سيد حمدي يكتب: قراءة في الشخصنة ومآلاتها !

أحد أبرز الدروس التي أفادتني على المستوى الشخصي من زمرة الأحداث المريرة المتلاحقة التي تمر بها أمتنا ؛ التركيز جيدا على النهج العام الذي يجب على المسلم سلوكه ، بعيدا عن فكرة تقديس الأشخاص وربط مصيره بهم  ..

 ربما قرأت هذا الدرس في كتاب الله ولكني لم ألتفت إليه ، ذلك أن التربية بالأحداث أعظم أثرا في النفوس ..

فقد قص القرآن قصة نبي الله موسى والخضر وجاء فيها أن كليم الله موسى أنكر على الخضر مع يقينه بقدر الخضر وعلمه وحنكته ورؤيته ،  وذلك لما استقر في نفس موسى من حرمة النفس والمال ولذا كانت النتيجة الإنكار..

 لقد ابتلي كثير منا  بتقديس الأشخاص والمسارعة في إقامة الأدلة الدامغة على خيرية ما يفعلونه لاسيما في مسيرتهم الثورية ، الأمر الذي انعكس في إصابتنا بالصدمات واحدة تلو الأخرى وربما كان ذلك سببا في إحداث غبش في الرؤية أبطأ المسير ..

لقد كان من عبقرية الإمام علي رضي الله عنه أنه قال كلمة منهجية غاية في الرقي ، وترسم المستقبل لأولئك الذين يصابون بالحيرة ويساورهم الشك والقلق عند كل خطوة يخطونها ..

فقد قيل له يوما : ماذا تقول في فلان وفلان  ؟

يقصدون بعض الصحابة الذين وقفوا في صف معاوية رضي الله عنه ، فقال فيهم خيرا ، فتعجبوا من ذلك وقالوا : كيف تصفهم بالخير وهم في الطرف الآخر ؟!

فإن كانوا كما تقول فالخطأ عندك ، ومعاوية على صواب ، وإما أن يكونوا مخطئين فلا ينبغي أن تصفهم بالخير ..

فقال علي كرم الله وجه :  اعرفوا  الحق بالحق ولا تعرفوا الحق بالرجال !

إن القرآن الكريم يحذرنا من الغلو وتعظيم الأشخاص على حساب المنهج ، كما يعلمنا عدم الشخصنة والتركيز على الحدث لا الذي قام به ، ففي سورة المجادلة ركز على الفكرة ولم يتطرق في القصة إلى بطلتها ، ومن بين كل الصحابة لم يرد ذكر أحد منهم في القران باستثناء سيدنا زيد ، ومن بين كل نساء الدنيا لم تذكر إلا السيدة مريم !

وعلى الرغم من ورود ملوك وشخصيات كان لها عظيم الأثر في دورة التاريخ لم يتعرض القرآن إلى أسمائهم بل تطرق إلى أسماء وظائفهم كقارون وهامان وفرعون ..

في المقابل ورد الاسم الموصول كثيرا (الذين أشركوا) ، ( الذين آمنوا) ، (الذين نافقوا)  …

 والاسم الموصول كما هو معلوم اسم مبهم يجرد ما بعده للصفة ،  فلا يهم الأشخاص بل يهم الصفة ، فلم يجزم أنه يقصد أهل قريش حين قال الذين أشركوا ولم يجزم أنه يقصد الذين أمنوا في المدينة حيث قال (الذين آمنوا)  ، بل  يقصد المشركين في عموم الدنيا والمؤمنين في أرجاء المعمورة !

فهنا يربط الاسم الموصل بجملة الصلة ليؤشر على الفعل والصفة بعيدا عن الأشخاص تماما .

ولهذا لم يجد أهل مكة حين دخلوا الإسلام حرجا في أن يقرأوا القرآن ، فلم يستهدفهم القرآن كأشخاص بل كأوصاف ، أما وأنهم قد تخلصوا من تلك الأوصاف فلم يجدوا حرجا في القراءة !

 ورسول الله كذلك ، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ) ، ودائما يحاول أن يربطهم بالمنهج بعيدا عن فكرة الأشخاص مهما علا قدرهم .

حتى من المفارقات الجوهرية وليست الشكلية فقط بيننا وبين النصارى أنهم يربطون تاريخهم بشخص ( سيدنا عيسى)  قد عظموه وأطروه وبالغوا في مدحه حتى وصل بهم الحال إلى عبادته ، بينما نحن المسلمون اتخذنا من حدث الهجرة منطلقا لتاريخنا وهو حدث ارتبط بإقامة  دولة الإسلام ولم يرتبط بشخص !

فعدم الشخصنة  والتعلق بأفراد يؤدي إلى جملة من الفوائد أبرزها الاستقلالية في الرؤية واتخاذ القرار  المناسب في الوقت المناسب علاوة على الوقاية من الإصابة بالصدمات .

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …