لا يزال الموقف المصري الرسمي من غزة وابداء التضامن معها وتقديم تبرع مالي ومساعدات يثير استغراب وتساؤلات المراقبين حول سر هذا التحول أو التكتيك الجديد من جانب مصر تجاه حماس التي سبق ان كالت لها الاتهامات وتحاكم قادة الاخوان بالتخابر معها.
ويقول مراقبون أن التغير الأخير مرتبط برغبة القاهرة في إبراز دورها كفاعل إقليمي رئيسي، على خلفية تحفُّظها على تطبيع بعض الدول العربية مع إسرائيل خريف العام الماضي وانعكاس ذلك على الملف الفلسطيني وعلى ديناميكيات العلاقات العربية-الإسرائيلية وموقع مصر في هذه الملفات.
إذ كانت المخاوف تنتاب القاهرة من فقدان نفوذها في الملفين لمصلحة “المُطبِّعين الجدد” ولا سيما الإمارات العربية المتحدة.
وذكر الصحفي البريطاني ديفيد هرست في مقال له على “ميدل إيست آي” العام الماضي إن القاهرة أدركت أن موجة التطبيع الأخيرة ستؤثر على دورها الذي تمتعت به لعقود من الوساطة في العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل من جهة.
ومن جهة أخرى فإن “الورقة الفلسطينية” التي كانت مصر هي المرجع فيها لكل الفصائل الفلسطينية من حيث ترتيب وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في غزة أو اجتماعات المصالحة بين فتح وحماس في القاهرة وغيرها قد تحولّت من القاهرة إلى دول أخرى كتركيا.
ولم تقتصر تهديدات “التطبيع الجديد” على الجانب الجيوسياسي بل تعدتها إلى مجالات جيوقتصادية حساسة تؤثر سلبياً وبشكل مباشر على قناة السويس المصدر المالي المهم لمصر، وهو ما كانت القاهرة تراقبه بغير ارتياح.
إذ طُرحت مشاريع إماراتية-إسرائيلية مشتركة لتطوير المواني والمناطق الحرة الإسرائيلية، وكذلك تطوير خط أنابيب واصل بين ميناء إيلات على البحر الأحمر وميناء عسقلان على المتوسط قادر على ربط شبكة الأنابيب العربية بالبحر المتوسط، وهو ما طُرح مرة أخرى إبان حادثة الناقلة الشهيرة.
ومن المفارقات أن خط الأنابيب المذكور كان من الأهداف التي أصابتها صواريخ المقاومة من غزة مبكراً، كذلك فإن حقل تمار الإسرائيلي للغاز الذي اشترت شركة مبادلة الإماراتية حصة تبلغ 22% فيه استُهدف هو الآخر ووقفه كذلك عن العمل.
وفي هذا السياق تسخّر التحركات المصرية الأخيرة التي قوبلت بترحيب من حركة حماس جوارها الجغرافي لغزة في تثبيت دورها الدبلوماسي كفاعل مفتاحي قادر على التأثير بالملف الفلسطيني، وهي ميزة تفتقر إليها “أطراف” أخرى طامحة إلى الاستفراد بتمثيل المنطقة على طاولة السياسات العالمية.
وهذه التحركات المصرية مرتبطة بملامح سياسة خارجية مصرية تعتمد على الانخراط الفاعل في دول الجوار.
وهو تغير مشاهَد في ليبيا وتطوير العلاقات المصرية مع أطراف الأزمة الليبية بعد اقتصارها على دعم خليفة حفتر، والدفع الملحوظ للعلاقات مع السودان في مجالات متعددة أهمها توقيع الاتفاقية العسكرية مع الخرطوم التي ترى إثيوبيا أنها موجهة ضدها على خلفية الانسداد بمفاوضات سد النهضة.
ويبدو أن الخارجية المصرية تحاول توسيع شبكة حلفائها في مواقفها ممّا يجري في فلسطين، وفي هذا السياق يظهر تنسيق مصري-أردني تجاه التطورات الأخيرة.
فتحفظات القاهرة على التطبيع الأخير تساور عمان أيضاً من جهة أن هذا “التطبيع المجاني” أتى في سياق صفقة القرن التي أعلن الملك الأردني عبد الله الثاني الرفض القاطع لها.
وكان الديوان الملكي الأردني أعلن توافق باريس وعمان والقاهرة على إطلاق مبادرة إنسانية لوقف إطلاق النار وأن الملك عبد الله الثاني أكد “ضرورة حماية الفلسطينيين ووقف جميع الاعتداءات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في القدس وإنهاء العدوان على غزة”
العلاقات العامة وتسويق الانتصارات
هذا السعي المصري لاستعادة الدور الإقليمي من المدخل الفلسطيني يحمل أبعاداً أخرى تضعها القاهرة في عين الاعتبار.
إذ يهدف إلى تنفيس بعض من الغضب الشعبي الذي أثبتت القضية الفلسطينية قدرتها على خلقه من جديد في صفوف المواطنين على امتداد العالم العربي بعد أن ناله خفوت إثر عشرية الربيع العربي.
ولذلك فقد كان جزء من الإجراءات مرتبطاً بمبادرات شعبية محدودة كالتبرعات للهلال الأحمر المصري وفتح باب التطوع للأطباء للعمل في غزة.
كما يذهب البعض إلى أن التوجه المصري الجديد يندرج ضمن حملة علاقات عامة تستهدف بجانب الكسب الشعبي تلميع صورة النظام المصري في قضية ذات حساسية وجدانية عالية لدى العرب، لا سيما أن مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يكتنفه الغموض بعد هبوط أسهمه التدريجي خلال أربع جولات انتخابية متتابعة وفشله في تكوين حكومة ائتلافية قبل إعلان الحرب على غزة.
وغير بعيد عن هذا ذهاب النائب البرلماني المقرب من السلطات المصرية مصطفى بكري إلى أن تآمراً خفياً من جهات لم يذكرها على مصر بملف سد النهضة، وأنهم “أرادوا العبث في مياه نهر النيل مع إثيوبيا فإذا بالأرض تزلزل تحت أقدامهم في فلسطين”
وهو جزء من تأكيدات إعلامية مصرية لدور إسرائيلي ما في ملف سد النهضة، يستهدف الضغط على القاهرة وإضعافها، وقد يكون التحرك المصري الأخير في إطار الترويج الإعلامي “لنجاح” مصري يتعلق بخصومة القاهرة في ملف سد النهضة، في مقابل ما يوصف بفشل الخارجية المصرية في إدارة التفاوض عليه.
في حين ذكرت تقارير إعلامية أن القاهرة طلبت سابقاً من تل أبيب التوسط لدى إثيوبيا في ملف مياه النيل، كما يرى بعض الباحثين أن تطورات هذا الملف تمنح تل أبيب فرصة تسويق تقنياتها المتعلقة بترشيد استخدام المياه لمصر، وهو ما يزيد في المحصلة من قوة التطبيع بين الطرفين.
هذا التغيير لا يمكن عده تحولاً استراتيجياً في تعاطي القاهرة مع ملف الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بقدر ما يمكن القول إنها محاولة لإعادة ترتيب الأوراق بما يصب في خدمة مصالح النظام المصري، ولذلك لم يصل “تصعيد” القاهرة إلى المساس بالملفات الرئيسية بين الطرفين المتعلقة بالأمن أو الشراكة في منتدى الغاز شرق المتوسط على سبيل المثال.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات