنع ده ممنوع وده ممنوع. ماهو أنا مش هقعد أكلف وأرمي في الأرض في الآخر. أنا سامعة عن الموضوع ده ومبحبش أدخل في مغامرة. والمرة الوحيدة اللي دخلت في مغامرة، دخله صباعين الموز بس في مارس 2016 .عشان كده قررت أعتمد على الكانتين وهشام في العقرب. بس الوجبات بتاعة الكانتين، هشام اشتكالي منها في زيارتين. قال لي لأ مش كويسة باللفظ كده قالي إن الحاجة بايظة. وأكل التعيين سيئ وقليل جدا. عشان كده بقيت مضطرة أجيب معايا أكل برضو”.
قانون في بلد الـ لا قانون:
يحدد قرار وزير الداخلية رقم 468 لسنة 2017 معايير الحد الأدنى لما توفره إدارة السجن: ثلاث وجبات يومية “إفطار وغداء وعشاء” لكل مسجون مع مراعاة المتطلبات الغذائية الخاصة لمن يعاني من أمراض مزمنة ومن بينها أمراض القلب وتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم، بالإضافة إلى الرضع في عمر بين ستة شهور إلى سنة، بالإضافة إلى ملابس المساجين، مع مواصفات خاصة للرضع، والمساجين داخل مصحة السجن، بالإضافة إلى السجينات والمحبوسين احتياطيّا. بتعبير آخر، يتطلب القانون المصري من إدارة السجن توفير حاجات المساجين الأساسية دون استثناء وبلا مقابل.
لكن الواقع يختلف تماما عن كلام الورق، شهادات العقرب التي جمعتها المبادرة تؤكد أن الطعام المقدم في السجن بائس الي حد كبير وكثيرا مايكون فاسدا وملىء بالشوائب والسوس وبسبب منع الزيارات غير المجدد والمفاجىء كثيرا كما سبق في السطور الأعلي والفشل في الالتزام بمعايير الحد الأدني لطعام المساجين الذي قرره القانون المصري يجبر السجين علي الاعتماد علي الكانتين ومنتجاته لتغطية حاجاته الأساسية.
كل ذلك يجعل تعامل الأسر مع عبء الأموال المطلوبة من أجل الكانتين – بطل حياتهم الجديدة البائسة- وتوفير احتياجات ذويها وراء المآساة وتزيد من أعباء عائلات المساجين الاقتصادية وهو عبء مختلف كما وكيفا، ووصل الظأمر بهم الي تبادل بعض العائلات المساجيين السايسيين واجبات الطبخ للزيارات الي تقسيم أدوار لإطعام فطاع معين في السجن.
سرقة الفقراء:
وحمل تقرير المبادرة فصلا بعنوان “ممارسات الكانتين” وهو مصطلح جديد شديد الأهمية لأنه من ناحية الأدبيات والخطاب العام للانتهاكات الطبية والتعذيب في العقرب لا يشمل ذلك تفحص الاستغلال الاقتصادي للمساجين كأحد هذه الانتهاكات، ومع التأكيد أن وزارة الداخلية وسلطات السجن لا تكشف عن أي معلومات حول ميزانية تشغيل الكانتين داخل السجون وعائداته وهي كانت من الصعوبات التي وقفت أمام الدراسة محل السرد هنا.
وتنقل المبادرة عن أحد أسر المعتقلين/ أن الزيارة الواحدة تكلف حوالي 2000 جنيها، وأحيانا يتم رمي ذلك كله عندما يتم رفض دخوله إلى المساجين، أي أن التكلفة تصل شهريا إلى 4 آلاف جنيها إذا أن الزيارة مرتين شهريا، خاصة وأن الزيارة تكون لتكفي عدد كبير من المساجين.
ويشير التقرير إلى أن الكانتين هنا هو دلالة مختصرة لأي معاملات مالية بخصوص الطعام أو أي موارد أخرى للاحتياجات المعيشية بين المساجين ومؤسسة السجن الرسمية سواء كانت الكانتين أو الكافيتريا وعبر شهادات من سجن العقرب تعكس الدراسة الحالة الاستثنائية سيئة السمعة التي تتبع السجن شديد الحراسة.
ورصدت الدراسة نسبة الزيادة في الأسعار خلال الفترة من يوليو 2016 إلى يوليو 2017، وهي الفترة التي شهدت الارتفاعات الكبيرة في أسعار كل شيء، سواء قبل شهر نوفمبر مع اختفاء الدولار من الأسواق، أو بعد نوفمبر الذي شهد قرار تحرير سعر صرف الجنيه وارتفاع أسعار العملات الأجنبية.
وفي الأسواق وخارج السجن، ارتفع سعر السكر والحلويات بنسبة 56%، بينما زاد السعر في السجن بنسبة 281%، مع مراعاة أن الأسعار قبل الزيادة هي في كل الحالات أعلى من سعرها بالخارج، وزادة أسعار الدجاج خارج السجن بنسبة 23%، بينما سجلت الزيادة بالسجن 248%، كما زادت أسعار الحبوب (الأرز وخلافه) خارج السجن بنسبة 19%، أما بالداخل سجلت الزيادة 244%، والبرتقال مثلا، زاد سعره بالخارج 89%، بينما في السجن جاءت الزيادة حوالي 314%.
وأشارت الدراسة، إلى أن هذه النسب، تقديرية في ظل غياب أسعار رسمية للكانتين، والتي لا تتوفر علنا، اعتمادًا على شهادات المساجين بأن الأسعار العامة كانت على الأقل ضعف أو في بعض الأحيان ثلاثة أضعاف الأسعار في السوق قبل تعويم الجنيه
وعلى سبيل المثال، من ضمن الأسعار التي أخبر عنها في المقابلات، كان أن سعر ثمرة واحدة من البرتقال، تباع بسعر كيلو جرام كامل (ثلاثة جنيهات قبل التعويم)، إذا كان كيلو جرام البرتقال يحتوي على ثلاث أو أربع ثمرات متوسطة الحجم، يعني هذا أن نسبة التضخم الموجود في الكانتين داخل السجن قبل التعويم تبلغ %350.
سعر آخر لوجبة غداء تحتوي على ربع دجاجة مع بعض الأرز والخضار يبلغ 60 جنيها في وقت بين 2015 و2016، بينما كان يمكنك شراء وجبة مماثلة في مطعم معقول بسعر 30 جنيها أو أقل من نصف السعر، بنسبة تضخم 100%.
وتؤكد الشهادات أن المساجين يعيشون في حالة تضخم اقتصادي منذ وقت طويل حتى من قبل قرض صندوق النقد الدولي، والذي تسبب في سوء حالة عدم اليقين الاقتصادية، لكن هذا ليس جديدًا. وعانى المساجين منذ نوفمبر 2016 وما تلاها كلحظة زمنية تكشف فيها التضخم المزدوج.
واعتمدت الدراسة على 15 مقابلة مطولة ما بين مايو وأكتوبر 2017 منها 3 مقابلات لأقارب محبوسين من العقربـ 4 أشخاص ساعدوا في تنظيم الاعاشة في سجون القاهرة، و5 من أقارب مساجين حاليين في سجن المنيا شديد الحراسة وسجن دمنهور العام.. ومسجونان سابقين بسجن القناطر والمزرعة في الفترة من يونيو 2015 -2016 وبين فبراير –ديسمبر 2016 بالترتيب.
وسبتمبر الحالي طالب مقررو وخبراء حقوق الانسان بالأمم المتحدة في بيان لهم السلطات المصرية بالسماح لجميع المعتقلين، بغض النظر عن الاتهامات ضدهم، بالوصول الفوري وبشكل الملائم للمحامين، وعدم إساءة استخدام قانون مكافحة الإرهاب، ضد الأفراد الذين يمارسون بسلمية حرية التعبير والانتماء إلى الأحزاب، وهي حرية تحظى بالحماية بموجب القانون الدولي.
وناشد الخبراء السلطات المصرية ضمان عاجل، لاتباع الإجراءات الواجبة والمحاكمة العادلة لجميع المدافعين عن حقوق الإنسان المحتجزين، بمن فيهم السيدة أمل فتحي، وقالوا إن غياب مثل هذه الضمانات، يتوجب إطلاق سراح جميع المدافعين عن حقوق الإنسان على الفور وإسقاط كل التهم الموجهة ضدهم.
وحث الخبراء السلطات المصرية على احترام الحريات وحقوق الإنسان الأساسية، باعتبار ذلك أولوية، واتخاذ كل التدابير الضرورية لحماية المدافعين عنها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات